في قرى اليمن وجباله وسهوله، كان أجدادنا يمتلكون أراضي خصبة، وكانت الأرض تمنحهم الخير الذي يكفي العائلة، كانت المياه متوفرة نسبيًا، والمحاصيل تنمو بسهولة، والحياة الزراعية مستقرة إلى حد كبير، أما اليوم تغير كل شيء وتعددت أسباب عدم الاهتمام بالزراعة. بدءاً بتقسيم الأراضي بين الورثة؛ جعل القطع صغيرة جدًا، وبعض المزارعين لم يعودوا يهتمون بها، وآخرون ... يواجهون صعوبة في الزراعة بسبب ندرة المياه التي زادت الوضع تعقيدًا، وارتفاع أسعار البذور والأسمدة جعل من الزراعة تحديًا يوميًا، وحتى إذا قرر بعض المزارعين الزراعة والإنتاج، يضطرون غالبًا لبيع محاصيلهم بأسعار رخيصة في الأسواق، والفائدة الكبيرة للتجار والوسطاء. لكن.. إلى متى ستضيع جهود المزارع وأرضه؟ لماذا لا نجد حلاً يجمعه مع جيرانه ليصبحوا أقوى؟ لماذا لا يتم إنشاء جمعية زراعية أو تعاونية تنظم عملية الزراعة، توفر البذور والأسمدة لهؤلاء المزارعين الصغار، وتجمع منتجاتهم وتبيعها بأسعار عادلة يستفيد منها الجميع؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى فكرة التعاونيات الزراعية، التي أثبتت في العالم كله قدرتها على تحويل جهود الأفراد إلى قوة اقتصادية واجتماعية حقيقية، وخاصة في اليمن التي تأسست التعاونيات الزراعية فيها قبل بقية الدول العربية بوقت طويل. لماذا التعاونيات الزراعية مهمة؟ التعاونية الزراعية هي جمعية مملوكة ومدارة من قبل مجموعة من المزارعين هدفهم حماية مصالحهم الاقتصادية وتحسين إنتاجهم. وبدلاً من أن يعمل كل مزارع بمفرده، يجتمعون ليشتروا المدخلات الزراعية بكميات كبيرة وتكلفة قليلة، ويحفظون منتجاتهم في مخازن مشتركة ويبيعوها بشكل جماعي بأسعار أفضل. بهذه الطريقة، يحصل المزارع على قوة تفاوضية تحميه من استغلال السوق والوسطاء، كما تتاح له فرص الحصول على تمويل ودعم فني واستشارات زراعية لمساعدته على تحسين إنتاجه، وفق ما تفيد منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). هل تساءلت يومًا لماذا تتكرر عبارة "ضرورة تفعيل دور التعاونيات الزراعية" في تقارير المنظمات الدولية؟ ما الذي يجعل التعاونيات محط اهتمام العالم كله؟ أو ما الذي يمكن أن تقدمه هذه الجمعيات للمزارعين، وللاقتصاد بشكل عام حتى يتم التركيز عليها بهذا الشكل؟ الحقيقة أن التعاونيات الزراعية ليست جمعيات خيرية كما يظن البعض، بل هي منظمات اجتماعية واقتصادية هدفها أن تمكّن المزارع الصغير من الصمود أمام ارتفاع التكاليف، وندرة الموارد، والمنافسة في الأسواق ضد التجار الكبار والمنتجات المستوردة. وفي العام 2008 حققت أفضل 300 تعاونية في العالم مبيعات إجمالية تجاوزت 1.1 تريليون دولار، أي ما يعادل حجم عاشر اقتصاد في العالم (أي دولة بحجم كندا) هذا يوضح قوة التعاونيات في تحويل الجهود الفردية إلى قوة اقتصادية حقيقية. السؤال المطروح هنا، إذا نجحت التعاونيات في العالم بهذه القوة، لماذا لا نأخذ فكرة كيفية عمل بعض التعاونيات الناجحة في الدول ونطبقها عندنا لتدعيم اقتصادنا وتحسين حياة المزارعين في اليمن؟ التعاونيات في اليمن التعاونيات الزراعية ليست جديدة في اليمن ولم تبدأ الفكرة اليوم، بل إنها موجودة منذ خمسينات القرن الماضي. حيث أُنشئت التعاونيات الرسمية في جنوب اليمن عام 1956 وفي الشمال عام 1963، وتشير بعض الدراسات القديمة إلى أنه ارتفع عدد الجمعيات في جنوب اليمن من 13 تعاونية تضم 19 ألف مزارع في عام 1970 إلى 61 تعاونية تضم 44 ألف مزارع في عام 1983. لم يكن هذا النمو في الأعداد فقط، بل في الإنجاز أيضاً؛ إذ ساهمت هذه التعاونيات في إنتاج حوالي 30% من المحاصيل الزراعية، كما شهد إنتاج الخضروات قفزة ملحوظة ارتفع خلالها من 2.28 طن إلى 3.77 طن لكل فدان. وأكثر من نصف المزارعين عملوا ضمن النظام التعاوني؛ مما أثبت فعالية هذا النموذج في تعزيز الأمن الغذائي ودخل الأسرة الريفية. في عام 1983 وصل عدد التعاونيات الزراعية 61 جمعية تضم 44 ألف مزارع في جنوب اليمن وكانت تنتج 30 بالمئة من المحاصيل مع الأسف، لم تستمر هذه النجاحات بسبب الحروب والنزاعات المتكررة التي عصفت باليمن ودمرت البنية التحتية، وتسببت بنزوح أغلب المزارعين، بالإضافة الى التغيرات المناخية التي أثرت على الزراعة بشكل كبير خلال السنوات الماضية في ظل غياب مساعدة المزارعين على التكييف. ونتيجة غياب التعاونيات الزراعية أصبح معظم المزارعين يعملون بشكل فردي، معرضين للخسائر الاقتصادية والاستغلال من قبل الوسطاء والتجار. لم يعد هناك من يدعمهم في شراء المدخلات بأسعار مناسبة، ولا في تسويق محاصيلهم بأسعار عادلة، أو تقديم توصيات زراعية للأصناف التي يزرعونها. تحديات المزارعين اليوم يواجه المزارع اليمني تحديات متشابكة تجعل مداخيل الزراعة غير مجدية بالنسبة للزراعة الرعوية الصغيرة، أصبح صغر مساحات الأرض أحد أبرز التحديات؛ حيث إن تقسيم الورثة جيلاً بعد جيل حوَّل الأراضي إلى قطع صغيرة غير مجدية اقتصاديا، وبعضها لا تؤمن الاحتياج للأسرة من الحبوب كما كانت سابقاً. شحة المياه أيضا جزء من التحدي الذي يواجه المزارعين سواء بنقص مياه الآبار الجوفية أو تفاوت هطول الأمطار وتراجع إنتاج الزراعة التي تعتمد على الأمطار، وارتفاع تكلفة ضخ المياه يجعل الزراعة مكلفة جدًا، وأيضا ارتفاع أسعار المدخلات من البذور والأسمدة والمشتقات النفطية أصبحت تشكل عبئاً كبيراً على المزارع. ويعاني المزارعون من عدم قدرتهم على التسويق لمحاصيلهم، وصعوبة الوصول إلى الأسواق بسهولة، أو التصدير إلى الخارج، فغالبية المزارعين يمثل بيع المحاصيل بأسعار عادلة تحديًا يوميًا، وفي ظل نقص الدعم الفني وقلة الاستشارات الزراعية تجعل من الصعب تحسين الإنتاج. ويتخبط المزارعون بلا إرشادات في اتخاذ قرارات زراعة المحاصيل للحصول على عائد جيد، فمثلا يحصل ارتفاع في أسعار الطماطم في السوق المحلية يتناقل المزارعون التوصيات بزراعتها، ومن ثم يغرقون السوق ويحصل كساد، في ظل غياب مخازن التبريد أو مصانع كبيرة، تضيع نسبة كبيرة من المحاصيل. وهناك تحديات أخرى تحتاج إلى استراتيجية وطنية لتجاوزها، ومنها الاعتماد على الممارسات التقليدية في الزراعة والتي بدورها تقلل من الإنتاجية وتزيد نسبة الخسارة، بالإضافة إلى تدهور الأراضي بسبب التغيرات المناخية، والتوسع الكبير في زراعة القات. وجميع هذه التحديات يمكن حلها من خلال الجمعيات الزراعية، والتي يمكن أن تستلهم التجارب وقصص النجاح وكيفية عمل بعض التعاونيات الناجحة في الدول، وتحاول تكييفها على المزارعين في اليمن بما يجعله يتجاوز التحديات التي يواجهها. كيف حولت بعض الدول التعاونيات قوة اقتصادية؟ التجارب العالمية تثبت أن التعاونيات ليست مجرد فكرة، بل أداة فعالة لتحويل الجهد الفردي إلى قوة اقتصادية حقيقية، ففي الهند صنع «اتحاد أمول» لإنتاج الحليب قصة نجاح غير مسبوقة في القطاع الزراعي، منذ انطلاقه عام 1946 كمشروع صغير لمزارعين كانوا يعانون من استغلال الوسطاء. ركزت التعاونية على إدارة جماعية، بحيث يضمن كل عضو حصة عادلة من الأرباح، وشراء جماعي للمستلزمات لتقليل التكاليف، وتسويق موحد للحليب ومنتجات الألبان، كذلك الدعم الحكومي للبنية التحتية مثل وحدات التبريد والمصانع الصغيرة لمعالجة الحليب كان عاملاً حاسماً. اليوم، يضم الاتحاد أكثر من 3.6 مليون مزارع وينتج أكثر من 20 مليون لتر حليب يومياً، مما رفع دخل المزارعين وحقق لهم استقراراً اقتصادياً واجتماعياً وبحجم مالي حوالي 6.2 مليار دولار امريكي في عام 2022. وفي كينيا يتم إنتاج حوالي 70 في المئة من القهوة من قبل مزارعين صغار في إطار التعاونيات، حيث بلغت قيمة القهوة المباعة حوالي 311 مليون دولار امريكي في عام 2022، تكمن أسباب نجاح الجمعيات الزراعية في كينيا في قدرتها على تزويد المزارعين بـ "قوة تعاونية". وتحقق ذلك من خلال توفير الوصول إلى مستلزمات إنتاج عالية الجودة بأسعار مناسبة، وتمكين المزارعين من الحصول على أسواق تمنحهم أسعاراً عادلة، بالإضافة إلى تعزيز ممارسات الزراعة المستدامة والتكيف مع التغيرات المناخية، وتسهيل الحصول على قروض وخدمات مالية بأسعار فائدة معقولة. التجارب المحلية الناجحة حتى في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية، هناك الكثير من التعاونيات الزراعية المحلية التي حققت نتائج ملموسة على الأرض، ففي محافظة الحديدة: نجحت ثمان جمعيات تعاونية في إنتاج 2.251 مليون لتر من حليب الأبقار الطبيعي خلال شهر واحد فقط، هذا الإنتاج الضخم تم استلامه بالكامل من قبل ثلاثة مصانع وطنية؛ مما يؤكد قدرة التعاونيات على تنظيم السلسلة الإنتاجية من المزرعة إلى المصنع. ومن خلال العمل الجماعي المنظم، تمكنت هذه الجمعيات من تجميع الحليب من مزارعيها يومياً، ونقله عبر مركبات مبردة مخصصة للحفاظ على جودته، هذه العملية لم تضمن سعراً أفضل للمزارعين فحسب، بل وفرت عليهم عناء البحث عن أسواق، وخفضت نسبة الفاقد بشكل كبير. وفي محافظة المحويت اتجهت جمعية جبل المحويت التعاونية إلى تمكين المزارعين من خلال توفير المدخلات الزراعية الأساسية. فقد وزعت طنين من البذور كقروض للمزارعين، ووزعت 3000 شتلة بن مجاناً، وأنشأت 15 مدرسة حقلية لتدريب المزارعين على أفضل الممارسات الزراعية. هذا الدعم المباشر ساعد في التوسع في زراعة الحبوب والبقوليات، ورفع الإنتاجية، وخفض تكاليف الإنتاج على كل مزارع بشكل فردي، هذا النجاح اللافت لم يكن مجرد أرقام، بل يعني أن عشرات العائلات وجدت مصدر رزق مستقراً، وأطفالهم يرون ثمرة تعب آبائهم تصل إلى المصانع الوطنية. [caption id="attachment_1609741" align="alignnone" width="1280"] مازال المزارعون في اليمن يستخدمون بعض الطرق من الإرث العريق في الزراعية[/caption] كيف يمكن إعادة تفعيل التعاونيات الزراعية؟ إعادة تفعيل التعاونيات تتطلب خطوات عملية وواضحة، تركز على دعم المزارع الصغير وتحويل الجهود الفردية إلى قوة جماعية وحالة استقرار في البلاد، تبدأ في تفعيل وتطبيق القانون اليمني الداعم للتعاونيات، والذي يوفر إعفاءات جمركية وتسهيلات في عمليات الاستيراد والتصدير. توفير معدات الزراعة الحديثة، وتمويل مشاريع استصلاح الأراضي لتسهيل الزراعة وزيادة الإنتاجية، وتوعية المزارعين بأهمية التعاونيات وتشجيعهم على الاشتراك فيها، وتدريب إدارة التعاونية على التسويق الناجح، والتغليف، والتصدير. الاهتمام الحكومي بالتعاونيات الموجودة حاليًا لتطويرها وجعلها داعمة للاقتصاد الوطني، والتعاون مع المنظمات الدولية لدعم بناء مخازن وغرف تبريد للمنتجات الزراعية، وإنشاء وتطوير منصات رقمية تسويقية تربط التعاونيات مباشرة بالمشترين داخل وخارج اليمن. في مرحلة التحول نحو الاستقرار والتنمية سيكون أمامنا تحدٍّ في اختيار إما أن نستمر في استيراد غذائنا وندفع الثمن باقتصادنا، أو نعيد إحياء أراضينا تشجيع رجال الأعمال على الاستثمار في وحدات التصنيع الزراعي الصغيرة بالقرب من مراكز الإنتاج التعاوني، والتعاون مع البنوك والمؤسسات المالية لدعم التعاونيات ككيانات اقتصادية وليس كأفراد، وإعادة تفعيل الجمعيات غير الفاعلة وإنشاء جمعيات جديدة في المناطق الزراعية، والتعاون مع مكاتب الزراعة في المحافظات لتقديم الاستشارات الزراعية للتعاونيات. من الواقعية الاعتراف بأنه من الصعب تفعيل جميع التعاونيات في كل المناطق في وقت واحد، بسبب اختلاف ظروف الاستقرار ودرجة التنظيم المجتمعي بين منطقة وأخرى. لذلك، يجب وضع خطة استراتيجية وطنية على مراحل، تبدأ بالمناطق التي تضم عددًا كبيرًا من المزارعين وقريبة من الأسواق الرئيسية، ثم التوسع تدريجيًا لتشمل باقي المحافظات، مع خطة زمنية واضحة تمتد لعدة سنوات. في مرحلة التحول نحو الاستقرار والتنمية سيكون أمامنا تحدٍّ في اختيار إما أن نستمر في استيراد غذائنا وندفع الثمن باقتصادنا، أو نعيد إحياء أراضينا بطريقة أذكى وأقوى بإعادة تفعيل التعاونيات، والتي لا تعني مجرد زيادة في دخل المزارعين، بل انتشال العائلات من الفقر، وتحويل المزارع إلى قوة اقتصادية قادرة على المنافسة. اليمن يمكن أن يعود ليس فقط لتحقيق الأمن الغذائي لشعبه، بل ليصدر منتجاته المميزة كالبن والعسل والعنب والكثير من المنتجات اليمنية إلى الأسواق العالمية مرة أخرى، واستلهام تجارب الدول الزراعية باستخدام الطرق الحديثة، مع الحفاظ على الإرث الزراعي العريق التي تملكه البلاد ويميز محاصيلها المتنوعة.
التعاونيات مفتاح مستقبل الزراعة اليمنية
في قرى اليمن وجباله وسهوله، كان أجدادنا يمتلكون أراضي خصبة، وكانت الأرض تمنحهم الخير الذي يكفي العائلة، كانت المياه متوفرة نسبيًا، والمحاصيل تنمو بسهولة، والحياة الزراعية مستقرة إلى حد كبير، أما اليوم تغير كل شيء وتعددت أسباب عدم الاهتمام بالزراعة. بدءاً بتقسيم الأراضي بين الورثة؛ جعل القطع صغيرة جدًا، وبعض المزارعين لم يعودوا يهتمون بها، وآخرون ...

