الجمعة, فبراير 20, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

لجين الوزير.. قصة شغف في تربية الثروة الحيوانية

ببساطة وعفوية تنشر “لجين الوزير” يومياتها في علاج الحيوانات وتقدم نصائح لمربيِّ الماشية، وتتنقل في المناطق الريفية المختلفة لتقديم خدمات بيطرية مجانية، وحققت نجاحاً في إنشاء حظائر لتربية الماشية، ودربت نساء في الأرياف على التقنيات الحديثة في رعاية الحيوانات.

وفي مقابلة مع “ريف اليمن” تحدثت لجين عن قصة بدايتها وشغفها في مهنة البيطرة، وكيف حازت شهرة واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي بتقديمها نصائح لمربي الماشية، ونشر يومياتها، وتفاصيل تنقلها في القرى الريفية البعيدة، مشيرةً إلى أنها أطلقت “مبادرة إنسانية لعلاج الحيوانات مجانًا في القرى الريفية”.

استطاعت مهندسة الإنتاج الحيواني «لجين» إعادة الاعتبار لمهنة البيطرة، وإبراز أهميتها، وتقديمها للمجتمع كقيمة كبيرة تستحق العناء، بالإضافة إلى أنها اقتحمت مجالاً لا يستهوي النساء التخصص فيه، إذ إنه حتى في الأرياف شهدت تربية الماشية مؤخراً عزوفاً من الجيل الجديد من النساء.

تظهر برفقة شقيقتها التوأم “جوى” المتخصصة بعلوم التغذية، ووالدهن “عبد الإله”. وتقول لجين إن والدها هو الداعم الأكبر لمسيرتها، فقد ساندها ماديًا ومعنويًا، ودائمًا يناصرها أمام كل من يعترض طريقها كعاملة في تخصص غير تقليدي في المجتمع، وأيضاً صانعة محتوى.

لكن كيف نجحت “لجين” وماهي قصتها؟ وكيف حولت شغف الطفولة إلى تجربة رائدة في مجال الإنتاج الحيواني؟ وكيف صنعت أثراً كبيراً في معالجة الماشية في الأرياف وتدريب النساء الريفيات على تقنيات حديثة في تربية الماشية؟

لجين الوزير.. قصة شغف في تربية الثروة الحيوانية
أبرز ما ورد في مقابلة مهندسة الإنتاج الحيواني لجين الوزير (ريف اليمن)

بدايات الشغف والشهرة

بدأت قصة لجين الوزير منذ مرحلة الطفولة، حين كانت تمتلك قططاً ودجاجاً ترعاها بحب، وحين تمرض إحداها كانت تلجأ للطبيب البيطري، لكن أحيانًا كانت الجرعة الزائدة تودي بحياة حيواناتها، فاشتعل في داخلها حلم أن تصبح طبيبة بيطرية تنقذ أرواح تلك الحيوانات.

وعندما التحقت بكلية الزراعة اكتشفت أن تخصص الطب البيطري لم يكن متاحًا حينها، فاختارت قسم الإنتاج الحيواني، رغم أنه كان محصور على الرجال في ذلك الوقت لكنها الآن تواصل دراستها للحصول على الماجستير في الإنتاج الحيواني لتوسيع خبرتها العلمية، وتطوير مشروعها الريادي.

تقول لجين لـ”ريف اليمن”، إن بداية شهرتها على وسائل التواصل الاجتماعي عندما لجأت إحدى المؤسسات إليها للتعامل مع إصابة قطيعها من الأغنام بمرض بعد أن رفض طبيب بيطري العمل.

تولت لجين العلاج بنفسها لمدة شهر ونصف، وقالت: “تمكنت من إنقاذ 118 رأسًا من أصل 120″، وهذا النجاح أكسبها ثقة المؤسسة والتعامل معها وثقة الناس، فبدأت بمشاركة تجربتها عبر حساباتها وصفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر فيديوهات تعليمية تشرح طرق الوقاية والعلاج والعناية بالثروة الحيوانية.

لجين الوزير.. قصة شغف في تربية الثروة الحيوانية
المهندسة لجين الوزير تتحدث للزميلة سمر عبد الله خلال إجراء المقابلة (ريف اليمن)

وحظي محتواها على تفاعل واسع، وحصد فيديو علاجها لإحدى الابقار التي قامت بركلها رواجا كبير وانتشارا واسعا. ويتابعها اليوم 270 ألفاً على فيسبوك، وتحرص “لجين” على إيصال محتوى يركز على الحفاظ على الثروة الحيوانية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتعزيز الوعي البيطري.

تدير “لجين” يومها بجدول دقيق في الصباح حيث تعمل في مشروعها وتوثق نشاطها، وتخصص يومين في الأسبوع لدراستها الماجستير وفي المساء تشارك الوعي. وقالت: “أحرص خلال المحتوى على إيصال رسالة مفادها أن تربية الثروة الحيوانية ليست مجرد مهنة، بل وسيلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في ظل الأزمات”.

مشروع الذهب الساري

في عام 2019 أطلقت “لجين” مشروعها الأول لتربية الأغنام، وساعدها أحد كبار السن في اختيار اسم “الذهب الساري” لما تحمله الأغنام من قيمة اقتصادية مستمرة، لكنها واجهت تحديات كبيرة.

وعن هذه التحديات، قالت لجين: “ارتفاع أسعار الأعلاف بسبب أزمة المشتقات النفطية وصعوبة التنقل من الحديدة إلى صنعاء جعلني أفكر بالتوقف، الا أن دعم والدي المادي والمعنوي أعاد لي العزيمة لمواصلة الطريق”.

 

لكن بمرور الوقت تحوّل المشروع إلى قصة نجاح حقيقية، إذ ارتفع إنتاج الماعز من لتر واحد من الحليب يوميًا إلى خمسة لترات، وقفز إنتاج البيض من عشر بيضات في اليوم إلى ثلاثين بيضة، لتصبح الأسرة مكتفية ذاتيًا من منتجات الحليب والبيض، وتبيع الفائض في السوق.

وتوضح لجين: “من خلال الاختيار المدروس للسلالات، بدأت أعمل على تكاثر أفضل أنواع الماعز، وبيعها كمصدر دخل مستدام”.

وعلى صعيد الدواجن، تمتلك لجين اليوم ثلاثًا من أصل أهم أربع سلالات يمنية مميزة للدواجن، وهي سلالة محافظة إب، وسلالة معبر، وسلالة لحج الشركسي (عارية الرقبة)، بينما السلالة الرابعة هي الفيومية التي لم تمتلكها بعد، وتمثل هذه السلالات النواة الرئيسة لمشروعها البحثي في رسالة الماجستير المتخصصة في الدواجن البلدي.

ما يميز تجربة “لجين” أنها لم تكتفِ بالطرق التقليدية في تربية الحيوانات، بل أدخلت إليها التقنيات الحديثة التي تعلمتها، فاعتمدت على الأعلاف المركزة والمكعبات العلفية، وبناء الحظائر بطريقة علمية صحيحة، وطبقت العلاجات الوقائية، واختيار الحيوانات ذات الكفاءة العالية في التحويل الغذائي.

ولم تقف عند الإنتاج، بل طوّرت طرق التسويق عبر التوصيل المنزلي ونقاط البيع في البقالات والأسواق الكبيرة، إضافة إلى الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي شكلت نافذة مهمة لعرض منتجاتها ونشر الوعي البيطري.

تمتلك “لجين” ثلاثًا من أصل أهم أربع سلالات يمنية مميزة للدواجن في مشروعها الصغير بمنزلها في صنعاء (ريف اليمن)

توعية نساء الريف

استنادًا إلى خبرتها الميدانية في رعاية الثروة الحيوانية، استعانت مؤسسات محلية بالمهندسة “لجين” لتدريب النساء الريفيات على الحفاظ على الثروة الحيوانية بأساليب التربية الحديثة، ولتحسين الانتاج وكيفية التعامل مع بعض الأمراض للحيوانات.

وقال لجين: “واجهت في بادئ الأمر عدم تقبل بعض النساء الأمر، معتبراتٍ أن تعلمهن من فتاة تسكن في المدينة أمر غير مألوف، لأن تربية الحيوانات كانت تُعد مهنة تقليدية لأهل الريف، إلا أنه مع انتهاء الجلسة التوعوية الأولى تغيرت وجهات نظرهن، وأبدين حماسًا كبيرًا لتعلم الطرق الحديثة، وتطبيقها على أرض الواقع”.


لجين الوزير: قصص نجاح نساء دربتهن من أعظم ثمار تجربتي لأنها تمثل أثر التمكين الحقيقي للمرأة الريفية


لم تقتصر جهود لجين على تعليم النساء الريفيات أساليب تربية المواشي الحديثة، بل أطلقت مبادرة إنسانية لعلاج الحيوانات مجانًا في القرى الريفية، إدراكًا منها لغياب البيطريين وارتفاع تكاليف العلاج. وقالت: “كنت اعتمدت على استشارة خبراء متخصصين، وعملت على تطوير خبرتي عبر دورات متخصصة، كما نقلت معرفتي التي اكتسبتها للنساء لتمكينهن من التعامل مع أي مرض يصيب الحيوانات”.

تشير “لجين” إلى أن أفضل ثمار تجربتها التدريبية لنساء الريف قصص النجاح التي حققتها المتدربات معها. وقالت: “استطاعت إحدى النساء بناء ديوان من عائد بيع البيض بينما تمكنت أخرى من أداء العمرة من أرباح بيع الأغنام بعد تدريبهن على تحسين وزيادة الانتاج الحيواني”، وتضيف: “هذه القصص من أعظم ثمار تجربتي؛ لأنها تمثل أثر التمكين الحقيقي للمرأة الريفية”.

لجين الوزير.. قصة شغف في تربية الثروة الحيوانية
عملت لجين على تدريب نساء في الأرياف على طرق حديثة في العناية بالحيوانات (ريف اليمن)

وترى أن الريف اليمني ما زال يعاني من ضعف الوعي بكيفية العناية بالثروة الحيوانية، إلى جانب سيطرة المعتقدات الشعبية التي تُرجع غالبية أمراض المواشي إلى معتقد “العين”، لذلك تسعى إلى نشر الوعي، وتشجيع الأهالي على تعليم بناتهم وتثقيفهن بيطريًا.


لجين الوزير: أحلم بأن أمتلك مزرعة كبيرة متخصصة في إنتاج الدواجن وحليب الماعز لتكون نموذجًا متكاملًا للمزرعة اليمنية الحديثة


وتشير إلى أن المرأة الريفية رغم جهودها في تربية الماشية، لا تملك الاستقلال المالي من بيع منتجاتها، فالعائد غالبًا يعود للرجل؛ مما يدفعها للعزوف عن مواصلة التربية، ولهذا حرصت على تدريب النساء على تصنيع منتجات الألبان كالجبن والزبادي ليتمكنّ من إدارة دخلهن بأنفسهن، وتحقيق استقلاليتهن الاقتصادية.

لجين: والدي الداعم الأكبر

تؤكد لجين أن والدها هو الداعم الأكبر لمسيرتها، فقد ساندها ماديًا ومعنويًا، وكان دائمًا يناصرها أمام كل من يعترض طريقها كامرأة عاملة وصانعة محتوى، مستندًا في دفاعه إلى الوعي والدين والعادات الأصيلة التي تكرم عمل المرأة. هذا الدعم المستمر أتاح لها الفرصة لتطوير مشروعها الريادي، وتحويل شغفها إلى واقع ملموس.

تعمل لجين في مشروعها الخاص بشغف وتنتج الألبان والبيض وحققت نجاحاً لافتا خلال السنوات الماضية (ريف اليمن)

ومع طموحها المستمر تقول: “أحلم بأن أمتلك مزرعة كبيرة متخصصة في إنتاج حليب الماعز والدواجن والبيض البلدي، لتكون نموذجًا متكاملًا للمزرعة اليمنية الحديثة”.

لم تقتصر مساهمتها على مشروع الإنتاج الحيواني فحسب، بل امتدت إلى توعية المجتمع وحماية الثروة الحيوانية، لتعيد الاعتبار لمهنة البيطرة، وتمثل مصدر إلهام للنساء اليمنيات، ودافعًا لتعزيز الاستدامة.

شارك الموضوع عبر: