شهد الريف اليمني خلال العقود الماضية تحولات بنيوية عميقة أعادت تشكيل واقعه الاقتصادي والاجتماعي بصورة جذرية، متسببا بحدوث موجات نزوح كبيرة من سكان الريف إلى المدن المركزية نتيجة لسياسيات التنمية التي أهملت الريف كرافد اقتصادي. ورغم الدور المحوري للريف في توفير الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي وفق رؤية مستدامة، إلا أن السياسات التنموية الحديثة، وموجات الانفتاح الاقتصادي ... تسببت في إضعاف بنيته الإنتاجية الصلبة. تفاقم هذا التفكك بفعل مركزية التخطيط الحضري الصارمة، وتراجع الاهتمام بالبنى الزراعية والرعوية؛ مما أدى إلى اتساع الفجوة التنموية والمعيشية بين المدينة والريف، وغيّر نمط الحياة الريفية المستقر. ونناقش أبرز الأسباب التي سرعت من تآكل الاقتصاد الريفي (الإنتاج المستدام) لصالح نمو المدن المركزية الاستهلاكية، والتي جعلت الريف هامشياً خلال العقود الماضية نتيجة سياسات اقتصادية وتنموية وضعت الريف اليمني المنتِج في أسفل سلم الأولويات. لعبت السياسات الإعلامية الرسمية في اليمن دورا محوريا سلبياً في تشكيل الصورة الذهنية للريف في الوعي العام للسكان، من خلال خطاب تمجيد مراكز المدن بوصفها معاقل "التحضر" والتقدم، والتسويق للسكن فيها، في مقابل تهميش صورة الريف وتجاهله تماماً في الخطاب والإنتاج الإعلامي المضخم. ساهم هذا التوجه في تعزيز وتشجيع الهجرات الداخلية من الريف للمدينة الناشئة، وتبني نمط العيش الحضري الاستهلاكي، فيما ظلت الوظائف الزراعية والرعوية للريف خارج دائرة الضوء والاهتمام. أدى ذلك إلى تغييب الدور التاريخي للريف كمصدر للغذاء، واستغلال الموارد والاستدامة، وسرّع من تلاشي قيم الإنتاج المحلي لصالح ثقافة استهلاكية مستوردة، رغم أن الذين ينتقلون من الريف إلى المدن قد يعيش جودة حياة أقل. الزراعة.. من الاكتفاء إلى التبعية كان القطاع الزراعي يمثل - لقرون طويلة - أهم أعمدة الدخل الوطني والمحور الرئيسي لاقتصاد الدولة اليمنية، إلا أن فترة ما بعد السبعينيات شهدت تحولا دراماتيكيا تمثل في دخول مصادر دخل جديدة كالاغتراب إلى دول الخليج، والوظيفة العامة؛ مما خلق اعتمادا واسعا على التحويلات المالية، وقلل الحافز للاستثمار في الإنتاج الزراعي والإنتاج الحيواني المحلي. بالتزامن مع ذلك، سمح الانفتاح التجاري بدخول السلع الزراعية الرخيصة، فتقلصت مساحات المحاصيل التقليدية، وتدهورت إنتاجيتها بشكل ملحوظ، وتضاعفت واردات الحبوب بين عامي 1975 و1980 في مؤشر خطير على تراجع الإنتاج المحلي. وتفاقمت هشاشة الأمن الغذائي مع اتجاه المزارعين نحو زراعة القات كمحصول نقدي مربح على حساب المحاصيل الأخرى، سواء تلك التي تعزز الأمن الغذائي مثل الحبوب أو المحاصيل النقدية كالقطن وغيره. الثروة الحيوانية وسياسات الإغراق مثل الرعي إحدى الوظائف الريفية الرئيسية والاستثمار في الإنتاج الحيواني، حيث مثلت مع الإنتاج الزراعي دائرة الاستدامة في الاقتصاد المحلي في اليمن قديماً، ارتبطت الثروة الحيوانية تاريخيا بدخل الأسرة الريفية عبر منتجات الحليب والسمن والأجبان، واللحوم، والصوف، والجلود. لكن السياسات التجارية فتحت الباب