الأربعاء, مارس 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

ساحل تعز: بوابة اليمن الغربية الإستراتيجية الغنية

رغم أن محافظة تعز غالبية مناطقها جبلية، لكن 35 بالمئة من مساحتها تتركز في مناطق ساحلية في مديريتي المخا وذو باب، وهما الرئة الجغرافية والاقتصادية الأهم بفضل موقعهما المتميز ومواردهما الطبيعية المتنوعة.

ويتكون ما أصبح يعرف بـ ‹الساحل الغربي› من أربع مديريات تتبع محافظة تعز وهي، المخا، وذو باب، وموزع، والوازعية، وتشكل مساحتها 45 بالمئة من مساحة تعز لكن السكان فيها أقل مقارنة ببقية مناطق المحافظة.

لكن هذه المنطقة الواسعة الغنية بالموارد الطبيعة والتاريخ العريق، تنتظر رؤية تنموية شاملة تستثمر مقوماتها السياحية والاقتصادية الهائلة، تعيد دورها الريادي كجسر تواصل بين اليمن والعالم كما كانت عبر العصور.

نستعرض في هذا التقرير الأهمية السياحية والاقتصادية والتأريخية للشريط الساحلي في تعز، وهو الجزء الثاني ضمن سلسلة مقالات ثقافية مكونة من ثلاثة أجزاء تركز على المحافظة الغنية في تنوعها الطبيعي وتأريخيها العريق.

• تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›

ساحل تعز

تبدأ رحلة استكشاف ساحل غربي تعز بعد تجاوز مديرية مقبنة، والاستمرار بالاتجاه غربا حتى مدينة المخا التاريخية الواقعة في ساحل البحر الأحمر وتبعد عن مركز مدينة تعز 94 كم، وتشكل هذه المنطقة بمديرياتها الساحلية الممتدة بوابة اليمن الغربية.

تُشكل مديرتي المخا وذو باب الواجهة البحرية لمحافظة تعز بموقعها الاستراتيجي المطل على أهم الممرات المائية في العالم، مما منحها عبر التاريخ أهمية جيوسياسية واقتصادية كبرى لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.

ويمتد هذا الشريط الساحلي الطويل من منطقة باب المندب في الجنوب، وصولا حتى شواطئ وادي الملك و الزهاري في الشمال بمسافة مئة كيلو، وهاتان المديريتان تشكلان نسبة 35 بالمئة من إجمالي مساحة محافظة تعز.

تتميز هذه المنطقة الساحلية بأنها الأكثر غنى بالموارد المالية والثروات الطبيعية الكامنة والظاهرة، وتأتي في مقدمة هذه الموارد عوائد الثروة السمكية الكبيرة بأنواعها المختلفة، التي تشكل مصدرا أساسيا للرزق للسكان المحليين ورافدا اقتصاديا للمحافظة.

ساحل تعز: بوابة اليمن الغربية الإستراتيجية الغنية
قوارب صيد في ساحل مدينة المخا غربي مدينة تعز اليمنية، ديسمبر 2025 (ريف اليمن)

أيضاً عوائد إيرادات ميناء المخا الذي يعد مركز النشاط التجاري والاقتصادي والمنفذ البحري الرسمي والوحيد لمحافظة تعز، هذا التكامل بين الموارد البحرية والنشاط التجاري يمنح المنطقة ثقلا اقتصاديا لا يضاهى مقارنة ببقية المديريات الداخلية.

ويكتسب الساحل الغربي أهمية إستراتيجية القصوى كونها تمثل نقطة التقاء حيوي بين قارتي آسيا وأفريقيا، وتقع مباشرة أمام خط الملاحة الدولية ومضيق باب المندب، الذي يعد بوابة عبور السفن التجارية الدولية بين الشرق والغرب.

أكدت الدراسات والمسوحات الجيولوجية التي تمت بمناطق الساحل، مؤشرات واعدة، آخرها المسح الجيولوجي الأمريكي عام ٢٠٠٢، الذي أظهر أن المنطقة غنية بالثروات الطبيعية، وبالذات الثروة النفطية التي لم تستغل بعد.

