معاناة يومية وعطش متواصل؛ هكذا تبدو الحياة في مديرية كُشَر بمحافظة حجة شمالي اليمن، حيث تحوّل الماء إلى سلعة نادرة، لا ينالها إلا من استطاع إليها سبيلا، في منطقة أنهكها الجفاف، وأصبح الحصول فيها على المياه من حق أساسي إلى حلم مؤجل، ويكلف الكثير من الانتظار والمعاناة.
على الطرق الوعرة والخطوط المتعرجة، وفي أطراف القرى المتناثرة على قمم الجبال، يقف الأطفال والنساء لساعات طويلة تحت حرارة الشمس، بانتظار وايت ماء قد يصل وقد لا يصل، انتظار ثقيل لكنه إجباري، ويعكس حجم أزمة تتفاقم عامًا بعد آخر بدون حلول من الجهات المختصة.
“نعيش واقعًا مريرًا”، بهذه العبارة يلخص المواطن “يونس العجري” يوميات سكان كُشر، لافتا إلى أن الأهالي يقطعون مسافات طويلة للحصول على كميات محدودة من مياه مبادرة يقودها أحد المواطنين، فيما يضطر آخرون إلى شراء المياه من الـ”وايتات” بأسعار تفوق قدراتهم.
مواضيع مقترحة
- اليمن تتحمل عبئاً أكبر.. ما مستقبل الموارد المائية في العالم؟
- نقص الأمطار يفاقم معاناة السكان
- عطش الأرض والإنسان: الجفاف يضاعف معاناة اليمنيين
عنوان البقاء
يؤكد العجري لـ”ريف اليمن”، أن سعر الوايت الماء بسعة 12 ألف لتر يصل إلى نحو 40 ألف ريال، (75 دولار) ويرتفع كلما زادت المسافة أو كانت القرى بعيدة ووعرة.
ويشير إلى أن سنوات الجفاف الأخيرة ضاعفت الأعباء على السكان في ظل أوضاع اقتصادية متردية وبطالة متزايدة، وتراجع النشاط الزراعي الذي يعد مصدر الدخل الرئيس لمعظم السكان.
أما منى (اسم مستعار) وهي امرأة في عقدها الرابع فأكدت أن معاناة الحصول على المياه أصبحت الهمّ اليومي الأكبر لها ولأسرتها كما هو حال بقية السكان، مؤكدة أن الماء لم يعد مجرد حاجة، بل عنوان البقاء في تلك الرقعة الجغرافية التي تكاد تكون منسية.
وأضافت لـ”ريف اليمن”:”منذ وُجدنا في هذه المديرية ونحن نحلم بمشروع مياه يصل إلى كل بيت، لكن الحلم طال انتظاره، والواقع تغير للأسوأ، واليوم بتنا نفكّر بالنزوح، لكن إلى أين؟”.
وتابعت بأسى: “قلّلنا استخدام المياه إلى الحد الأدنى، وخصصناها فقط للشرب كي نبقى أحياء، واستغنينا عن غسل الملابس إلا نادراً”.

وأوضحت منى أن قريتها لا تمتلك أي مصدر للمياه سوى الشراء بأسعار تفوق قدرة السكان، مشيرة إلى أن المياه تُستهلك بكميات كبيرة للشرب وللحيوانات وللاستخدامات المنزلية الأساسية؛ ما اضطر بعض الأهالي إلى بيع مواشيهم بسبب عدم قدرتهم على توفير الماء لها.
“محمد مثنّى (29 عاما)”، أحد أبناء المديرية، يصف الوضع بأنه من أسوأ أزمات شحّ المياه التي شهدتها كُشر خلال السنوات الأخيرة، لافتا إلى أن ذلك يعود إلى جفاف معظم الآبار وتراجع هطول الأمطار بشكل غير مسبوق.
ويضيف مثنّى لـ”ريف اليمن” أن الأمطار أصبحت خفيفة وغير كافية لتغذية المياه الجوفية، فيما نضبت الآبار تدريجيًا عامًا بعد آخر، ولم تعد البرك الموسمية والمياه المكشوفة تلبي احتياجات السكان رغم مخاطرها الصحية؛ ما ضاعف معاناة آلاف الأسر التي باتت تبحث يوميًا عن كميات محدودة من الماء لتبقى على قيد الحياة.
تفسير علمي
المهندس الجيولوجي “علي غنام”، أوضح أن أزمة المياه في كُشر ليست وليدة اليوم، بل نتيجة تراكم عوامل طبيعية وبشرية.
ويوضح لـ”ريف اليمن”، أن الطبيعة الجيولوجية للمنطقة معقدة؛ إذ تتكون من صخور قديمة غير متجانسة تتخللها فوالق وصدوع وتكسّرات، إضافة إلى تأثرها بالنشاط التكتوني المرتبط بحركة الصفائح في البحر الأحمر وخليج عدن؛ ما يحدّ من قدرة الأرض على تخزين المياه الجوفية.