أمام المنتجات المستوردة كبدائل رخيصة لتغزو الأسواق المحلية، حيث تشير البيانات الفنية إلى أن ما بين ربع إلى قرابة نصف استهلاك اللحوم بات يأتي من الخارج، وحلت البدائل المصنعة (الملابس، والمفروشات، والزيوت النباتية المهدرجة، والحليب المجفف) محل المنتجات المحلية. السياسات التجارية فتحت الباب أمام المنتجات المستوردة كبدائل رخيصة لتغزو الأسواق المحلية حتى أصبحت نسبة كبيرة من استهلاك اللحوم تأتي من الخارج ومع انخفاض الدعم الموجه لهذا القطاع، تراجعت الاستثمارات فيه وبدأت الثروة الحيوانية بالانكماش، واستبدلنا الأبقار المحلية بالمستوردة، هذا إلى جانب التحديات التي يواجهها مربو الماشية. الاقتصاد وفخ "المرض الهولندي" مصطلح "المرض الهولندي" (Dutch Disease) هو مفهوم مهم في الاقتصاد يطلق على حالة الطفرة في قطاع واحد من الاقتصاد "عادةً قطاع الموارد الطبيعية مثل النفط أو الغاز" حيث يؤدي إلى إلحاق الضرر بقطاعات أخرى؛ مما يسبب مشاكل اقتصادية على المدى الطويل، كذلك ازدهار تجارة الاستيراد. وشهدت الأسواق اليمنية مرحلتين متتاليتين من الانفتاح التجاري مكنت السلع المستوردة من الهيمنة المطلقة. في المرحلة الأولى، أدى تدفق التحويلات وإيرادات النفط إلى رفع قيمة الريال؛ مما جعل الواردات أقل كلفة، وأضعف تنافسية الصناعات المحلية، وهو ما يعرف اقتصاديا بـ "المرض الهولندي" الذي كبل نمو الإنتاج الوطني. أما المرحلة الثانية، فقد شهدت اندفاع الشركات الأجنبية ذي الإمكانات العملاقة نحو الأسواق دون حماية للمنتجين المحليين؛ مما يقلل القدرة التنافسية بين المنتجين المحليين والشركات الخارجية. ومع غياب الدعم الحكومي انهار الإنتاج المحلي، في المجالات الحرفية للملبوسات وغيرها أو المنتجات الزراعية، فمثلا اشتهرت اليمن بإنتاج البن فأغرقنا السوق المحلي بالشاي، وهكذا في باقي المنتجات. وساهمت هذه الأسباب في انهيار الاستثمارات في القطاع الزراعي والحيواني والإنتاج الحرفي والمهني المحلي واختزال فكرة الاستثمار في العقارات، ومن هنا لعب التخطيط الحضري الحديث الدور التكميلي للمشهد. التخطيط الحضري والسياسات الحكومية قديما كانت المدن في اليمن مدناً رمزية في مناطق محصورة ومحدودة، وتعتبر فكرة التوسع في المدن فكرة طارئة على التخطيط الحضري اليمني تأثرا بالفكر الحداثي الطاغي الذي فرض نفسه على المشهد. وبدأت المدن تتوسع بطرق غير مدروسة على حساب الأراضي الزراعية من حولها (القيعان مثل عمران ويريم وذمار وصنعاء، والوديان مثل تعز وإب) ولا أظن ذلك كان نتاج رؤية وطنية واعية وكفاءات علمية وطنية، بالقدر الذي كان توسعا يجاري التمدد غير المدروس لرقعة المدن، وتكشف الصور الجوية القديمة الأدلة على تلك العشوائية. وارتكزت خطط التنمية في العقود الأخيرة بشكل أساسي على تعزيز المدن الكبرى وربطها بشبكة طرق رئيسية صممت خصيصا لدعم سلاسل التوريد بين الموانئ والعواصم، امتلأت هذه الشبكات بالحركة خلال السبعينيات حتى اكتملت الروابط بين المدن، بينما بقيت القرى بعيدة عن هذه الشرايين الحيوية لقرابة أربعة عقود. كما تركزت الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والكهرباء