يصادف 20 مايو من كل عام، اليوم العالمي للنحل، حيث تتجدد الدعوات لحماية هذه الكائنات الصغيرة التي تمثل عنصرا أساسيا في الأمن الغذائي والتوازن البيئي، غير أن هذا اليوم يحمل وجعا مضاعفا للنحال اليمني سعيد عبدالسلام، الذي فقد أكثر من 120 خلية نحل خلال سنوات الحرب والتغيرات المناخية.
يقول سعيد (65 عامًا) المنحدر من قرية الأشروح في مديرية جبل حبشي غربي محافظة تعز، لـ”ريف اليمن”: “الحرب قلبت حياتي رأسًا على عقب، كنت أملك أكثر من 200 خلية نحل وكانت أوضاعي مستقرة، لكن منذ اندلاع الحرب في 2015 لم أشهد مثل هذه الخسائر والمعاناة القاسية”.
تمثل مهنة تربية النحل مصدر الدخل الرئيسي لسعيد وأسرته المكونة من 15 فردًا، إذ يعمل فيها منذ 30 عامًا، لكنه اليوم يتحدث بنبرة يغلب عليها الألم عن خسائر انعكست على صحته ونفسيته، إذ أصيب بالسكري وارتفاع ضغط الدم وتورم القدمين، وأصبح عاجزًا عن توفير الأدوية أو نقل الخلايا إلى مناطق أخرى بسبب ارتفاع الأسعار وتكاليف التنقل.
مواضيع مقترحة
- نفوق النحل.. تهديد متزايد للأمن الغذائي والتوازن البيئي
- العسل اليمني.. محرك اقتصادي بحاجة إلى إصلاحات
- ‹العسل الوصابي› منتج فاخر يكافح للبقاء
يؤكد أن الحرب وتقلب المواسم السنوية، خصوصا الأمطار، أدت إلى نفوق العشرات من الخلايا، مشيرًا إلى أن أسعار مستلزمات التربية ارتفعت بشكل كبير، فضلاً عن غلاء الأدوية والعلاجات، لافتا إلى أن تراجع الأمطار قلل من ظهور النباتات التي يعتمد عليها النحل في الرعي؛ ما انعكس على إنتاج العسل وزاد من معاناة النحالين في الريف.
ويضيف أن كثيرًا من النحالين باتوا مضطرين للاعتماد على السكر أو نقل خلاياهم إلى مناطق تتوفر فيها النباتات الرعوية مثل السدر والضباء والعلب وغيرها، وهو ما يشكل عبئًا ماليًا إضافيًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.
تأثيرات مناخية واقتصادية
يرى المهندس الزراعي محمد الحزمي أن التغيرات المناخية أثرت بصورة كبيرة على قطاع تربية النحل في اليمن، خاصة في المناطق الريفية، حيث أدت إلى إضعاف مواسم الإزهار وتراجع الغطاء النباتي وانخفاض المراعي النحلية، ما انعكس مباشرة على إنتاج العسل وجودته.
وأوضح الحزمي في حديثه لـ “ريف اليمن” أن ارتفاع درجات الحرارة قلل من نشاط النحل، إذ يتوقف عن جمع الرحيق في فترات الحر الشديد، ويستهلك جهدًا أكبر في تهوية الخلايا وتبريدها، الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الطوائف وفقدان عدد من الخلايا.
وأضاف أن هذه الظروف رفعت تكاليف الإنتاج بشكل ملحوظ نتيجة اضطرار النحالين لتوفير بدائل غذائية مثل السكر والعجائن، إلى جانب زيادة تكاليف النقل بسبب الحرب وارتفاع أسعار الوقود، فضلًا عن ارتفاع أسعار مستلزمات تربية النحل بشكل عام.

