هويدا سالم – حضرموت
في المكلا حيث يضرب حر الصيف البرودة والغبار، تكافح السيدة نور بازهير (45عاماً)، بشكل يومي مع إعاقتها الحركية وأثر تغير المناخ على صحتها فهي تحتاج إلى المساعدة بشكل دائم.
نور هي واحدة من بين العديد من النساء ذوات الإعاقة الحركية اللواتي يعانين من الكثير في وجه التغيرات المناخية. إذ تشير دراسة من أوكسفام إلى إن 60% منهن لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم.
النساء ذوات الإعاقة الحركية
في ظل التغيرات المناخية، تبدأ الحرارة أولاً، ثم ترتفع، كثيفة وخانقة بالنسبة لأولئك العالقين بكراسيهم، داخل منازلهم، حتى تصبح عدوًا لا يمكنهم محاربته بمفردهم.
يحدث ذلك مع “نور” التي بدأت معاناتها مع الحمى والاختناق منذ سن الرابعة من عمرها، إذ كانت تتنقل بين المستشفيات والبخاخات الطبية، دون أن يخفف ذلك من معاناتها.
تقول نور: “حين يتوقف جهاز التنفس عن العمل، أضطر للذهاب إلى المستشفى، كما أن التنقل اليومي بين المنزل والعمل يتطلب مساعدات مستمرة من إخوتها، لكنها تعلم أن الأوقات الصعبة قادمة”.
حيث يتسارع نفسهم، يشعرون بثقلها حرارة شديدة تخنق الأنفاس ثم يأتي الغبار والعواصف تدور، عنيفة وعمياء لا يمكنهم الهروب منها، وكذلك الرياح تجرف الأرض النظيفة، وتحمل الغبار إلى رئتيهم. يتراكم الرمل داخل صدورهم. يتركون أنفاسهم تلهث، محاصرين في عالم لا يمكنهم الفرار منه.
ثم تأتي الرطوبة، تضيف ثقلًا للهواء،تلتصق بالجلد، وتمتلئ بها الرئتين، ويصبح التنفس أصعب، يشعرون بالتغيرات في الهواء، ويجعلون كل شيء أسوأ، ثم، بعد أن تمر العاصفة، الحرارة، والغبار، والرطوبة—كل شيء يسلبهم فرصهم للعمل.
وقالت منظمة الصحة العالمية (WHO) إن النساء ذوات الإعاقة يواجهن صعوبات صحية أكبر بنسبة 20% مقارنة بالنساء غير المعاقات، في ظل تغير المناخ.
وفي تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، قيل إن هؤلاء النساء يعانين من تهميش مزدوج يعيشون في ظل غياب الاستراتيجيات الواضحة التي قد تساهم في تقليل معاناتهن.

ضحايا بسبب تغير المناخ
في اليمن، لا توجد أرقام دقيقة عن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة لكن تقديرات منظمة العفو الدولية تؤكد إن 15% من السكان يعانون من نوع من الإعاقة.
ومع هذا، يواجه هؤلاء الأشخاص، وخاصة النساء، تحديات صحية معقدة. فبينما يستمر التلوث الناجم عن الحروب، فإن التغيرات المناخية مثل العواصف الرملية والغبار تعمق من معاناتهم.
وينص القانون اليمني رقم (61) لعام 1999 على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف المجالات، بما في ذلك الرعاية الصحية. كما ينص القانون رقم (2) لعام 2014 على تحسين جودة الحياة للأشخاص ذوي الإعاقة من خلال توفير الرعاية الصحية والتعليم والعمل، وتخصيص بيئة ملائمة تضمن لهم الوصول إلى خدمات صحية متخصصة.
معاناة أدت للوفاة
سمر (إسم مستعار)، سيدة في الخامسة والخمسين من عمرها معاقة حركياً، بينما كانت في الجمعية التي عملت بها، أصابها تشنج نصفي في الجزء العلوي من جسدها، وفور وصولها إلى المستشفى، فارقت الحياة.
