الجمعة, أبريل 17, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

موسم زراعة الذرة الرفيعة: هندسة المدرجات وترانيم المهاجل

يقف المزارع أحمد ناجي (60 عاماً) وسط مزرعته في جبل مقبل بقرية محطب بمديرية السياني في محافظة إب وسط اليمن، تحت شمس نيسان، وبهمة تستحضر إرث الأجداد، بدأ غرس بذور الذرة مع بداية الموسم الزراعي لهذا العام.

يقول ناجي لـ ريف اليمن” إن “الأرض لا تخون من يعرف مواقيتها”، معتبراً شهر أبريل الميزان الحقيقي للسنة الزراعية، ويستشهد بالموروث الشعبي قائلاً: “نيسان لا تتخبر إنسان”، في إشارة إلى أن علامات الموسم أصبحت مكتملة.

ومع انطلاق الموسم، يتحول مزارعو ريف إب إلى خبراء فلكيين، حيث يعتمدون على مراقبة حركة النجوم وتشكيلات السحب لتحديد التوقيت الأمثل لبذر الحبوب المتنوعة، كالذرة الرفيعة والشامية والبقوليات.


مواضيع مقترحة


تأتي مرحلة غرس البذور بعد جهود مضاعفة استمرت منذ منتصف الشتاء، تنوعت بين إصلاح الأراضي وتجهيز المدرجات، لتشكل لوحة متكاملة من التخطيط والتنظيم الذي يضمن استدامة المحاصيل وتأمين الغذاء لأفراد العائلة.

هندسة المدرجات

خلال أشهر الشتاء والجفاف، لم يركن الحاج ناجي الى الراحة، حيث انهمك في استصلاح مزرعته عبر تقليب التربة بالوسائل التقليدية (الأثوار)، وفحص الجدران الحجرية الساندة، حيث يعيد رص الأحجار بدقة هندسية تضمن تصريف المياه الزائدة دون انهيار الجدار.

كما عمل على تسوية الأسطح لضمان التوزيع العادل لمياه الأمطار ومنع جرف التربة، وصولاً إلى مرحلة غرس بذور الذرة الرفيعة والشامية والبقوليات، معتمداً على تقنية المقالح وهي حفر صغيرة عند الجذور لتعزيز الحصاد المائي.

ومع بدء الموسم الزراعي، ينصح المهندس الزراعي محمد الحزمي المزارعين في ريف إب بالتأكد من سلامة البذور وخلوها من أي إصابات حشرية أو فطرية، خصوصاً “العكاب”، معتبراً ذلك النقطة الأهم. كما يشدد على الحرص على ضبط المسافة بين الجورة والأخرى، ووضع كمية البذور المناسبة في كل جورة دون زيادة أو نقصان.

وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، أكد الحزمي على أهمية تطبيق العمليات الزراعية الصحيحة، من حراثة وتنعيم للتربة وإزالة الحشائش، والحرص على تسميد الأرض بمخلفات الحيوانات، والاهتمام بعملية “الخف”. كما ينصح باعتماد الزراعة البينية، مثل زراعة الدجرة أو الجلجلان أو الفول السوداني مع الذرة.

موسم الذرة في إب: هندسة المدرجات، وترانيم المهاجل، وحارسات البذور
تأتي مرحلة غرس البذور بعد جهود مضاعفة استمرت منذ منتصف الشتاء (لبنة أمين/ ريف اليمن)

وتعد الذرة الرفيعة من أبرز الحبوب التي تشتهر اليمن بزراعتها في المناطق الباردة، معتمدةً بشكل كلي على الأمطار الموسمية. ووفقاً لبيانات المركز الوطني للمعلومات، تبلغ المساحة المزروعة في البلاد نحو 1,241,387 هكتاراً من إجمالي المساحة الصالحة للزراعة البالغة 1,539,006 هكتاراً. وفي هذا السياق، يشير المزارع ناجي إلى أن تكلفة غرس البذور تصل إلى قرابة 25 ألف ريال يمني (نحو 47 دولاراً أمريكياً)، وسط تطلعات لتحقيق الاكتفاء الذاتي ومخاوف من تذبذب الأمطار.

ومع انطلاق الموسم الزراعي لعام 2026، يواجه القطاع الزراعي تحديات عديدة، إذ تشير تنبؤات الأرصاد للفترة من مارس وحتى مايو إلى طفرة مطرية غير اعتيادية قد تتجاوز معدلاتها السنوية بنسبة 50% في المناطق الساحلية والشرقية.

وبحسب نشرة منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، فإن التغير المناخي يضع سبل عيش الملايين على حافة خطر الفيضانات المفاجئة، في حين توقعت التقارير انخفاضاً حاداً في الهطولات يصل إلى -40% في أجزاء من المرتفعات الجنوبية الغربية (إب وتعز)؛ مما يفرض واقعاً يتأرجح بين الوفرة الجارفة والعجز المائي.


محمد الحزمي: تطبيق العمليات الزراعية السليمة يضمن تحويل الخبرة الميدانية إلى إنتاج مستدام يحقق الأمن الغذائي


ورغم التحديات المناخية، يواصل ناجي عمله متمسكاً بالموروث الشعبي، إذ يغرس بذوره على وقع المهاجل التراثية مؤكداً أن مشهد الأرض لا يكتمل إلا بهذا التلاحم بين العمل والأهازيج، فلا حراثة بلا نغم، ولا بذر يمضي دون صدى المهاجل التي تؤنس تعب المزارعين.

ترانيم المهاجل

في قرية محطب بمحافظة إب، يبرز العم عبده الحاج (65 عاماً) كأحد حراس الموروث الزراعي، حيث أمضى عقوداً من عمره خلف أثلام المحراث، متنقلاً بين المدرجات الجبلية يبعث الحياة في زوايا الأرض.

مع خيوط الفجر الأولى، يبدأ الحاج رحلته برفقة ثوريه المزيَّنين بأطواق جلدية تقليدية، معتبراً أن الحراثة ليست مجرد شق للتربة، بل هي حوار مقدس يربط الإنسان بالأرض. ومع بدء العمل يطلق صيحته الشهيرة التي تتردد في الوديان: “يا الله، لا جود إلا جود ربي”، وهي استغاثة تعني التوكل التام للمزارع اليمني الذي يؤمن بأن العطاء والمطر بيد الخالق وحده.

وفي حديثه لـ “ريف اليمن”، يوضح الحاج أن كلماته وأهازيجه، تهدف إلى التحفيز وبث روح الحماس، مردداً عبارات توارثها عن أجداده مثل: “يا قاصد الله، لا خاب قاصد”. وتتميز المهاجل بإيقاع يتسق تماماً مع حركة المحراث، لتخفف عناء التعب عن المزارع وأثواره في آن واحد.

موسم الذرة في إب: هندسة المدرجات، وترانيم المهاجل، وحارسات البذور
ومع انطلاق الموسم الزراعي لعام 2026، يواجه القطاع الزراعي تحديات عديدة (لبنة أمين/ ريف اليمن)

وعند وصول التِلام خط الحراثة إلى نهايته، ترتفع صيحات العم عبده بكلمة “يُوبه، يُوبه”، وهي إشارة تنبيه وتوجيه للأثوار، تمتزج مع دعوات البركة التي تتعالى من أفواه المزارعين في الوديان المجاورة، مما يخلق حيوية جماعية من النشاط.

ومع ميل الشمس نحو الغروب تتحول النبرة من الحماس إلى الشجن والسكينة، حيث يمسح الحاج جبينه بكفه الخشنة، مختتماً يومه بنداء الحنين: “يا روح، يا ليل”، وهي الصرخة التقليدية التي تعلن إذن الراحة للأثوار ودعوة للنفس للهدوء بعد نهار شاق، إيذاناً بالعودة إلى الديمة لانتظار فجر جديد.

ولا يكتمل مشهد كفاح المزارعين في ريف إب دون المرأة الريفية، فهي الشريكة المساندة والعمود الفقري الذي يضمن استدامة مواسم الخير، فهي حارسة البذور والعمل في الريف اليمني.

حارسات البذور

لا يقتصر دور المرأة في ريف محافظة إب على المهام التقليدية المتمثلة في قطع المسافات الوعرة لإيصال القوت للعاملين في الوديان، إذ تبرز كشريك أساسي في العمل الميداني وإدارة الأصول الزراعية. ويتجلى دورها المحوري في كونها المسؤولة الأولى عن انتقاء وحفظ سلالات البذور، بما يضمن استدامة المحاصيل وحمايتها من التلف.


فاطمة: البذرة هي الأصل إذا ضاعت ضاع تعب السنين، نحن لا نأكل كل ما نحصده، بل ننتقي الأقوى  ليكون وعداً بموسم جديد


السيدة فاطمة حسن (59 عاماً)، تقضي يومها في العمل الزراعي إلى جانب عائلتها، تروي لـ “ريف اليمن” تفاصيل مهمتها التي بدأت منذ موسم الحصاد الماضي، فهي لا تكتفي بالزراعة، بل تتولى عمليات الغسل والتجفيف الانتقائي للبذور لضمان استمرار النسل النباتي.

وتقول فاطمة وهي تتفحص حبات الذرة بدقة: “البذرة هي الأصل، إذا ضاعت ضاع تعب السنين، نحن لا نأكل كل ما نحصده، بل ننتقي الأقوى ليكون وعداً بموسم جديد”.

وضمن حديثها لـ “ريف اليمن”، أكدت أن عائلتها تعتمد في تأمين احتياجاتها الغذائية بصورة أساسية على النشاط الزراعي. وشددت على أهمية دورها الميداني كشريك فاعلٍ يعمل جنباً إلى جنب مع زوجها وأبنائها في مختلف مراحل الإنتاج.

وعلى الرغم من استمرار بعض النساء الريفيات العمل في الزراعة ، تدق لبنة أمين، ناقوس الخطر إزاء تراجع انخراط الأجيال الجديدة في القطاع حيث أكدت لـ “ريف اليمن” أن المشهد الزراعي يواجه تحدياً ثقافياً يتمثل في عزوف الكثير من النساء عن المهنة.

موسم الذرة في إب: هندسة المدرجات، وترانيم المهاجل، وحارسات البذور
وتعد الذرة الرفيعة من أبرز الحبوب التي تشتهر اليمن بزراعتها في المناطق الباردة (لبنة أمين/ ريف اليمن)

وتضيف بأسف: “نلحظ تراجعاً في اهتمام المرأة الريفية بالزراعة، حتى انحسرت المهارات لدى فئة محدودة فقط، لذلك أحث النساء على التمسك بإرث الأجداد، فالأرض ليست مجرد وسيلة للعيش، بل هي الهوية ومصدر الغذاء”.

وتعتمد العديد من الأسر الريفية في إب على الزراعة كمصدر رئيسي للغذاء والعيش. وبالنظر إلى المشهد الكلي، يظل القطاع الزراعي الركيزة الأولى لاستيعاب العمالة في اليمن بنسبة تصل إلى 54%، كما يساهم بنحو 13.7% من إجمالي الناتج المحلي وفقاً لبيانات المركز الوطني للمعلومات.

شارك الموضوع عبر: