يعد ‹العسل الوصابي› واحدا من أثمن أنواع العسل اليمني وأكثرها جودة، مستفيدا من طبيعة وصاب الجبلية الخصبة ومناخها المعتدل، الذي ينعكس مباشرة على وفرة المرعى ونقاء المنتج؛ ما أكسبه شهرة واسعة محليا وخارجيا، لا سيما في دول الخليج.
تبدأ رحلة إنتاج السدر الوصابي بمحافظة ذمار مع تفتح أزهار السدر في نوفمبر من كل عام، وهو الموسم المعروف محليا بـ”موسم الفشع”، ومع حلول يوم 11 نوفمبر يبدأ النحالون بجني العسل بعد أسابيع من المراقبة الدقيقة للنحل وتنقيله بين المراعي، في فترة تبلغ فيها أزهار السدر ذروة عطائها؛ ما يمنح العسل خصائصه الفريدة من حيث الكثافة والطعم والرائحة.
رغم المشقة الكبيرة التي ترافق هذه العملية، إلا أن العائد غالبا ما يكون مجزيا؛ إذ يتراوح سعر جالون عسل السدر الوصابي (5 لترات) من الدرجة الأولى بين 200 و300 ألف ريال يمني (سعر الدولار 530 ريالاً) وهو ما يعكس قيمته العلاجية وندرته، إلى جانب الطلب المرتفع عليه، خاصة في أسواق السعودية ودول الخليج.
مواضيع مقترحة
- العسل الجبلي: رحلة الموت في جبال الضالع
- المبيدات والاحتطاب يهددان إنتاج العسل العصيمي
- العسل اليمني.. إرث أجيال وجودة عالمية
لا يقتصر إنتاج العسل في وصاب على موسم السدر وحده، بل تسبقه رحلة ترحال شاقة يخوضها النحالون بحثا عن المرعى الأفضل، فخلايا النحل تنقل من منطقة إلى أخرى وفق التوقيت الزراعي ومواسم الإزهار، في سباق مستمر مع الطبيعة.
يقول “محمد عبدالله (38 عامًا)”، وهو أحد نحالي وصاب، في حديثه لـ”ريف اليمن”: “نبدأ غالبا بالنزول إلى تهامة في مواسم معينة، لأن النباتات هناك تتفتح مبكرًا وتوفر مرعى جيدا للنحل، نتحرك قبل موسم السدر بأشهر لتقوية النحل، وبعد انتهاء مرعى تهامة نعود إلى وصاب قبل بداية الفشع مباشرة، لأن السدر الوصابي هو الهدف الأساسي الذي ننتظره طوال العام”.
ويضيف أن التنقل بين المناطق ليس بالأمر السهل، خصوصا في ظل وعورة الطرق الجبلية، مشيرا إلى أن ملاحقة المرعى ضرورة لا غنى عنها، لأن ضعف المرعى يعني ضعف النحل وتراجع الإنتاج.
تمثل تهامة محطة رئيسية في دورة إنتاج العسل؛ إذ يعتمد عليها النحالون في بناء قوة خلاياهم قبل العودة إلى وصاب، ويوضح “علي يوسف”، أحد ملاك النحل في وصاب، أن غالبية النحالين من وصاب العالي والسافل ينزلون إلى تهامة قبل موسم السدر بفترة طويلة، ثم يعودون مع بداية الفشع.
ويقول لـ”ريف اليمن”: “في موسم الفشع تعود كل الخلايا إلى وصاب، وحتى نحالون من مناطق أخرى يأتون إلينا لأنهم يعرفون قيمة هذا الموسم. يوم 11/11 بالنسبة لنا موسم رزق لا يمكن التفريط فيه”.
يصف علي يوسف مشهد الإزهار بقوله إن أشجار السدر تكون مغطاة بالزهور الصفراء “كأنها مرشوشة بالعسل”، مشيرا إلى أن هذه الفترة حساسة جدا، حيث يمنع خلالها إزعاج الخلايا أو نقلها حفاظا على جودة الإنتاج.

تستقبل منطقة وصاب خلال هذه الفترة نحالين من محافظات عدة، أبرزها ريمة، وإب، للاستفادة من جودة السدر وارتفاع نسبة العسل فيه مقارنة بمناطق أخرى، ويشير سكان محليون إلى أن حركة النحالين تعد واحدة من الظواهر السنوية التي تشاهد بوضوح في المنطقة؟
ويؤكد “عبدالله المرشد”، وهو نحال قادم من مديرية الزيدية في الحديدة، أنه اعتاد منذ سنوات نقل خلاياه إلى عزلة الأجراف في وصاب خلال موسم الفشع، رغم مشقة الطريق وصعوبة التضاريس.
