لم تعد الآفات والأمراض النباتية مجرد مشكلة موسمية عابرة في الأراضي الزراعية اليمنية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى تهديد حقيقي للإنتاج الزراعي ولمصدر عيش آلاف المزارعين، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة والتقلبات الحادة في أنماط الطقس.
وفي الوقت الذي تمثل فيه الآفات والأمراض النباتية أحد أخطر التحديات؛ لا يزال كثير من المزارعين يواجهونها بوسائل تقليدية لم تعد صالحة، أو باستخدام عشوائي ومفرط للمبيدات والأسمدة، مع غياب شبه كامل للدور الإرشادي؛ ما يحول المشكلة من خسارة محتملة إلى كارثة حقيقية.
“منصة ريف اليمن” حرصت على تقديم إرشادات عملية، مبنية على آراء مختصين، لمساعدة المزارعين على حماية محاصيلهم، وتقليل الخسائر، والتعامل الذكي مع الآفات والأمراض قبل استفحالها.
مواضيع مقترحة
- الزراعة في اليمن: تحديات المناخ والحلول الممكنة
- خبراء:تغيّر المناخ يهدد الأمن الغذائي العالمي
- الزراعة المستدامة.. وسيلة فعّالة لمواجهة التحديات المناخية
الزراعة الذكية
يقول الدكتور “أنور الشاذلي”، مختص البيئة والتخطيط البيئي وتغيرات المناخ بجامعة تعز، إن اليمن تعد من أكثر الدول تأثرا بتقلبات المناخ، لكنها في الوقت ذاته من أقل البلدان استعدادا للمواجهة، نتيجة توقف برامج التنمية البيئية وتعطل أنظمة الإنذار المبكر، في ظل الانقسام السياسي والضعف المؤسسي.
ويؤكد الشاذلي لـ”ريف اليمن”، أن الفيضانات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية كشفت هشاشة البنية الزراعية والريفية، وأظهرت أن أساليب الزراعة التقليدية لم تعد كافية وحدها للتعامل مع الواقع المناخي الجديد.
ويرى الشاذلي أن ما يعرف بالزراعة الذكية لم يعد خيارا إضافيا، بل ضرورة ملحة، كونها تساعد على ترشيد المياه وتعزز قدرة المزارعين على التكيف مع فترات الجفاف الطويلة.
ويشير إلى أن استمرار الري بالغمر يستنزف الموارد المائية ويضعف النبات، بينما قد يشكل الري بالرش في المناطق الحارة بيئة ملائمة لانتشار الحشرات والآفات إذا لم يدار بشكل صحيح.
ويحذر الشاذلي من أن أخطر ما يواجه القطاع الزراعي حاليا هو الاستخدام العشوائي للمبيدات، لافتا إلى تداول مواد محرمة دوليا دون رقابة أو إرشاد، مشيرا إلى أنه شاهد حالات يقوم فيها المزارعون برش المبيدات عكس اتجاه الرياح، أو خلط عدة مبيدات في وعاء واحد، ما يؤدي إلى تكوين “جرعات سامة” لا تضر بالنبات فقط، بل تهدد صحة الإنسان.
أخطر ما يواجه القطاع الزراعي هو الاستخدام العشوائي للمبيدات و خلطها ما يؤدي إلى الإضرار بالنبات، وتهديد صحة الإنسان
كما يلفت إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار ساهما بشكل مباشر في تفشي الآفات والأمراض النباتية، إذ تسرع الحرارة المرتفعة دورة حياة الآفات، وتحول التربة إلى بيئة خصبة لانتشارها، بينما تؤدي الرطوبة العالية والأمطار الغزيرة إلى ظهور أمراض فطرية وبكتيرية.
ومن الفطريات التي تنتشر البياض الدقيقي والصدأ والتصمغ في الأشجار المثمرة، إلى جانب انتشار النيماتودا والرخويات، مؤكدا أن الإجهاد المائي والحراري يقلل من مقاومة النبات، ويجعله أكثر عرضة للإصابة، خصوصاً المحاصيل الضعيفة أو غير المتكيفة.
ويضيف الشاذلي أن تغير المناخ أخل بالتوازن البيئي بين الآفات وأعدائها الطبيعيين من الحشرات النافعة، مثل فرس النبي وأسود المن والدبابير، ما سهّل انتشار الآفات دون رادع بيولوجي.
ويشدد على أهمية التكيف مع هذه الظروف عبر تعديل مواعيد الزراعة، وتحسين أساليب المكافحة، والالتزام بالتعقيم في الزراعات المحمية، مع المراقبة المستمرة لاكتشاف الإصابات مبكراً والتعامل معها بأقل كلفة بيئية ممكنة.
مكافحة الآفات الزراعية
من جهته، يؤكد الخبير الزراعي “عبدالله الحسيني” من محافظة أبين أن رصد الأمراض في مراحلها الأولى يعد خط الدفاع الأهم لحماية المحاصيل من الخسائر الكبيرة.