والمؤسسات الخدمية والإدارية للدولة حصريا نحو مراكز المحافظات؛ مما أجبر سكان الريف على التنقل الدائم لإتمام معاملاتهم، وتركزت مؤسسات الدولة في المدن الرئيسة دون تخطيط مراكز المديريات، حتى يومنا هذا لم تطلق الجهات المسؤولة عن التخطيط الحضري أي مخططات حضرية لمراكز المديريات؛ مما عطل فرص الاستثمار المحلي، وحصرها في المدن المركزية، وحرمان المناطق الريفية. كمثال يوضح تجسد أثر السياسات الحكومية على الريف في نموذجين متناقضين من حيث النتائج والأثر المستدام؛ ففي جانب إيجابي، ساهم قرار منع استيراد الفواكه والخضروات الطازجة في تنشيط المزارع المحلية وزيادة الإنتاج؛ مما أدى لخفض فاتورة الاستيراد، وتوفير العملة الصعبة، وخلق فرص عمل. في المقابل مثل دعم الوقود أحد أبرز القرارات ذات الأثر السلبي العميق، إذ أدى انخفاض تكلفة الديزل إلى توسع عشوائي في حفر الآبار واستنزاف المياه الجوفية، وعقب رفع الدعم عام 2014 تضاعفت تكلفة الضخ، فتفاقمت أزمة المياه، وتضررت المزارع المعتمدة عليه. رؤى لتصحيح المسار قدم خبراء التنمية الريفية رؤى كان بإمكانها إعادة التوازن المفقود بين المدن والقرى لو تم الأخذ بها، من أبرزها التوجه نحو التخطيط الحضري المستدام الذي نملك رصيداً تاريخيا مزدهاً فيه يمكن الاستفادة منه والبناء عليه، أو إعادة النظر في تخطيط حضري لا مركزي توزيع المؤسسات الحكومية والخدمية على مديريات المحافظة بدلا من تكديسها في المدن الكبيرة. هذه الرؤى إذا تحولت إلى خطط إستراتيجية كانت ستقلل من أعباء التنقل، وتخلق فرص استثمار محلية واسعة، كما طرحت فكرة "الإدارة الخدمية المتنقلة" التي تتيح انتقال الخدمات بين المديريات بشكل دوري، وتظهر هذه البدائل أن المركزية الشديدة للتخطيط كانت عاملا رئيسا في تعميق التفاوت الطبقي والجغرافي بين الحضر والريف. ونظرا للدور المحوري الذي لعبه الإعلام في تزييف الوعي الجمعي بأهمية الاقتصاد الريفي المستدام يأتي أهمية المنصات الإعلامية التي برزت مؤخرا، مثل "منصة ريف اليمن"، التي تهدف إلى إعادة الاعتبار للريف كفضاء غني بالموارد والتراث، وتصحيح الصورة النمطية السائدة، وتسليط الضوء على الريف وقضاياه كحاجة وطنية ملحة. إن تفكك الأرياف في اليمن لم يكن وليد الصدفة، بل حصيلة سياسات متراكمة تتطلب اليوم قراءة عميقة لبناء رؤية تنموية عادلة. ومع توفر البدائل التخطيطية وظهور وعي إعلامي جديد، يصبح دور الجهات المعنية أساسيا في تبني خطة إنقاذ تعيد التوازن بين المدينة والقرية، وتطلق مسارا يضمن استعادة الريف لمكانته الطبيعية في الاقتصاد الوطني، ودعم ما يعزز حضوره الفاعل.
تفكّك إنتاجية الريف كنتيجة لسياسات التهميش
شهد الريف اليمني خلال العقود الماضية تحولات بنيوية عميقة أعادت تشكيل واقعه الاقتصادي والاجتماعي بصورة جذرية، متسببا بحدوث موجات نزوح كبيرة من سكان الريف إلى المدن المركزية نتيجة لسياسيات التنمية التي أهملت الريف كرافد اقتصادي. ورغم الدور المحوري للريف في توفير الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي وفق رؤية مستدامة، إلا أن السياسات التنموية الحديثة، وموجات الانفتاح الاقتصادي ...