ويؤكد غنام أن غياب السدود والخزانات التي تعد المصدر الرئيس لتغذية المياه الجوفية أسهم في تفاقم المشكلة، إلى جانب الاستنزاف الجائر للمياه بنسبة تصل إلى 85% لري مزارع القات، مقابل نسبة محدودة للاستخدام البشري، فضلًا عن غياب المسوح الجيوفيزيائية الدقيقة التي كان من شأنها تحديد مواقع الأحواض المائية بدقة.
ويرى أن الخروج من الأزمة يتطلب دراسات دقيقة لطبيعة الأرض، تمكن من تنفيذ مشاريع مياه شاملة، تشمل إنشاء سدود وحواجز في مواقع مدروسة لإعادة تغذية المياه الجوفية.
ودعا المهندس غنام من خلال “ريف اليمن”، الجهات المختصة إلى إجراء مسوح علمية دقيقة لتحديد مواقع حفر الآبار، وتشغيلها بالطاقة الشمسية، وتوزيع المياه عبر خزانات ونقاط مدروسة وفق الكثافة السكانية.
ويشدد على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الموارد المائية، والحد من الحفر العشوائي الذي يزيد من استنزاف المياه الجوفية ويفاقم معاناة السكان.
مبادرة لكسر العطش
وسط هذا الواقع القاسي، برزت مبادرة أهلية لسقاية القرى الأشد فقرا، يقودها عدد من أبناء المنطقة بدعم من فاعلي خير وأصحاب ناقلات المياه، في محاولة للتخفيف من حدة العطش، وتوفير الحد الأدنى من الاحتياج.
ويقول القائم على المبادرة، “معتز الزعكري (42 عامًا)” لـ”ريف اليمن”، إن المبادرة استطاعت منذ الأول من أكتوبر 2025 وحتى منتصف يناير الجاري، توزيع أكثر من 400 ناقلة مياه، بالاعتماد على دعم فاعلي خير.
ويلفت الزعكري إلى أن العمل الإعلامي المتمثل في التوثيق بالصورة والفيديو ونشره على وسائل التواصل، أسهما في جذب المتبرعين وتوسيع التفاعل المجتمعي، لافتًا إلى أن ثلاثة من أبناء المنطقة تبرعوا بتوفير ست ناقلات يوميًا، ارتفعت لاحقًا إلى 12 ناقلة في اليوم؛ ما خفف جزئيًا من حدة الأزمة.

رغم ذلك، يؤكد أن ناقلة المياه سعة 9 آلاف لتر لا تستمر أكثر من عشر دقائق عند وصولها إلى بعض القرى قبل أن تنفد بالكامل بسبب الإقبال الشديد، في مؤشر واضح على حجم العطش؛ الأمر الذي يتطلب تدخلا حقيقيا وعاجلا لإنهاء الأزمة بشكل مستدام.
السلطة غائبة
وعن دور السلطة المحلية أوضح معتز الزعكري أنهم طرقوا أبواب المسؤولين، تجاوب معهم مدير عام المديرية، وشارك بدعم تمثل في 200 لتر ديزل، إلا أن الأهالي يؤكدون أن الأزمة تتطلب تدخلا حقيقا، وعمل حلول مستدامة؛ كحفر آبار ارتوازية وإنشاء حواجز وسدود لتغذية المياه الجوفية.
الناشط الإعلامي “رضوان الحجوري” أوضح إن أزمة المياه اشتدت خلال العامين الأخيرين مع نضوب منابع المياه بشكل مخيف، في مقابل غياب أي بدائل، مؤكدا أن حل الأزمة يحتاج إلى تدخل أوسع وأكثر استدامة من الجهات الرسمية.
ويشير إلى أن جميع الآبار القريبة تعطلت، وأصبح الاعتماد الكامل على صهاريج المياه القادمة من مديرية مستبأ ووادي حيران، التي تقطع مسافة تصل إلى 70 كيلومترًا ذهابًا وإيابًا؛ ما يضاعف كلفة قيمة المياه، ويعمق معاناة السكان.
وعن المبادرة يشير الحجوري، إلى أنها ورغم محدودية مواردها، نجحت في التخفيف من حدة الأزمة وتحريك المجتمع، لكنه يعود ويؤكد أن الأمر يحتاج تدخلاً أوسع وأكثر استدامة من الجهات الرسمية.
وبحسب بيانات البنك الدولي فإن 18 مليوناً من سكان اليمن يعانون من عدم القدرة على الحصول على المياه المأمونة أو الصرف الصحي، في حين تظهر بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن اليمن أحد أكثر البلدان التي تعاني من ندرة المياه.

