خلصت دراسة سنوية شاملة للحياة النباتية والحيوانية إلى أن الظروف الجوية القاسية التي شهدها عام 2025 أثرت على التنوع البيولوجي دفعت الطبيعة إلى أقصى حدود طاقتها؛ مما وضع الحياة البرية والنباتات والمناظر الطبيعية تحت ضغوط غير مسبوقة.
بحسب دراسة نشرتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، تزامنت عاصفتا إيوين وبرام مع فصلي ربيع وصيف شهدا معدلات سطوع شمسي مرتفعة بشكل استثنائي؛ وهو ما تسبب في اندلاع حرائق هائلة في الأراضي العشبية والمستنقعات، أعقبتها فيضانات عارمة خلال فصل الخريف.
ووصفت مؤسسة “التراث الوطني”، في تقريرها السنوي، هذا الوضع بأنه سلسلة من التقلبات الحادة التي اختبرت قدرة الطبيعة على الصمود بشكل لم يسبق له مثيل في العصر الحديث.
مواضيع مقترحة
- الشعاب المرجانية في خطر بسبب الانحباس الحراري
- صحراء الربع الخالي كانت خضراء.. كيف تحولت بيئة قاحلة؟
- منها اليمن.. أسعار الغذاء تهدد أفقر سكان العالم
الحرارة والجفاف
أكد بن مكارثي، رئيس قسم الحفاظ على الطبيعة في مؤسسة “التراث الوطني”، أن الحرارة والجفاف والحرائق كانت هي العناوين العريضة التي صبغت عام 2025.
وأوضح مكارثي أن الظواهر الجوية المتطرفة بحد ذاتها ليست بالأمر الجديد، إلا أن التأثير المتراكم لموجات الجفاف المتقاربة في أعوام 2018 و2022 وصولاً إلى 2025 بات يفرض ضغوطاً هائلة على الموائل الطبيعية، مما يزيد من تعقيد فرص بقاء الحياة البرية.
وشدد مكارثي على أن هذه الظواهر تمثل إشارات إنذار لا يمكن تجاهلها، وتتطلب تحركاً أسرع وأكثر ذكاءً ضمن استراتيجيات عمل متكاملة.
يُفاقم التدهور المناخي الناتج عن النشاط البشري في تفاقم الظواهر الجوية المتطرفة عالمياً، مما يؤدي إلى وقوع كوارث أكثر تواتراً وفتكاً، بدءاً من موجات الحر وصولاً إلى الفيضانات وحرائق الغابات. وتشير التقارير العلمية إلى أنه لولا الاحتباس الحراري العالمي، لكان من المستحيل تقريباً وقوع ما لا يقل عن اثني عشر حدثاً من أخطر الكوارث البيئية التي شهدها العقد الماضي.
وبحسب الدراسة ،كان للحرائق أثرٌ بالغ. ففي أبريل/نيسان، اندلع حريقٌ في منطقة أبرغويسين كومون بوسط ويلز ، والتهم أكثر من 5000 هكتار من الأراضي الخثية، ودمر مواطن الثدييات الصغيرة والزواحف والطيور، بما في ذلك الزقزاق الذهبي، والقبرة، والغراب، والحدأة الحمراء، والسحلية الشائعة، والضفدع الشائع، وفأر الحقل، وأنواع نادرة من اليعاسيب مثل اليعسوب الأسود . وأكد حراس المحمية أن الضرر البيئي سيستمر لعقود.
وفي أقصى شمال ويلز، سادت مخاوف من اختفاء نبات كاسر الحجر المتكتل من سفوح إيري (سنودونيا) بسبب الحرارة. وأفادت المؤسسة أن سبعة نباتات فقط من هذا النوع لا تزال موجودة. ولحسن الحظ، نجت بأعجوبة.
ولم تقتصر الأضرار على مناطق الحرائق فحسب، بل ألحقت الحرارة المرتفعة أضراراً جسيمة بأنواع أخرى مثل الطيور الجارحة والبوم، التي سجلت أعدادها انخفاضاً حاداً في الأراضي العشبية الجافة بمزارع “موتيسفونت” في “هامبشاير” و”شيربورن” في “غلوسترشاير.

انخفاض هطول الأمطار
أدى انخفاض هطول الأمطار في بريطانيا إلى تراجع خطير في منسوب مياه الجداول والبرك، وصل حد الجفاف في مواقع مثل “دير فاونتينز” بشمال يوركشاير. وقد تسبب هذا الشح المائي في جفاف برك تكاثر “سمندل الماء المتوج الكبير” في قلعة تاتيرشال بلينكولنشاير ، كما سجل ساحل ميرسيسايد فشلاً في تكاثر ضفادع “فورمبي”، التي لم تنجب أي صغار خلال هذا الموسم.
وعلى صعيد الغطاء النباتي، أكدت المؤسسة أن الظروف الجوية القاسية فرضت ضغوطاً غير مسبوقة على الأشجار؛ حيث بلغت خسائر الشتلات الحديثة 40%، وهي نسبة تتجاوز بكثير المعدل المتوقع (10-15%).
كما أظهرت الأشجار الناضجة علامات إجهاد واضحة، تمثلت في فقدان الأوراق المبكر، وسقوط الأغصان، وشحوب لون الغطاء النباتي. وحذرت الدراسة من أن أشجار البلوط، التي تعاني أصلاً من تراجع أعدادها، باتت أقل قدرة على مقاومة سنوات الجفاف المتكررة، لا سيما في منطقتي “ميدلاندز” والشرق.
ولم تكن الطيور البحرية بمنأى عن هذه الأزمة، إذ انخفضت أعشاش “الخرشنة القطبية” بنسبة 30% في “لونغ ناني”، وتراجعت أعداد طيور “البفن” بمقدار الثلث في جزر “فارن”. وفي ظاهرة تعكس اختلال “الساعة البيولوجية” للطبيعة، أزهرت أشجار التفاح والورود في غير أوانها بين شهري أكتوبر وديسمبر.
كما بدت الحيوانات “خارجة عن التزامن” المعتاد؛ حيث استمرت الخفافيش وفراشات الكبريت في التحليق حتى شهر نوفمبر، بينما بدأت الغربان في إعادة بناء مستعمراتها قبل موعدها بعدة أشهر.
تحديات الاستجابة البيئية
على الرغم من الظروف الجوية القاسية، برزت بعض الأنواع الفائزة التي أظهرت قدرة استثنائية على التكيف. فقد حققت الأنواع “العامة” مثل الفقمات الرمادية، والغربان السوداء، وفراشات الخشب المرقطة أداءً جيداً بفضل مرونتها في التعامل مع درجات الحرارة المرتفعة واعتمادها على نظام غذائي متنوع.
كما كان العام استثنائياً لإنتاج التوت والمكسرات في مناطق عدة؛ حيث سجلت منطقة “دونهام ماسي” في “تشيشاير” أكبر محصول من البلوط في الذاكرة الحديثة، في حين امتلأت السياجات النباتية بالتوت في “ساوث داونز” و”تشيلترنز” جنوب إنجلترا.
وفي سياق متصل، أشارت المؤسسة إلى نجاح مخططات بيئية رائدة مثل مشروع “المرحلة صفر” في عقار “هولنيكوت” بـ “إكسمور”، حيث ساهم إنشاء أراضٍ رطبة خصبة في ازدهار أنواع شملت فئران الماء، وطيور البلشون الأبيض الكبير، وأسراب الحسون الذهبي.
كما سجلت فراشة “هيث فريتيلاري” وهي من أندر الفراشات في المملكة المتحدة انتعاشاً ملحوظاً في المنطقة ذاتها ؛ إذ رُصد أكثر من 1000 فراشة موزعة على 13 موقعاً، مقارنة بنحو 600 فراشة فقط في العام السابق.
ومع ذلك، حذر مكارثي من التباين في مصير الكائنات، موضحاً أنه بينما تتأقلم الأنواع المرنة، تواجه الأنواع ذات الاحتياجات المتخصصة انخفاضاً حاداً، وهو اتجاه يتسارع بسبب تجانس المناطق الريفية.
وأكد أن المواقع المحمية لم تعد كافية للعمل كشبكة أمان نظراً لصغر مساحتها وتجزئتها الشديدة التي تعيق تشكيل شبكة بيئية فعالة، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة ومتكاملة لوقف تدهور الطبيعة.