وأشار إلى أن الأوضاع الاقتصادية زادت من معاناة النحالين، إذ تراجعت القدرة الشرائية للمستهلكين؛ ما أثر على سوق العسل المحلي وخفض الكميات المصدرة إلى الخارج.
ودعا الحزمي إلى إنشاء مراكز متخصصة في تربية النحل وتنظيم دورات تدريبية متقدمة للنحالين، إلى جانب الحفاظ على سلالة النحل اليمني وتحسينها عبر انتخاب ملكات ذات كفاءة عالية.
تراجع ملحوظ
يشير تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في أبريل 2026 إلى أن اليمن كان قبل عام 2015 يصدر نحو 50 ألف طن من العسل سنويًا، إلا أن هذه الصادرات تراجعت بأكثر من 50% خلال سنوات الحرب نتيجة تضرر البنية التحتية وقيود التنقل وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ويقدّر التقرير أن نحو 100 ألف شخص يعملون في هذا القطاع باتوا يواجهون تهديدًا مباشرًا لمصادر دخلهم في ظل استمرار التدهور الاقتصادي والأمني.
في السياق، يقول النحال محمد أحمد حسان، من مديرية الحُشا بمحافظة الضالع، لـ”ريف اليمن”، إنه كان يمتلك 120 خلية نحل، لكنه خسر عددًا كبيرًا منها وأصبح يمتلك 70 خلية، بسبب موجات البرد والصقيع التي تضرب المناطق الجبلية كل عام.
ويضيف: “مع بداية كل شتاء نضطر للنزول من رؤوس الجبال إلى القيعان هربًا من البرد القارس الذي يقضي على النحل، لكن تكاليف النقل أصبحت مرهقة جدًا”.

وأوضح حسان أن حاجة السكان للحطب في ظل نقص الغاز المنزلي بالأرياف زادت من عمليات قطع الأشجار، الأمر الذي ساهم في تراجع الغطاء النباتي وضعف المراعي، إلى جانب تأثير التغيرات المناخية على قدرة النحل على التكاثر.
وأشار إلى أن النحالين يواجهون صعوبات كبيرة بسبب وعورة الطرق بين المحافظات وارتفاع أجور النقل والمواصلات، فضلًا عن غلاء السكر الذي يضطرون لشرائه في فترات ندرة المراعي، إضافة إلى انتشار أمراض تفتك بكثير من الخلايا.
ولفت إلى أن القدرة الشرائية للعسل تراجعت بصورة كبيرة نتيجة التدهور الاقتصادي وانهيار العملة المحلية، موضحًا أن كثيرًا من المراعي تقع قرب مزارع القات التي تُرش بالمبيدات الحشرية السامة، ما يؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة من النحل.
تداعيات صامتة
الأخصائية الاجتماعية والمرشدة النفسية ألطاف الأهدل قالت إن معاناة النحالين لا ترتبط بالعوامل الطبيعية وحدها، بل تتفاقم بسبب ممارسات بشرية مثل الاحتطاب الجائر والتوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية، ورمي النفايات العشوائية، وهي عوامل أسهمت في الإضرار بالبيئة وزيادة التحديات التي يواجهها النحالون.

وأكدت الأهدل خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، أن كثيرًا من الأسر اليمنية تعتمد على تربية النحل كمصدر دخل رئيسي، وأن نفوق الخلايا أو تلفها ينعكس مباشرة على أوضاعهم الاقتصادية ويؤدي إلى آثار اجتماعية ونفسية عميقة، حيث يدفع بعض النحالين إلى العزلة نتيجة القهر والحزن، فيما تتطور بعض الحالات إلى مشكلات صحية ونفسية مزمنة.
وترى أن التوسع في التشجير يمثل أحد الحلول المهمة للتخفيف من آثار التغيرات المناخية وحماية البيئة، مشيرة إلى أن كثيرًا من النحالين الذين فقدوا خلاياهم باتوا يتحدثون بحسرة عن ماضيهم المهني، قائلين: “كنا نعمل في تربية النحل وبيع العسل، أما اليوم فلم نعد قادرين على رعايتها”.
وبحسب بيانات صادرة عن شبكة «SciDev.Net» فإن كمية المبيدات المستوردة للمحاصيل الزراعية في اليمن تضاعفت ثلاث مرات خلال عام واحد، من نحو 4.5 ملايين لتر/كجم في عام 2020 إلى أكثر من 14 مليون لتر/كجم في عام 2021، فيما بلغ نفوق قرابة 69 ألف خلية نحل خلال عام 2021 فقط.
وبين حرب أنهكت البلاد، ومناخ يزداد قسوة عامًا بعد آخر، يقف النحالون اليمنيون أمام مستقبل غامض يهدد مهنة توارثتها الأجيال لعقود طويلة، ويخوضون معركة بقاء صامتة، لا تهدد مصدر رزق آلاف منهم فحسب، بل تمس أيضًا جزءًا مهمًا من التوازن البيئي والإنتاج الزراعي في البلاد.

