على سفوح جبل ريدان جنوب مدينة يريم بمحافظة إب، تقف ظفار شاهدة على واحدة من أهم مراحل التاريخ اليمني القديم، فهذه المدينة التي كانت يوما عاصمة الدولة الحميرية ومركزًا للقرار السياسي في اليمن القديم، ما تزال تحتفظ بآثار ونقوش تروي فصولا من حضارة لعبت دورا محوريا في تشكيل تاريخ اليمن والجزيرة العربية.
ورغم مكانتها التاريخية تواجه ظفار اليوم تحديات متزايدة تهدد ما تبقى من معالمها الأثرية، في ظل ضعف الحماية وتراجع الاهتمام بالمواقع التاريخية خلال سنوات الحرب، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا الإرث الحضاري وإمكانية الحفاظ عليه للأجيال القادمة.
يؤكد أستاذ التاريخ والحضارة القديمة بكلية الآداب في جامعة صنعاء، الدكتور عبد الله أبو الغيث، أن ظفار تعد من أهم المدن اليمنية القديمة لكونها عاصمة الدولة الحميرية، ولأنها أصبحت محطة مهمة على طرق التجارة في اليمن القديم خصوصاً منذ نهاية القرن الثاني قبل الميلاد.
ويقول لـ”ريف اليمن”، إن أهمية مدينة ظفار تعززت مع التحولات التي شهدتها طرق التجارة القديمة، خصوصاً بعد اكتشاف البطالمة في مصر حركة الرياح الموسمية التي أوصلتهم إلى الهند، الأمر الذي انعكس على طريق البخور الذي كان يمر عبر المناطق شبه الصحراوية ليتحول صوب المرتفعات الجبلية وقلبها مدينة ظفار.
مواضيع مقترحة
- رحلة في تاريخ مأرب: الحضارة السبئية المطمورة تحت الرمال
- إحياء التراث الشعبي.. العودة للجذور اليمنية
- تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
وبيّن أن ما جعل ظفار مركزاً للقوة والنفوذ هو نجاحها في توحيد اليمن القديم تحت سيطرتها منذ أواخر القرن الثالث الميلادي، قبل أن تمد نفوذها نحو وسط وشمال الجزيرة العربية، وهو ما دفع تبابعة حمير في عصرهم الثاني (من مطلع القرن الخامس حتى مطلع السادس الميلادي) إلى إضافة الأعراب في الطود وتهامة إلى ألقابهم الملكية.
مدينة عظيمة خارج الاهتمام
الدكتور أبو الغيث أشار إلى أن الكتابة كانت معروفة في اليمن القديم قبل ظهور الحميريين، في دول سبأ وأوسان وقتبان وحضرموت ومعين، غير أن تأسيس الدولة الحميرية جعل النقوش المسندية في ظفار ومناطق نفوذها تعبر عن مختلف جوانب الحياة السياسية والحضارية، وهو ما دفع المصادر العربية القديمة إلى إطلاق اسم “اللغة الحميرية” على لغة المسند، كون الحميريين كانوا أصحاب آخر الدول اليمنية القديمة التي كتبت بها.
ولفت إلى أن مدينة ظفار ما زالت تحتفظ بجزء مهم من آثارها القديمة، غير أن المدن اليمنية التاريخية بشكل عام بآثارها ونقوشها في طول البلاد وعرضها باتت مهددة بالإهمال والاندثار أو التهريب، خصوصاً خلال سنوات الحرب الأخيرة.
وأوضح أن ظهور دولة حمير ارتبط بتحول مسار طريق البخور التجاري، وانتقال مركز الثقل السياسي والحضاري إلى المرتفعات، وهو ما دفع الحميريين إلى تأسيس مدينة ظفار عاصمة لهم عند سفح جبل ريدان الذي اتخذوه حصناً، ومنه استمدوا لقبهم السياسي “ذي ريدان”، ثم “ملك سبأ وذي ريدان”، مع إضافات ارتبطت بتوسع دولتهم في جنوب الجزيرة العربية وشمالها.