ويوضح لـ”ريف اليمن”، أن الفحص الدوري للأراضي، سواء بشكل يومي أو أسبوعي، مع التركيز على الأوراق القديمة والجديدة، والسيقان، وقاعدة النبات، يساعد على اكتشاف أي تغيرات غير طبيعية قبل تفاقم الإصابة.
عبد الله الحسيني: الفحص الدوري للأراضي يساعد على اكتشاف أي تغيرات غير طبيعية قبل تفاقم الإصابة
ويشير الحسيني إلى أن ملاحظة علامات مثل الاصفرار، البقع، الذبول أو تشوه النمو، واستخدام صور مرجعية أو كتيبات إرشادية، يمكن أن يسهّل التشخيص الصحيح.
كما يلفت إلى أهمية المصايد الفيرمونية واللاصقة في الكشف المبكر عن الآفات الحشرية، مثل ذبابة الفاكهة ودودة الحشد، قبل انتشارها على نطاق واسع.
ويرى أن إرسال عينات من التربة أو النباتات المشتبه بإصابتها إلى مختبرات زراعية يضمن تشخيصاً أدق، خاصة للأمراض الفطرية والبكتيرية والفيروسية.
ويؤكد الحسيني أن تسجيل الملاحظات الميدانية بشكل منتظم، من حيث تاريخ ظهور الإصابة ومكانها والأعراض المصاحبة لها وإجراءات المكافحة المتخذة، يساعد المزارع على توقع تكرار المرض في المواسم المقبلة، ووضع خطة أكثر فاعلية لمواجهته.
وعند الحديث عن الممارسات الزراعية السليمة، يشدد الحسيني على أهمية تحسين التربة وزيادة مادتها العضوية لتقوية الجذور وتعزيز مناعة النبات، إلى جانب تطبيق الدورة الزراعية للحد من تراكم مسببات الأمراض.
كما يؤكد أن الإدارة الجيدة للصرف تقلل من الرطوبة الزائدة التي تشجع الفطريات، وأن اختيار طريقة الري وتوقيته -ويفضل أن يكون في الصباح الباكر- يلعب دوراً مهماً في الحد من انتشار الأمراض.
ويضيف أن التسميد المتوازن، والعناية بالعناصر الصغرى مثل الزنك والحديد والبورون، واستخدام بذور جيدة ومناسبة للبيئة المحلية، والحفاظ على النظافة الزراعية وتعقيم الأدوات، كلها عوامل أساسية لحماية المحاصيل.
تكامل دور المزارعين مع الإرشاد الزراعي، يمثل ركيزة أساسية لتعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود
استخدام الأسمدة والمبيدات
يحذر المهندس الزراعي “محمد الحزمي” من أن الاستخدام المفرط وغير المنضبط للأسمدة والمبيدات، بدافع زيادة الإنتاج، يؤدي في النهاية إلى تدهور خصوبة التربة وتراجع جودة المحاصيل.
ويشير إلى أن التخلي عن الممارسات الزراعية التقليدية التي اعتمدها الأجداد أضعف الدفاع الطبيعي ضد الأمراض، في حين أن إدخال محاصيل جديدة دون دراسة كافية قد يفتح الباب لمشاكل بيئية وزراعية معقدة.
ويؤكد الحزمي لـ”ريف اليمن”، أن المراقبة الميدانية المستمرة، ومتابعة الأحوال الجوية، واستخدام الفرمونات، والالتزام بإرشادات استخدام المبيدات والأسمدة، وتطبيق الدورات الزراعية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في الري والزراعة، تمثل مجتمعة عوامل حاسمة لضمان إنتاج آمن ومستدام.
تشير مراجعات حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن تغير المناخ يزيد من مخاطر انتشار الآفات في الأنظمة الزراعية حول العالم، حيث يساعد الدفء غير الموسمي والشتاء المعتدل الآفات الغازية على الاستقرار والتكاثر، بينما تسرّع درجات الحرارة المرتفعة دورة حياة الحشرات، وتزيد عدد أجيالها خلال الموسم الزراعي، وتوسع نطاق انتشارها الجغرافي، ما يهدد الأمن الغذائي بشكل متزايد.
يبدو هذا الاجتياح الصامت للآفات والأمراض حقيقة يومية في الأراضي اليمنية، لكنه ليس قدراً محتوماً، فالتجربة تثبت أن الفحص الدوري، والحذر في استخدام المبيدات والأسمدة، والعودة إلى ممارسات زراعية متوازنة، إلى جانب تبنّي الزراعة الذكية، يمكن أن تعيد للمزارع جزءا من السيطرة على أرضه ومحاصيله.
ويشدد خبراء ومهندسون على أن تكامل دور المزارعين مع الإرشاد الزراعي، يمثل ركيزة أساسية لتعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود، ليس بوصفه مصدرا للرزق فحسب، بل باعتباره خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي في بلد يواجه تقلبات مناخية حادة وتحديات متراكمة على المستويين البيئي والاقتصادي.