لا شيء كان في يدهم لتقديمه، لم تتوفر المواد الإسعافية الأساسية في الجمعية، كان النقص قاتلاً، وأدى إلى فقدان حياتها، بينما كان يمكن أن تكون هي على قيد الحياة لو أن هناك تدريباً على الإسعافات الأولية، لم يكن هناك من يستطيع المساعدة.
اليمن يواجه تحديات متعددة تزداد تعقيدًا، صراع مستمر، انهيار اقتصادي، وكوارث مناخية مستمرة في ظل غياب الخدمات الصحية والمساعدات الإنسانية باتت أساسية للبقاء إذ يحتاج حوالي 21.6 مليون شخص إلى مساعدة، كما أن 80% من السكان يعانون من نقص في الغذاء، والمياه الصالحة للشرب، والرعاية الصحية.
من بين 4.5 مليون نازح، تشكل النساء والأطفال 80%. ما يقارب ربع الأسر النازحة تقودها نساء، وأغلبهن يواجهن تمييزًا يمنعهن من الحصول على التعليم والفرص الاقتصادية. إضافة إلى ذلك، يعيش النازحون في ظروف مأساوية، مما يعرضهم للعنف والاستغلال.
وتعاني النساء والفتيات ذوات الاحتياجات الخاصة بشكل مضاعف، مع غياب تام للخدمات الصحية والحماية التي تلبي احتياجاتهن إذ أن تأثير تغير المناخ عليهنّ ليس مجرد مشكلة صحية، بل هو معركة يومية ضد الظروف التي تتزايد حدتها يوم بعد آخر.
وتواجه الفتيات ذوات الإعاقة صعوبات كبيرة، ليس فقط بسبب إعاقتهن، بل أيضاً بسبب التغيرات التي تطال بيئتهن. فخلال موجات الحر، لا يمكنهن التحرك بسهولة أو الوصول إلى أماكن آمنة. صعوبة التنقل تصبح تهديداً إضافياً عندما ترتفع درجات الحرارة، وتزداد المخاطر الصحية. الأماكن التي قد تكون مأوى أو ملجأ، تصبح بعيدة المنال.
في الأوقات التي يشتد فيها العنف البيئي، سواء كان نتيجة للفيضانات أو العواصف الرملية، تتعرض الفتيات ذوات الإعاقة لمخاطر أكبر. لا يقتصر الأمر على صعوبة الوصول إلى الأمان، بل يتعلق أيضاً بحقيقة أنهن عرضة للتهديدات الأمنية المتزايدة. غياب خدمات الحماية المناسبة يعرضهن للعنف والاستغلال، إذ يصبح من الصعب على هؤلاء الفتيات إيجاد ملجأ آمن.
من ناحية أخرى، تصبح العزلة الاجتماعية عبئاً أكبر على هؤلاء الفتيات. مع تزايد التمييز على أساس الإعاقة والنوع الاجتماعي، تتعرض الفتيات ذوات الإعاقة لاستبعاد أكبر من البرامج والمبادرات التي تهدف إلى معالجة آثار التغير المناخي. الأمر لا يتوقف عند صعوبة الوصول إلى المساعدة؛ بل يمتد إلى فقدانهن لأبسط الفرص في التعليم والعمل.
الاستراتيجيات والخطط المحلية
في اليمن، حيث لا تتوقف العواصف ولا تنتهي الحروب، تخبطت السياسات الخاصة بذوي الإعاقة تحت وطأة الواقع الصعب. ليس هناك وقت لتنفيذ الاستراتيجيات الوطنية التي وُضعت لتحسين أوضاع هؤلاء الأشخاص. الحرب المستمرة منذ سنوات جعلت من هذه السياسات مجرد كلمات على أوراق، تتلاشى مع الرياح العاتية.
منذ عام 1999، كان هناك القانون الذي يقر حقوق المعاقين في الرعاية الصحية والتعليم. لكن في بلاد أنهكتها الحرب، تلك القوانين لا تكاد تكون أكثر من ذكرى قديمة. حتى عندما تم سن قانون آخر في 2014، كان الأمل ضعيفًا في تطبيقه، لأن الوضع الاقتصادي والاجتماعي لا يعترف بأية حقوق غير البقاء على قيد الحياة حسب تقرير منظمة “الإنسانية والإدماج” (Humanity & Inclusion) الصادر عام 2022.
النساء ذوات الإعاقة، أول من يعانين، لهن رحلة مرهقة في عالمٍ يحجب عنهن فرص التعليم والعمل. الطرق أمامهن مليئة بالعقبات. هناك أكثر من 15% من السكان يعانون من إعاقة ما، لكن ما يعانيه هؤلاء الأشخاص – وخصوصًا النساء – ليس في الإعاقة الجسدية فقط، بل في الظلام الذي يلف خدمات الصحة والتعليم.
مما لا شك فيه أن المقارنة بين القادرين على الحركة وذوي الإعاقة في مسألة تأثير تغير المناخ معقدة للغاية. هناك معاناة صحية مضاعفة لدى الأشخاص ذوي الإعاقة، خاصة عندما تتداخل العوامل النفسية والبدنية. الإعاقة التي تبدأ منذ الطفولة تكون أكثر صعوبة.
كما يشرح الدكتور هاني باعباد، المختص في التربية الخاصة، أن الإعاقات الحركية يمكن أن تكون جسمية مثل الإعاقات العظمية، أو صحية مثل الأمراض المزمنة التي تؤثر على الجسم من الداخل مثل التلازيميا والسرطان.
حلول مقترحة
في ظل تأثيرات التغيرات المناخية على ذوي الإعاقة في اليمن ثمة خطوات ملموسة يجب اتخاذها من أبرزها: تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية،وضمان وصول النساء ذوات الإعاقة إلى العلاجات المتخصصة، وتوفير المعدات الطبية مثل أجهزة الأوكسجين المحمولة، بالإضافة إلى زيادة الوعي حول تأثيرات التغيرات المناخية.
إطلاق حملات توعية لزيادة فهم العلاقة بين تغير المناخ وأمراض الجهاز التنفسي، مع تقديم المعلومات بشكل واضح وسهل، بما في ذلك استخدام لغة الإشارة. ومن ضمن الخطوات التي يجب اتخاذها
- أولاً: تحسين البيئة المعيشية تحسين جودة الهواء في الأماكن التي تعيش فيها النساء ذوات الإعاقة، وتقليل التلوث عبر تنفيذ سياسات للحد من الانبعاثات الملوثة.
- ثانياً: دعم سياسات الوصول الشامل من خلال توفير مرافق صحية مجهزة ومناسبة للنساء ذوات الإعاقة، بالإضافة إلى توفير وسائل نقل مريحة وآمنة لهن.
- ثالثاً: التقنيات المساعدة توفير أجهزة طبية حديثة مثل أجهزة قياس التنفس المحمول، وتطبيقات الهواتف الذكية لمراقبة الحالة الصحية التنفسية.
- رابعاً: مشاركة النساء ذوات الإعاقة في صنع القرار تمكين النساء ذوات الإعاقة من المشاركة في وضع السياسات التي تخص صحتهن، ودعمهن في حملات المناصرة لحقوقهن.
- خامساً: التعاون بين المنظمات الدولية والمحلية تعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني لدعم النساء ذوات الإعاقة، خاصة في أوقات الأزمات الناتجة عن الكوارث البيئية.
- سادساً: تطوير استراتيجيات التكيف مع المناخ وضع استراتيجيات توعية تهدف إلى تعزيز فهم النساء ذوات الإعاقة لمخاطر تغير المناخ وتمكينهن من المشاركة في جهود التكيف.
وفي حين تنمو الجهود لتوفير حلول، تبقى الصعوبة في تطبيقها. غياب العلاج الطبي المناسب، والبيئة غير الآمنة، والتمييز المستمر، يجعل حياة هؤلاء النساء في نضالًا يوميًا.