مؤكداً ان النقوش المسندية التي عثر عليها حتى الآن في اليمن وفي خارجها تزيد على 15 ألف نقش، وتتوزع تلك النقوش في مختلف مناطق الدول اليمنية القديمة بما فيها حمير، وهي تحدثنا عن كل جوانب الحضارة اليمنية السابقة للإسلام السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية وغيرها، إلى جانب العديد من بقايا آثار المنشآت الحضارية التي شيدها اليمنيون القدماء مثل السدود والمعابد والقصور والحصون والأسوار وغيرها.
ورغم القيمة التاريخية الكبيرة لظفار، إلا أن حضورها في المشهد الثقافي والسياحي المعاصر ما يزال محدودًا مقارنة بمكانتها الحضارية، ويقول رئيس قسم التاريخ والعلاقات الدولية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة صنعاء الدكتور عبد الحكيم الهجري، إن هناك العديد من المواضع في اليمن التي حملت اسم ظفار (ظفار ذيبين، ظفار عمان، ظفار يريم)، غير أن ظفار يريم كانت الأشهر، إذ حلت محل مأرب عاصمة مملكة سبأ، لتصبح عاصمة الدولة الحميرية التي حكمت اليمن مركزياً في القرون الميلادية السابقة لظهور الإسلام.
ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن المدينة شكلت محطة رئيسية على الطريق القديم للقوافل التجارية قبل الإسلام، ثم طريق الحجيج بعد الإسلام، الممتد من عدن مروراً بظفار وصنعاء وعبر الهضبة حتى مكة ثم يثرب فبلاد الشام، واشتهر بدرب “أسعد”. ومن أبرز معالمها كهف “عود” الذي ما زال محتفظاً بوضع جيد.
هوية مهددة بالنسيان
ويرى الهجري أن حماية ظفار لا تقتصر على الحفاظ على موقع أثري فحسب، بل تتعلق بحماية جزء أساسي من الهوية اليمنية، فالمدن اليمنية التاريخية ليست مجرد حجارة قديمة، بل تمثل الهوية الوطنية، كونها تمثل شاهدًا ماديًا على قيام دولة مركزية قوية في اليمن قبل الإسلام بقرون، داعيا مؤرخو التاريخ الحديث والمعاصر إلى إبراز الدور الحضاري الكبير لهذه المدينة، لتعريف الأجيال الجديدة بأهميتها وأهمية المدن التاريخية الأخرى في اليمن، وهي كثيرة.

ومن هنا تتضح الحاجة إلى ربط الماضي بالحاضر، فمدينة ظفار ليست مجرد أطلال قديمة، بل ذاكرة حية للهوية اليمنية، وحماية آثارها تعني الحفاظ على الدليل الملموس على أن اليمنيين أسسوا دولة مركزية قبل الإسلام بقرون، وهو ما يمنح الأجيال الحالية فرصة لفهم عمق حضارتهم وتاريخهم.
ويؤكد الهجري أن مباني ظفار ونقوشها المسندية وأسوارها هي “وثائق حجرية” تثبت عظمة الدولة الحميرية، وأن اليمنيين بنوا دولة مركزية قبل الإسلام بـ 400 سنة وأن هذه المدينة بما تحويه من نظام ري ومعابد وقصور وأنماط تخطيط عمراني، يجب أن تُدرس في أقسام الآثار بالجامعات اليمنية ليعرف الجيل الحاضر كيف تعامل أجدادهم مع الجبال والسيول والمناخ بوسائل تقليدية دون إسمنت أو آلات حديثة.
ويشير إلى أن المدينة تمثل حلقة أساسية في تاريخ دولة حمير، لكنها لا تزال مجهولة لدى كثير من الشباب، ما يستدعي الحفاظ على معالمها الأثرية والسياحية وتحويلها إلى مصدر دخل اقتصادي عبر السياحة الثقافية والبحث العلمي، ليستفيد منها الجيل الجديد كباحثين ومرشدين، مؤكداً أن غياب الوعي بهذه المدن التاريخية ينعكس سلباً على الهوية الثقافية للأجيال.
ويشدد الهجري على أن الجامعات والمؤسسات الثقافية مطالبة بدور أكبر في إعادة إحياء هذا الإرث من خلال تحويل تاريخ مدينة ظفار من مجرد “أرشيف منسي” إلى واقع ملموس عبر الرقمنة والتوثيق الميداني وإنشاء أرشيف رقمي مفتوح، يوثق تاريخ المدينة وآثارها، إلى جانب إنشاء متحف يوثق الإرث التاريخي والآثاري للمدينة، وتصميم مسارات ثقافية مثل “طريق اللبان السياحي” لتعريف الأجيال بماضيهم الحضاري العريق.

من جانبها، ترى الباحثة المتخصصة في الحضارة اليمنية القديمة أمل السبلاني أن ظفار تمثل واحدة من أبرز الشواهد على عظمة اليمن القديم، لكونها جمعت بين القوة السياسية والازدهار الاقتصادي والتطور العمراني خلال العصر الحميري، وتوضح أن الدولة الحميرية شكلت نقطة تحول تاريخية في اليمن عندما نجحت في توحيد الممالك اليمنية القديمة ضمن كيان سياسي واحد، وهو ما منح ظفار مكانتها كعاصمة ومركز للحكم.
وتشير إلى أن ما تبقى من معالم المدينة ما يزال قادرًا على كشف جانب مهم من قوتها الحضارية، رغم ما تعرضت له من اندثار وإهمال عبر الزمن، لكنها تحذر من أن استمرار تدهور المواقع الأثرية لا يعني فقدان مبانٍ حجرية فقط، بل خسارة جزء من الذاكرة الوطنية والهوية الثقافية لليمنيين، لأن الشعوب التي تفقد علاقتها بتاريخها تصبح أكثر هشاشة أمام التشويه والنسيان، وهذا ما نواجهه اليوم بشكل مؤلم.
مؤكدة أن الأجيال الجديدة بحاجة إلى التعرف على هذا الإرث من خلال الأفلام والكتب والمحتوى الرقمي والبرامج الإعلامية، فالأجيال الجديدة بحاجة لأن ترى تاريخها بصورة قريبة منها لا كشيء بعيد ومهمل، معبرة عن أملها للاهتمام بالمدينة وتاريخها، وأن يصبح توجه الاهتمام حاضرا من قبل الجهات المختصة.
مسؤولية الإنقاذ والحماية
في الوقت الذي تتآكل فيه المواقع الأثرية بفعل الإهمال والعوامل الطبيعية، تتجه الأنظار إلى الجهات المعنية بحماية التراث، بحثًا عن خطوات عملية تضمن الحفاظ على ما تبقى من إرث مدينة ظفار قبل أن يطاله المزيد من التدهور.

ويقول مسؤول في قطاع السياحة والتراث، فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن بقاء ظفار خارج خارطة المشاريع السياحية والتنموية يرتبط بالظروف التي تعيشها اليمن خلال السنوات الأخيرة، حيث أسهمت الحرب والانقسام المؤسسي في إضعاف قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ في القطاعات غير الطارئة، وفي مقدمتها قطاعا السياحة والآثار.
ويضيف أن ضعف الاستقرار الأمني في عدد من المناطق الأثرية حال دون جذب الاستثمارات وإطلاق مشاريع تنموية طويلة الأمد، موضحًا أن تطوير المواقع التاريخية لا يعتمد على قيمتها الحضارية فقط، بل يحتاج إلى بيئة آمنة وبنية تحتية مناسبة وإدارة مستقرة قادرة على الاستمرار.
ويرى أن تشتت الجهات المعنية بالآثار وضعف التمويل المتاح أسهما في غياب رؤية وطنية موحدة لحماية المواقع التاريخية واستثمارها، ما جعل كثيرًا من المدن الأثرية، ومنها ظفار، خارج أولويات التنمية رغم ما تمتلكه من مقومات ثقافية وسياحية مهمة.

مؤكدا أن إنقاذ ظفار يتطلب البدء بإجراءات عاجلة لحماية الموقع وتوثيق معالمه وترميم الأجزاء المتضررة منه، إلى جانب توفير الحد الأدنى من البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تتيح للزوار والباحثين الوصول إليه والاستفادة منه.
كما يشدد على أهمية إعداد خطة وطنية متكاملة تشمل حصر الأضرار التي لحقت بالموقع، وتعزيز إجراءات الحماية، والاستفادة من خبرات المنظمات الدولية المتخصصة في مجال الحفاظ على التراث، بما يضمن وقف التدهور المستمر وإعادة الاعتبار للمدينة التاريخية.
ويشير إلى أن حماية الآثار ليست مسؤولية الجهات الحكومية وحدها، بل مسؤولية مجتمعية ووطنية مشتركة، لأن خسارة المواقع التاريخية لا تعني فقدان شواهد من الماضي فحسب، بل فقدان جزء من الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية لليمنيين.
وبين أطلال القصور والنقوش والمسارات التجارية القديمة، ما تزال ظفار تحتفظ بمكانتها كواحدة من أهم المدن التاريخية في اليمن، وتقف أمام اختبار حقيقي؛ فإما أن تستعيد حضورها بوصفها موقعًا ثقافيًا وسياحيًا ومعرفيًا يعكس عمق التاريخ اليمني، أو تظل رهينة الإهمال والتدهور الذي يهدد ما تبقى من معالمها، وتتحول إحدى أعظم عواصم اليمن القديم إلى مجرد اسم في كتب التاريخ.