ويقول لـ”ريف اليمن”: “وصاب مختلفة عن أي منطقة نعمل فيها، العسل هنا ثقيل، رائحته قوية، والنحل يعمل طوال اليوم وكأنه يدرك أن الموسم قصير ويجب استغلال كل دقيقة”.
ويلفت المرشد إلى أن مشقة النقل والمخاطر لا تثني النحالين عن العودة كل عام، لأن الإنتاج يعوض كل شيء، مؤكدًا أن وصاب أصبحت بمثابة محطة سنوية للنحالين من مختلف المناطق.
يقول مع ابتسامة تعبّر عن مزيج من الرضا والتحدي: “إحنا نقطع المسافات على أمل موسم ناجح، ولما نشوف أول قطرة عسل في القَرعة نعرف إن كل التعب كان يستاهل”.
رغم السمعة الواسعة لا يخلو طريق عسل السدر الوصابي من المشقة؛ إذ يواجه النحالون جملة من التحديات التي تؤثر على حجم الإنتاج وجودته
يمثل عسل السدر الوصابي جزءا أصيلا من هوية وصاب، وارتبط اسمه بسمعة أهل المنطقة وإتقانهم لمهنة تربية النحل، التي توارثوها جيلا بعد جيل، كما يشكل هذا المنتج موردا اقتصاديا مهما لعشرات الأسر، في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
ورغم السمعة الواسعة، لا يخلو طريق عسل السدر الوصابي من المشقة؛ إذ يواجه النحالون في وصاب جملة من التحديات المتراكمة التي باتت تهدد استمرارية المهنة، وتؤثر بشكل مباشر على حجم الإنتاج وجودته، فخلف هذا المنتج الفاخر، تختبئ معاناة يومية يعيشها النحالون بين تقلبات الطبيعة وضغوط الواقع الاقتصادي.
يوضح النحال “عبدالحميد الصالحي” أن مواسم السدر لم تعد كما كانت سابقا، مشيرا إلى تأخر الإزهار أحيانا وضعفه في أحيان أخرى بسبب قلة الأمطار أو تغير درجات الحرارة؛ ما ينعكس على كمية العسل وجودته.
ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن”: “كنا نعرف مواسم السدر بدقة، متى تفتح ومتى تنتهي، اليوم تغير كل شيء، أحيانا يتأخر الفشع، وأحيانا يضعف الإزهار بسبب قلة الأمطار أو تغير درجات الحرارة، وهذا ينعكس مباشرة على كمية العسل وجودته”.
ويشير الصالحي إلى أن الحرب فاقمت من صعوبة العمل، ليس فقط من خلال ارتفاع تكاليف النقل والوقود، بل أيضا بسبب تدهور البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى بعض مناطق المرعى، ويقول: “نقل النحل أصبح مغامرة حقيقية، الطرق متضررة، وأحيانًا نضطر لترك المرعى الجيد لأن الوصول له صار مكلف أو خطر، هذا كله يخلي النحال يتحمل خسائر كبيرة”.

ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ يشكو النحالون من انتشار أمراض وآفات تصيب النحل، في ظل غياب الإرشاد الزراعي، ويوضح الصالحي بالقول: “الأمراض تصيب النحل، والنحال اليوم يعتمد على خبرته فقط، ما في دعم ولا إرشاد، وإذا خسر النحال خلاياه، يخسر رأس ماله بالكامل”.
من جانبه، يرى المهتم بالشأن الاقتصادي “رياض العُمري” أن “عسل السدر الوصابي يمثل موردا اقتصاديا مهما للاقتصاد المحلي، إلا أنه يؤكد أن هذا المورد لا يزال غير مستغل بالشكل المطلوب والنحالون يعملون بشكل فردي، دون إطار مؤسسي يحمي المنتج من الغش أو يفتح له أسواق تصدير منظمة”.
ويضيف العُمري أن الحرب أدت إلى إضعاف سلاسل التسويق والتصدير؛ ما جعل النحالين يعتمدون على تجار وسطاء يفرضون أسعارا غير عادلة أحيانا، ويقول: “في ظل غياب التنظيم، يخسر النحال جزءا كبيرا من القيمة الحقيقية للعسل، بينما المستفيد الأكبر هو الوسيط، لو وجدت جمعيات نحالين أو علامات تجارية محمية، لتغيّرت المعادلة”.
ويشير العمري إلى أن التغيرات المناخية تمثل تهديدا طويل الأمد، للأمن الغذائي عموما، مؤكدا أن الحفاظ على هذا المنتج يتطلب تدخلا زراعيا واقتصاديا متكاملا، يبدأ بدعم النحالين بالتدريب، وتحسين طرق الإنتاج، وتنتهي بفتح قنوات تسويق خارجية تضمن استدامة المهنة.

