الخميس, أبريل 30, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

شجرة اللبان في سقطرى.. إرث يحفظ ذاكرة الجزيرة

قد تبدأ الحكايات الكبيرة بفكرة صغيرة، أو بفضول لا يعرف كيف يهدأ، هكذا بدأت قصة الخمسيني علي العرقبي، أحد أبناء جزيرة سقطرى، مع شجرة اللبان التي لا تُختزل في كونها نباتًا نادرًا، بل تمثل جزءًا من ذاكرة الجزيرة وهويتها التاريخية.

ارتباط شجرة اللبان بالطرق التجارية القديمة، وما نسج حولها من طقوس وأساطير، دفع العرقبي إلى خوض تجربة شخصية لزراعتها، بدافع الشغف والرغبة بهدف إحياء جزء من إرث الجزيرة داخل منزله.

يقول العرقبي لـ”ريف اليمن”: “لم تكن شجرة اللبان مجرد نبتة أزرعها في فناء منزلي، بل امتدادًا حيًا لذاكرة سقطرى، التي ما تزال أشجارها محل اهتمام العالم لما تتميز به من ندرة وفوائد وقيمة طبيعية استثنائية”.


مواضيع مقترحة


ويضيف: “التجربة لم تكن معقدة كما يظن البعض، لكنها لم تكن سهلة أيضًا، فشجرة اللبان لا تُزرع بالبذور كما يتخيل كثيرون، ولا تنجح بمجرد قطع الأغصان وغرسها في التربة دون معرفة بطبيعتها.

لافتا أنه يمكن إكثارها عبر قص الفروع وزراعتها مع الري، وهي سهلة النمو نسبيًا، لكن النجاح الحقيقي يحتاج إلى عناية وصبر وفهم لطبيعة الشجرة.

بين التراب والماء، وبين المحاولة والخطأ، تحولت زراعة شجرة اللبان في منزل العرقبي إلى حكاية إنسانية صغيرة، تختصر شغفًا شخصيًا وارتباطًا عميقًا بالمكان، ومحاولة لإحياء جزء من تاريخ سقطرى في مساحة خاصة.

بعض الأشجار، كما تقول قصته، لا تحتاج فقط إلى تربة مناسبة، بل إلى ذاكرة تحبها ويد تعرف كيف تعتني بها، وهكذا لم تعد شجرة اللبان في هذا المنزل مجرد نبات، بل شاهدًا أخضر على علاقة الإنسان بأرضه، وعلى أن التاريخ أحيانًا يمكن أن يُزرع وينمو.

انواع نادرة

ويقول ناصر عبدالرحمن، رئيس جمعية سقطرى للأحياء الفطرية والأشجار، ومدير إدارة التنوع الحيوي في الهيئة العامة لحماية البيئة بسقطرى، أن أرخبيل سقطرى يحتضن 11 نوعًا من أشجار اللبان المتوطنة، تتميز بتنوعها الفريد وجودة لبانها البكر، الذي لا يوجد له مثيل خارج الأرخبيل.

شجرة اللبان في سقطرى.. إرث يحفظ ذاكرة الجزيرة
تحتضن سقطرى 11 نوعًا من أشجار اللبان المتوطنة وتتميز بتنوعها الفريد وجودة لبانها البكر (ريف اليمن)

وأوضح لـ”ريف اليمن” أن هذا التنوع الحيوي يواجه تهديدات متزايدة، في مقدمتها التغيرات المناخية، التي تسببت في سقوط أعداد كبيرة من أشجار اللبان، خصوصًا في محمية حمهل، التي كانت تُعرف سابقًا بأنها غابة متكاملة من هذه الأشجار.

وأشار إلى أن الأعاصير المتعاقبة التي ضربت الأرخبيل منذ عام 2015 تسببت في تضرر نحو 37% من أشجار اللبان داخل المحمية، لافتًا إلى أن الرعي الجائر والمفتوح يمثل تهديدًا آخر لا يقل خطورة، إذ يسهم مباشرة في تدهور الغطاء النباتي ويحد من تجدد الأشجار طبيعيًا.

وفيما يتعلق بسبل الحماية، شدد عبدالرحمن على أهمية إشراك المجتمعات المحلية في جهود الحماية، من خلال توفير المسيجات الواقية للنباتات، ودعم المشاتل، وتغطية تكاليف العاملين فيها.

