لم تعد كرة القدم في ريف محافظة ذمار مجرد لعبة شعبية، بل تحوّلت إلى أداة اجتماعية فعالة أسهمت في إنعاش التماسك الاجتماعي وتخفيف حدة الصراعات القبلية، وفتحت مساحات جديدة للتلاقي بين أبناء القرى، بعد سنوات من التراجع بفعل الحرب وتآكل البنية الرياضية.
خلال شهر مارس الماضي، شهدت المديريات الريفية في المحافظة تنظيم 24 بطولة كروية، منها 16 بطولة في مديرية الحداء وحدها، في مؤشر لافت على انتعاش النشاط الرياضي لم تعتد عليها الكثير من المناطق الريفية في المحافظة.
ويرى الناشط المجتمعي عبدالمحسن البخيتي، الذي شارك في تنظيم عدد من هذه الدوريات، أن “الأنشطة الكروية خلال فصل الشتاء تمثل ذروة الحراك الرياضي”، موضحا أن توقف الأنشطة الزراعية خلال الشتاء، وعودة السكان إلى قراهم، يخلق بيئة مناسبة لازدهار البطولات وسط تنافس كبير بين المنظمين.
مواضيع مقترحة
- كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم
- حجة.. مبادرة مجتمعية تحوّل ساحة ترابية إلى ملعب
- كرة القدم تنعش حياة النازحين في الصحراء
يؤكد البخيتي لـ”ريف اليمن”، أن هذه الدوريات الريفية تمثل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب الرياضية وصقلها، مشيرا إلى أن كرة القدم لا تحتاج إلى إمكانات كبيرة؛ مساحة مفتوحة وكرة كفيلتان بصناعة حراك رياضي واسع.
تجربة إيجابية
يظل “النادي الأحمر”، الملعب الخاص بنادي نجم سبأ ذمار، أحد أبرز مراكز النشاط الكروي، إذ يستضيف منذ أكثر من 25 عاما بطولات تشارك فيها فرق من محافظات عدة، بينها إب وصنعاء والبيضاء.
وشهد الموسم الحالي مشاركة سبعة لاعبين من منتخبات الناشئين والشباب ضمن الفرق المشاركة في الدوري الرمضاني، وهو ما اعتبره رئيس اتحاد كرة القدم بمحافظة ذمار، عبده الأسدي، تجربة إيجابية واستثنائية للكثير من اللاعبين الجدد.
وأشار الأسدي خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، إلى أن موقع النادي الأحمر، في قلب المدينة وقربه من الأحياء الشعبية، كان الخيار الأفضل لسنوات طويلة لاستضافة الدوريات الرياضية المختلفة على مدى سنوات، رغم تفضيله إقامة المباريات في استاد ذمار باعتباره ملعبا قانونيا.

بدوره، يقول الإعلامي والناشط الرياضي علي الضياني إن هذا العام شهد انتعاشا غير مسبوق في الحركة الكروية، حيث امتدت البطولات إلى مديريات لم تكن تعرف هذا النشاط سابقا، مثل جبل الشرق وعتمة ووصابين.
من الفراغ للتنافس
وأضاف أن بعض الدوريات بلغت مواسم متقدمة، إذ وصلت إلى موسمها الخامس في مديرية الحداء، والعاشر في مدينة ذمار، مؤكدا أن هذا التوسع أسهم في إشغال الشباب عن الفراغ، وخلق حالة من التنافس الإيجابي والتقارب الاجتماعي.
الضياني أشار إلى أن هذه البطولات لم تقتصر على الجانب الرياضي، بل عززت العلاقات الاجتماعية ووسّعت دوائر التعارف بين المشاركين والجماهير، وأخذت الشباب والنشء من الفراغ إلى الحماس والتنافس الجميل.
الأحمدي: كرة القدم حققت ما لم تحققه مبادرات أخرى في وضع حد لأغلب الحروب والثارات القبلية
ومع تزايد الحراك، بدأت منتخبات المحافظة تضم أسماء قادمة من أندية أو فرق كروية ريفية، بعد أن كانت حكرا على أندية المدن، ورغم ذلك، تبقى المشكلة في موسمية النشاط، إذ تنتهي البطولات بانتهاء رمضان، ليعود اللاعبون إلى أعمالهم، حتى يتم استدعاؤهم لموسم كروي شتوي أو رمضاني مقبل دون برامج تدريب مستمرة.
قبل شهر رمضان، نُظم ختام دوري كروي بقرية الرباط بمديرية عنس، وكان محمد الوجيه، مدرب نادي نجم سبأ ذمار وأحد نجوم الكرة الذمارية، يتأمل المباراة، التفت نحوي وقال: هناك فرصة للشباب أن يكونوا أفضل، لكن اللياقة البدنية تخذلهم.

وأرجع الوجيه سبب ذلك إلى “قلة البطولات الكروية التي يشاركون فيها وموسمية الأنشطة الرياضية”. رغم ذلك، اعتبر أن أي ناشط رياضي في المناطق الريفية يدفع بمجموعات رياضية من فئتي النشء والشباب إلى الميدان الكروي يُعد مكسبًا حقيقيًا.
وتابع، وهو ينظر نحو الملعب الترابي من خلف نظارته الطبية: وجود حراك رياضي في الأرياف أمر استثنائي؛ ففي السنوات السابقة انحصر النشاط الرياضي في مدينتي ذمار ومعبر وبعض البطولات الهامشية في مراكز بعض المديريات، اليوم هناك وثبة في هذا الأمر، وهو ما سينعكس إيجابًا على كرة القدم الذمارية في القريب العاجل أو البعيد.
تخفيف الثارات
يفخر عبدالله الأحمدي، مدير مكتب الشباب والرياضة بمديرية الحداء، بأن كرة القدم حققت ما لم تحققه مبادرات أخرى في وضع حد لأغلب الحروب والثارات القبلية”، مشيرًا إلى أن المديرية كانت قبل سنوات قليلة تعيش على وقع صراعات وثارات متكررة.
وقال في حديث لـ”ريف اليمن”: كانت مديرية الحداء، حتى قبل ست سنوات، تُعرف بالحروب والثارات القبلية، فمن النادر أن تخلو منطقة من ثأر أو حرب قبلية مع منطقة أخرى أو بين أبنائها في ذات المنطقة، حتى جاءت “الساحرة المستديرة” لتجمع أعداء الأمس في ملعب واحد، وصافرة الحكم هي الصوت الوحيد.
ويضيف:” استطاعت كرة القدم خلال السنوات الماضية خفض فاتورة الصراع القبلي، وهو ما انعكس بشكل حقيقي في حجم الحضور الكروي في أغلب عزل مديرية الحداء، مقابل توقف أغلب الصراعات القبلية في المديرية.

يمتلك الأحمدي تجربة ثرية في هذا الجانب، إذ وضع أسسا قوية لكرة قدم بعيدة عن الصراعات والمشاكل القبلية، وأشار في حديثه إلى أن “أبناء قبائل الحداء، وتحديدًا الشباب، لم يعودوا يرغبون في تجديد الحروب والصراعات والثارات القبلية، بل كانوا يتوقون لقرى وعزل تنعم بالأمن والاستقرار وتنبذ العنف والحرب، لتأتي كرة القدم وتعيد اكتشاف الحداء القبلية القوية والكريمة من جديد”.
وتابع مبتسما: التنافس لم يعد على شراء الأسلحة ودعم الحروب القبلية، بل أصبح التنافس على من سينظم دوريا رياضيا أكبر وأفضل من ناحية اللاعبين أو التحكيم أو التنظيم، ودعم الفرق المشاركة.
ويلعب المغتربون والتجار دورا مهما في دعم هذه البطولات، حيث تتسابق بعض المناطق في تمويل الفرق وتنظيم المنافسات، ما يعكس تحوّلا لافتا في أولويات المجتمع.
ويؤكد الأحمدي أن الشباب اليوم لم يعودوا يرغبون في استعادة الصراعات، بل يبحثون عن الاستقرار”، معتبرًا أن كرة القدم أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي في المنطقة.

