بين مدينتي دمت في الضالع والنادرة بمحافظة إب، يمتد وادي بنا كأحد أهم الشرايين المائية التي تعتمد عليها عشرات القرى في الزراعة والحياة اليومية، غير أن هذا الوادي يتحول مع كل موسم أمطار إلى مصدر خوف دائم، بعدما باتت السيول تقطع الطرق وتعزل القرى وتجرف الأراضي، في ظل غياب شبه كامل للجسور والحواجز.
ومع كل موجة أمطار يعيش السكان كابوسا متكررا، إذ يتسبب تدفق السيول في قطع التواصل بين ضفتي الوادي، وعزل مجتمعات بأكملها، ولا تقتصر المأساة على خسارة الأراضي الزراعية، بل تمتد لتهدد حياة السكان، وتمنع الطلاب من الوصول إلى مدارسهم، وتحاصر المرضى داخل قراهم، في مشهد يتكرر كل عام بصمت.
يوسف الشامي، من قرية العكرة، لا يزال يحتفظ بذكرى الفاجعة التي خطفت عمه المزارع في خريف العام الماضي، ويقول لـ”ريف اليمن” إن عمه لم يكن يعرف الانقطاع عن أرضه، وكان يذهب إليها يوميًا رغم المخاطر.
ويضيف: “في أحد الأيام عاد من السوق محملا بمواد غذائية بسيطة، وقرر عبور الوادي كعادته، لكن عندما وصل إلى منتصف المجرى باغته السيل، فسقط وفقد توازنه وجرفته المياه”.
مواضيع مقترحة
- السيول في اليمن تكشف هشاشة البنية التحتية والإنذار المبكر
- ‹ساروة›.. قرية بلا طريق في قمم جبال الضالع
- المدرجات الزراعية في ريمة.. كيف دمرتها السيول؟
يتابع بصوت مثقل بالحزن: “كان عمي يعاني من مرض الربو، ولم يتمكن من مقاومة التيار، بحثنا عنه لساعات، قبل أن يعثر عليه أهالي قريتي العكرة والمحرور بعد ساعات من البحث جثة على بعد كيلومترين من مكان سقوطه”.
ويرى الشامي أن ما حدث لعمه ليس حادثة استثنائية، بل صورة تتكرر كل موسم، فالمزارعون والطلاب وحتى الزوار يواجهون الخطر نفسه، وغياب الجسور يجعل حياتنا كلها رهينة للسيل.
ضفاف العزلة
حين لا تبتلع السيول الأرواح، فإنها تفرض عزلة قاسية على القرى الواقعة على ضفتي الوادي وتقطع شرايين الحياة الأساسية، ويؤكد الناشط المحلي أحمد صالح الجبلي أن وادي بنا تحول خلال السنوات الأخيرة إلى “مصدر خطر ومعاناة دائمة”.
ويقول الجبلي لـ”ريف اليمن”: “التدفق المستمر للسيول يعزل الناس عن حياتهم الطبيعية؛ المزارعون عن مزارعهم، الطلاب عن مدارسهم، والمرضى عن مراكزهم الصحية، وكثير من القرى تعيش عزلة حقيقية في ظل غياب الجسور”.
لا يكاد يمر موسم أمطار في وادي بنا دون أن تسجل حوادث جرف لمزارعين أو سكان يجدون أنفسهم مضطرين لعبور الوادي في غياب جسور آمنة، هذه الحوادث ليست مجرد أرقام، بل قصص إنسانية مؤلمة تركت أثرا عميقا في ذاكرة المجتمع المحلي.

يعيش الطلاب الجزء الأكبر من هذه المعاناة حيث تتحول رحلتهم إلى المدرسة إلى صراع محفوف بالمخاطر، الطالب في الصف الثاني الثانوي صالح مسعد، يدرس في مدرسة تقع على الضفة الأخرى من الوادي، ويقول إن رحلته اليومية إلى المدرسة أصبحت مغامرة محفوفة بالخطر.
يقول لـ”ريف اليمن:” سيل وادي بنا أصبح عقبة دائمة أمامنا، أحيانا نتغيب عن المدرسة لأيام متتالية، وفي أحيان أخرى نخاطر بالعبور لنصل متأخرين، بملابس مبتلة وكتب ملطخة بالطين، مما يجعل متابعة الحصص الأولى أمرا مرهقا ومصحوباً بالبرد”.
يشير صالح إلى أن معاناة الطالبات أشد، إذ يواجهن صعوبة أكبر بسبب ابتلال ملابسهن، فيما يضطر الأهالي في كثير من الأحيان إلى منع أطفالهم الصغار من الذهاب إلى المدرسة خوفاً من الخطر، أما من يملكون المال، فيسلكون طرقا طويلة عبر جسور بعيدة، بينما يضطر آخرون إلى الانقطاع عن الدراسة بالكامل.
ويضيف بأسى: “العبور محفوف بالمخاطر، وقد يفقد أحدنا توازنه في أي لحظة، نعود أحياناً مبتلين من الرأس حتى القدم، وأحياناً أخرى نضطر للعودة إلى منازلنا بدل المدرسة إذا وجدنا منسوب السيل مرتفع، رحلتي اليومية أصبحت من أشد التجارب المرهقة في حياتي”.
مرضى محاصرون
لا تقتصر المأساة على الطلاب وحدهم، بل تمتد إلى المرضى الذين يجدون أنفسهم محاصرين داخل القرى في أكثر اللحظات حاجة إلى الإسعاف، سلطان عقيل، من قرية العكرة، يؤكد أن من أصعب اللحظات التي يعيشها الأهالي عندما يمرض أحدهم بينما السيل في ذروة تدفقه، ويقول: تخيل أن ترى مريضاً يتألم على الضفة المقابلة البعيدة عن الخط الرئيسي، ولا تستطيع إسعافه”

ويضيف: “أحيانا يبقى المريض محاصرا لأيام لأن السيول تستمر بوتيرة عالية، والسيارات لا تصل إلينا إلا بعد انقطاع الأمطار ليومين على الأقل، ولو كان هناك جسر للمشاة أو السيارات، لكان خدم آلاف الناس، بدل أن نظل حبيسي الضفاف، ننتظر متى يخف السيل”.
حلول غير مجدية
وراء هذه المأساة المتكررة يقف غياب شبه كامل للبنية التحتية التي يمكن أن تحمي السكان، فالوادي الذي يمتد لنحو 20 كيلومترا بين دمت بالضالع والنادرة بإب، ويمر بعشرات القرى المأهولة لا يخدم عشرات القرى الواقعة على ضفتيه سوى خمسة جسور فقط.
المهندس المدني شمسان الصيادي يوضح لـ “ريف اليمن” أن ثلاثة من هذه الجسور عبارة عن جسور حديدية صغيرة للمشاة في قرى المسندة وعريب وبيت السحيقي والخشعة، فيما يوجد جسر خرساني واحد فقط في قرية بيت النديش يخدم السيارات والمشاة.
ويؤكد الصيادي أن هذه الجسور لا تكفي إطلاقا، وتجعل العبور اليومي للآلاف من السكان مغامرة محفوفة بالمخاطر، ويشير إلى أن القرى الأكثر تضررا، مثل العكرة والمحرور وكولة الصيادي والحديدة وخلقه، بحاجة ماسة إلى جسور جديدة، إضافة إلى جسر خرساني استراتيجي في قرية القرعاء.
ويقول: “هذه المشاريع ليست رفاهية، بل ضرورة لإنقاذ حياة الناس وتمكين وصول الطلاب إلى مدارسهم والمزارعين إلى أراضيهم وضمان سلامة الأهالي “.

ومع غياب أي تدخل رسمي، لم يجد الأهالي خيارا سوى الاعتماد على أنفسهم، ويكشف الناشط أحمد الجبلي أن معظم الجسور الموجودة في وادي بنا أُنشئت بجهود مجتمعية وتبرعات من المغتربين، لافتا أن الجسر الذي أُقيم مؤخرا في قرية المسندة كلف نحو 16 مليون ريال، جُمعت بالكامل من أبناء القرية والمغتربين.
ويضيف: “لم يكن أمامنا خيار آخر، فالطلاب في قريتنا انقطعوا عن الدراسة لشهرين كاملين العام الماضي بسبب انقطاع الطريق، فاضطررنا للتحرك وإنشاء جسر للمشاة يسهّل عبور الأطفال إلى مدارسهم، ويضمن وصول المرضى في الحالات الطارئة”.
جرف الأراضي
لا تكتفي السيول بتهديد حياة السكان، بل تمتد لتلتهم الأراضي الزراعية التي تشكل مصدر رزق آلاف الأسر، إذ يواجه المزارعون معركة بقاء مع أرض تُجرف أطرافها عاماً بعد عام، المزارع سلطان عقيل يقف أمام ما تبقى من أرضه في قرية العكرة، ويقول إن السيول حولت أجزاء واسعة من المزارع إلى جروف ومنحدرات قاحلة، ولا نملك القدرة على بناء حواجز تحميها لأن تكلفتها كبيرة”.
هذا الإحساس بالعجز لا يقتصر على سلطان وحده، فالناشط أحمد صالح الجبلي يرى أن الأراضي الزراعية نفسها باتت في “مرمى الانهيار الكامل”، محذراً من كارثة وشيكة إذا لم تتدخل السلطات المحلية لإنشاء حواجز حماية، فإن معظم هذه الأراضي ستختفي أمام عبث السيول، بينما يقف الجميع مكتوفي الأيدي.”

المهندس الزراعي طه الزقري يوضح أن السيول لا تكتفي بجرف الأراضي، بل تتسبب في سلسلة من الأضرار المتشابكة فهي تغمر المدرجات وتقطع الطرق المؤدية إليها، لتمنع المزارعين من خدمة محاصيلهم في أوقاتها الحرجة، كما أن غياب أنظمة الإنذار المبكر يجعل حتى العاملين في حفر الآبار عرضة للموت المفاجئ.
ويشير الزقري إلى أن التآكل التدريجي للأراضي الزراعية الصغيرة يتفاقم عاما بعد آخر، مع ضعف الجدران الاستنادية وعجز الأهالي عن ترميمها، في وقت أدى فيه تراجع الأشجار المعمرة على ضفاف الوادي إلى زيادة قوة التيار.
ويستعيد صورة مختلفة للوادي قبل عقود، قائلاً: “كان وادي بنا يجري كنهر دائم قبل عام 1980، لكن الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية أدى إلى انقطاع جريانه، وأصبحت الأمطار تتحول إلى سيول مفاجئة ومدمرة كما حدث في كارثة المحاصيل عام 2007”.
ورغم قتامة المشهد، يؤكد الزقري أن إنقاذ الوادي ما يزال ممكنا، لكنه يتطلب تدخلا عاجلا من السلطات المحلية، إلى جانب جهود مجتمعية لإنشاء الجسور والحواجز والمصدات المائية، مؤكدا أن “الحل ليس في هجر الأرض، بل في تعزيز التعاون المجتمعي وتدخل السلطات المحلية لإنشاء مصدات وحواجز مائية.