وأكد على ضرورة تفعيل دور الجهات الحكومية المختصة، إلى جانب نشر الوعي البيئي بأهمية أشجار اللبان، لما تمثله من قيمة اقتصادية مباشرة للسكان، فضلًا عن دورها في تنشيط السياحة وجذب الزوار إلى مناطق انتشارها.

دراسات ميدانية

وبيّنت دراسة علمية أعدها وكيل حماية البيئة في سقطرى الباحث سالم حمدية، أن الرعي الجائر يُعد من أبرز العوامل التي تهدد التجدد الطبيعي لأشجار اللبان المتوطنة، إذ ترتفع معدلات نفوق الشتلات ويتراجع نموها في المناطق المفتوحة مقارنة بالمناطق المسورة.


جمعية سقطرى للأحياء: التنوع الحيوي يواجه تهديدات متزايدة، في مقدمتها التغيرات المناخية التي تسببت في سقوط أعداد كبيرة من أشجار اللبان


وأظهرت نتائج الدراسة أن عزل مناطق النمو عن الرعي يرفع بشكل واضح فرص بقاء الشتلات خلال فترة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام، ومع ذلك، تشير الدراسة إلى أن استمرار نفوق بعض الشتلات حتى داخل المناطق المحمية يكشف عن وجود عوامل بيئية أخرى قد تشكل تحديات مستقبلية أمام جهود الحفاظ على هذه الأشجار النادرة.

تعمل الهيئة العامة لحماية البيئة في أرخبيل سقطرى على تنفيذ حزمة من الإجراءات الهادفة إلى حماية شجرة اللبان، في ظل التهديدات البيئية المتزايدةوفي مقدمتها التغيرات البيئية والرعي الجائر التي جعلت هذه الشجرة الفريدة مهددة بالانقراض.

وأوضح مدير عام الهيئة، سالم حواش، لـ”ريف اليمن”، أن الهيئة تبذل جهودًا متواصلة للحفاظ على أشجار اللبان من خلال إنشاء مشاتل متخصصة لإنتاج شتلات اللبان وزيادة أعدادها، إلى جانب إقامة سياجات في مواقع نموها الطبيعية.

وأضاف أن الهيئة تولي أهمية كبيرة لتوعية المجتمع المحلي بأهمية شجرة اللبان ودورها البيئي والاقتصادي، باعتبارها موردًا طبيعيًا يمثل جزءًا من هوية سقطرى وسبل عيش سكانها.

جهود للحماية

وأشار إلى أن الهيئة تعمل بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية للحصول على الدعم الفني والمالي اللازم لتنفيذ مشاريع حماية البيئة، بما يسهم في تعزيز استدامة الموارد الطبيعية في الأرخبيل.

شجرة اللبان في سقطرى.. إرث يحفظ ذاكرة الجزيرة
حماية شجرة اللبان تمثل أولوية بيئية ووطنية لما تحمله من قيمة اقتصادية وثقافية وسياحية (ريف اليمن)

وفيما يتعلق بتنظيم استخراج اللبان، أكد حواش وجود إجراءات واضحة تُنفذ على أرض الواقع تشمل تحديد مواسم الاستخراج بما يضمن عدم الإضرار بالأشجار، إلى جانب التعاون مع المجتمعات المحلية لتنظيم العملية وتحقيق استفادة مستدامة تعود بالنفع على السكان دون استنزاف المورد الطبيعي النادر.

ولمواجهة التهريب والاتجار غير المشروع باللبان السقطري، أوضح أن الهيئة تطبق إجراءات قانونية وبيئية صارمة، تشمل مراقبة المنافذ والحدود، وتطبيق القوانين بحق المخالفين، فضلًا عن تعزيز التعاون الدولي لمكافحة التجارة غير المشروعة.

مؤكدا أن حماية شجرة اللبان تمثل أولوية بيئية ووطنية، لما تحمله من قيمة اقتصادية وثقافية وسياحية، مشددًا على أن الحفاظ عليها مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود الجهات الرسمية والمجتمع المحلي والمنظمات الداعمة، لضمان بقاء هذا الإرث الطبيعي حيًا للأجيال القادمة.

شارك الموضوع عبر: