يواجه سكان قرية ساروة في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع تحديات معيشية متعددة، إذ تفتقر القرية لأدنى الخدمات الأساسية، ويعيش السكان عزلة شبه تامة نتيجة غياب الطرق المعبدة الأمر الذي حول تفاصيل حياتهم اليومية إلى رحلة شاقة، تبدأ وتنتهي بتسلق الجبال الوعرة.
تبدو القرية، التي يقدر عدد سكانها بنحو أربعمائة نسمة، كما لو أنها تتكئ على كتف الجبل، ويعيش أهالي فيها منذ عقود في عزلة فرضتها التضاريس الجغرافية الوعرة، وكرّسها الإهمال الرسمي المتعاقب.
ويعتمد سكان القرية منذ عقود على مسار جبلي وعر وضيق، عمد الأجداد قديماً إلى شقه من الصخر بأدوات بدائية؛ رغبة منهم في الخلاص وكسر قيود العزلة، إلا أن هذا الطريق الوحيد، الذي يهبطون عبره نحو الوادي السالك في منتصف الجبل، ليس سوى ممر ضيق لا يتجاوز عرضه موضع القدم، محفوف بالمنحدرات السحيقة والانزلاقات الصخرية بالغة الخطورة.
مواضيع مقترحة
- رباط الحرازي بالضالع: قرية منسية من الخدمات
- الضالع: مرضى الكلى بين خدمات غائبة وتكاليف مرهقة
- العسل الجبلي: رحلة الموت في جبال الضالع
طريق العِرْق
تعد طريق القرية بوابة للحياة والموت معا، فهي المنفذ الوحيد والممر الأشد خطورة، ويطلق عليها الأهالي اسم “العِرْق”؛ نسبةً إلى جذور شجرة الأثب التي تمتد كمقابض طبيعية تُسهّل مهمة الصعود والنزول. وهو اسمٌ يستحضره الناس كأنه امتحانٌ يومي، أو معبر أسطوري لا يسلكه أحدٌ إلا وقلبه مشدودٌ ونفسه متوجسة.
وفي حديثهم لـ “ريف اليمن”، يصف الأهالي السير على جذوع الشجرة بأنه أشبه بالسير على صراط دقيق ممدود بين السماء والهاوية، حتى نسجت حوله المخيلة الشعبية حكايات تصفه بأنه “أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة، وأسودُ من الليل”، حيث تصبح كل خطوة قدراً معلقاً بصاحبه.
يصف التربوي حذيفة الساروي، أحد سكان القرية، هذا الممر بكلمات تختزن الخوف والاعتياد معا: قائلا لـ “ريف اليمن”: “نعيش في قرية تحتضنها الجبال وتحاصرها الصخور الحادة ويغمرها ضباب الفجر البارد، محاصرين بلا سبيل سوى طريق ضيقة معلقة في منتصف الجبل، كأنها خيط رقيق على شفا هاوية سحيقة، حيث السهو لثانية واحدة قد يجعل حياتك رهينة للقدر”.
ويضيف حذيفة: “المأساة لا تتوقف عند ضيق الممر، بل في كون وسيلتنا الوحيدة هي جذع شجرة أثب ضخمة تضرب جذورها في الصخر ويتدلى رأسها في الفراغ. يتشبث بهذا الجذع الرجال والنساء والأطفال يوميا، فهي سبيلهم الوحيد التي تربطهم بالعالم؛ وهي شريان حياة نعبره بأقدام مرتجفة وسواعد مثقلة بالمرضى والمؤن، لنمنح القرية يوماً إضافياً من البقاء”.

أما السبعيني مسعد عايض، الذي يهبط عبر هذا الجذع كل صباح محملا بأكياس القات والأعلاف، فتعد كلماته شهادة حية على التحدي والإرادة، إذ يقول لـ” ريف اليمن”، “نمشي عليه خطوة بخطوة والرياح تكاد تقتلعنا، لكن لا بديل أمامنا. نمضي كما يمضي الطير، ونوقن أن الله معنا”.
ضحايا ووعود حكومية
يروي أحمد عايض، عاقل القرية، مآسي سطرت بدموع الأهالي؛ عن أربعة ضحايا ابتلعهم العرق بصمت، وضاعت صرخاتهم في جوف الجبال، كان أحدهم خاله “سيف محسن أغا”، الذي رحل وهو يطمح لأن يجد الأهالي بعده ممراً آمناً يخلو من الفزع والرهبة، لتصبح قصته درساً تتناقله الأجيال؛ تحذيراً من غدر المسار، وخشية من تكرار الفقد.
وأوضح عايض لـ “ريف اليمن” أن الكثير من السكان تعرضوا لكسور ورضوض جسيمة، تروي القرية حكاياتهم كأنها صافرة إنذار دائمة، ورغم الخوف الذي يسكن الصدور، لا يملك الأهالي خياراً سوى العبور، فالحياة بالنسبة لهم ليست طريقاً معبداً، بل هي جذع شجرة ضيق، يقابله صبرٌ واسع وأملٌ لا ينقطع.
وعن الدور الحكومي، أكد أن محافظ المحافظة زار المنطقة واستمعت الجهات المختصة للمطالب، حيث أُحيلت دراسات أولية لتركيب سلم حديدي كبديل للممرات الهشة والمفتوحة، إلا أن المشروع اصطدم بعائق عملي بحت؛ إذ إن تكاليف نقل المواد وتركيبها في تلك التضاريس الجبلية الوعرة تفوق قدرة السكان المادية، في ظل شح الإمكانيات وضعف مصادر الدخل التي لا تكاد تقيهم شظف العيش ومرارة الحرمان.
معاناة مضاعفة
يشير حذيفة الساروي إلى جانب آخر من المعاناة يتجاوز خطورة الممر الجبلي؛ وهو الطريق المتهالك الذي يربط القرية بمحافظة إب فمن يرغب في الذهاب إلى المستشفى أو شراء الاحتياجات الأساسية، يواجه عبئاً مادياً باهظاً؛ إذ تصل كلفة النقل إلى ثلاثين ألف ريال بحد أدنى، وقد ترتفع إلى أربعين ألفاً في حال استئجار وسيلة نقل خاصة “إنجيز”.
توفي 4 أشخاص في القرية نتيجة حوادث في الطريق الوعرة تعرض الكثير من السكان لكسور وإصابات مختلفة
ويوضح لـ “ريف اليمن”، أن المأساة تكمن في الارتهان للمواعيد، فمن يتأخر عن موعد الرحلة الأسبوعية، يضطر للانتظار يوماً كاملاً أو حتى نهاية الأسبوع، فالسائقون يتوقفون عن العمل يوم الجمعة، بينما “المرض لا يعرف العطلات”، كما يقول بمرارة.
تتفاقم المعاناة مع حلول موسم الأمطار، حيث تتحول الطريق إلى فخ من الصخور المتساقطة، مما يؤدي لانقطاعها لأيام أو أسابيع، بل قد يصل الأمر لشهور؛ كما حدث قبل عامين حين ظلت الطريق مقطوعة لعام كامل، في تلك الفترات، تتحول القرية إلى سجنٍ كبير، ويصبح المرضى سجناء أوجاعهم، والمحتاجون رهائن لعزلةٍ قسرية تفرضها قسوة الطبيعة وغياب الاهتمام.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي، أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقييد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية، والموارد، والتعليم، وفرص العمل، والإمدادات الغذائية.
الأطفال والتعليم المؤجل
قبل أشهر بدأ مشروع بناء فصول دراسية بجهود مجتمعية، فبشّر الأهالي أطفالهم بأن زمن الخطر قد شارف على الانتهاء، وأن عهد المسافات الطويلة لن يعود. إلا أن المشروع تعثر فجأة، لتبقى الجدران نصف مكتملة، تشبه ركناً من حلمٍ مبتور سقط كحجرٍ آخر من أعلى الجبل.

ونتيجة لذلك، لا يزال الأطفال يقطعون مسافات شاقة في الطرق الوعرة ذاتها التي يخشاها الكبار؛ يتحدون برد الفجر القارس وصخور الصيف المتساقطة، في مشهد يملأ قلوب الأهالي حزناً على فلذات أكبادهم.
ورغم قسوة الواقع المحيط بـ ساروة، تظل القرية أكثر من مجرد معاناة متراكمة؛ فهي بيئة زراعية حية، ورئة خضراء تمارس الزراعة بأصالةٍ موروثة. إذ يزرع أهلها القمح والحبوب والبقوليات بأساليب تقليدية ما زالت محفوظة في ذاكرة الكبار، وتُلقّن للصغار كجزء من هوية تأبى الاندثار.
ويتمسك السكان بالأرض كتمسكهم بالحياة، فلا يزال صوت المحراث يتردد في أوديتها، كأنه صدى لنبض القرية وذاكرتها الممتدة عبر السنين، مؤكداً أن إرادة البقاء في ساروة أقوى من عزلتها الجغرافية.