مدينة المخا وأطلال المجد

كانت هذه المنطقة الساحلية، قبل اندلاع الصراع في اليمن، وجهة سياحية دولية مفضلة لعشاق السياحة البيئية ومتابعة هجرات الطيور، وتعد أهم موئل طبيعي لهجرات الطيور العابرة من قارة آسيا إلى قارة أفريقيا والعكس.

وكانت المنظمات الدولية المتخصصة، ومعاهد الأبحاث، والعلماء المهتمون بمتابعة هجرات الطيور، يجدون في هذه المنطقة المكان الأفضل والأنسب لإنجاز دراساتهم العلمية المتعلقة برصد وتتبع حركة الطيور بين القارات، وكانوا يحرصون على تحديث بيانات هذه الدراسات سنويا نظرا لأهمية الموقع البيئية العالمية.

بالعودة إلى التاريخ، كانت المخا من المدن التاريخية العريقة التي ذاع صيتها قبل الميلاد وبعده، وذكرتها النقوش المسندية القديمة، ولكن شهرتها الحقيقية ارتبطت بفترة ازدهار تصدير البن اليمني. ارتبط اسم المخا بشهرة جودة البن اليمني عالميا، حيث كانت السفن تنقل هذا المنتج الثمين إلى كافة أصقاع الأرض.

ساحل تعز: بوابة اليمن الغربية الإستراتيجية الغنية
السواحل في مدينة المخا بلا أي بنية تحتية في بعض الشواطئ توجد عشش تقليدية فقط (ريف اليمن)

لكن اليوم صارت المدينة القديمة عبارة عن خرائب وأطلال صامتة، لم يبقَ من ذكرها العطر سوى الشواهد التاريخية التي تحكي مجدا تجاريا مضى وانقضى، تاركة خلفها ذكريات مدينة كانت ملء السمع والبصر.

ويقع ميناء المخا القديم بالجهة الغربية من مدينة المخا، وهو الشاهد الأبرز على تلك الحقبة الذهبية، ولم يتبقَ من معالمه سوى أساسات لأحجار كبيرة الحجم مطمورة بماء البحر، تقاوم الأمواج والنسيان وحولها بقايا آثار مباني قديمة، وبقايا آثار فنار مهدم كان يستخدم في الماضي لإرشاد السفن القادمة إلى الميناء ليلا.

شهد ميناء المخا أحداثا تاريخية عاصفة، حيث تعرض للاحتلال من قبل البرتغاليين، والإيطاليين، والبريطانيين، للسيطرة عليه، وخلال فترة حكم العثمانيين الأولى لليمن، ازدهرت زراعة وتجارة البن بشكل غير مسبوق، ونشطت حركة تصديره بكثافة.

ومن خلال النشاط التجاري المكثف حصلت مدينة المخا ومينائها على شهرة عالمية واسعة كمركز تجاري هام، وارتبط اسم المدينة بالعلامة التجارية العالمية للقهوة موكا كافية «Mocka Coffee»، التي أصبحت مرادفا للجودة والمذاق الرفيع، ولكن بعد الاحتلال البريطاني لمدينة عدن عام ١٨٣٩م، بدأ يخفت بريق الميناء تدريجياً لصالح ميناء عدن.

إرث الشاذلي: الروحانية والقهوة

رغم تراجع الدور التجاري، بقي مسجد الشاذلي شاهدا تاريخيا يحكي مجد المدينة، حيث بناه الشيخ أبو الحسن الشاذلي المتوفى عام ٨٢١هـ، ويعد من أجمل المعالم التاريخية والسياحية في مدينة المخا، وما يزال قائما بكل مرافقه يؤدي وظيفته الدينية والتعليمية لليوم.

ويتميز جامع الشاذلي بمئذنته العالية ونمطها المعماري المميز تجذب الأنظار من كل اتجاهات مدينة المخا، كمنارة روحية تتوسط المدينة ويلاصق المسجد من الجهة الجنوبية ضريح الشيخ أبو الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الصوفية الشاذلية في اليمن.

ما يزال أتباع الشيخ الشاذلي ومريدوه يقصدون الضريح للزيارة والتبرك، ويقومون بصيانة المسجد وترميمه مع مرافقه بصورة دورية، ويتم الإنفاق ماليا على القائمين على المسجد شهريا وفقا لنظام خاص ومتوارث يتبعه مشايخ الطريقة الصوفية الشاذلية.

ومن العادات الجميلة التي لا تزال عامرة في المكان تقديم القهوة المخاوية و”الحياسي” كتقليد متوارث، يشرب كل زائر حساء القهوة كنوع من التبرك بالكرامات التي يعتقدون أن الشيخ أبو الحسن الشاذلي يجود بها على زواره ومحبيه.

ساحل تعز: بوابة اليمن الغربية الإستراتيجية الغنية
جامع الشاذلي التاريخي في مدينة المخا الساحلية غربي اليمن، إبريل 2022 (أنور الشريف)

عندما كانت حركة البرامج السياحية قائمة ونشطة قبل الحرب، كان مسجد الشاذلي ومرافقه يمثل إحدى الوجهات الرئيسية في تلك البرامج السياحية، نظرا للاهتمام الكبير فيه وتسامح القائمين عليه، وترحابهم الكبير بالزوار والسياح.

يقدم القائمون على المسجد أكواز القهوة للضيوف وكأنهم يعيدون إلى الذاكرة بطريقة عفوية ثقافة وتصدير القهوة اليمنية، ويسمحون للسياح بحرية الحركة لزيارة المسجد ومرافقه، والتقاط الصور للمشاهد المعمارية الفنية دون أي قيود، مما يترك انطباعا إيجابيا عميقا لدى الزوار ويتم توديعهم بنفس الحفاوة والترحاب التي استقبلوهم بها.

كان السياح يظنون أن تلك الحفاوة مفتعلة ومخطط لها مسبقا من الجهة السياحية المنظمة، ولم يخطر على بالهم أنها من “كرامات” وبركات الشيخ الشاذلي، وحالة تراثية فطرية نابعة من ثقافة صوفية أصيلة، وكانت صورة مسجد الشاذلي ومنارته الرائعة تتصدر حينها واجهات كثير من المطبوعات السياحية الخارجية، مما يؤكد أهمية نمط السياحة الدينية في الترويج لليمن.

السياحة الشاطئية

في العصر الحديث، بدأ ميناء المخا يستعيد أهميته كمنفذ بحري حيوي لمحافظة تعز، وتم إعادة تأهيله وتعميقه لاستقبال سفن الحاويات الكبيرة، ليعود شريانا للحياة الاقتصادية، وفي الجهة الجنوبية للميناء البحري الحديث، تم إنشاء “مطار المخا الدولي” لاستقبال الرحلات الجوية، مما يعزز من ربط المنطقة بالعالم الخارجي.

هذه المشاريع البنيوية الحديثة تؤسس لمرحلة جديدة تعيد للمخا أهميتها التأريخية والاقتصادية، وتجعلها مركزا لوجستيا يجمع بين النقل البحري والجوي، ويخدم التنمية في المحافظة وكافة مناطق الساحل الغربي.

إلى الشمال من مدينة المخا، تمتد مواقع السياحة البحرية والشاطئية المشهورة بشواطئها الجميلة والنقية، وتتميز هذه الشواطئ بأنها مظللة بأشجار النخيل وأشجار متشابكة أخرى، حيث تشكل تلك الشواطئ الجاذبة بيئة ملائمة لنمو الأشجار فيها لأنها تمثل مصبات لمياه وادي رسيان وفروعه.

ساحل تعز: بوابة اليمن الغربية الإستراتيجية الغنية
“عُشش” من القصب في شاطئ وادي الملك في المخاء غربي مدينة تعز ديسمبر 2025 (ريف اليمن)

وتشكل هذه المناطق أهم وجهات السياحة البحرية والشاطئية لمحافظة تعز والمناطق المجاورة، حيث يقصدها الزوار للاستمتاع بجمال الطبيعة البكر والهدوء الذي توفره هذه السواحل البعيدة عن صخب المدن المزدحمة.

ومن أهم تلك المواقع الساحرة بجمالها البيئي ورمالها المدهشة شواطئ مناطق، يختل، والرويس، والزهاري، والكديحية، ويبرز “شاطئ وادي الملك” كواحد من أجمل تلك الشواطئ برماله البيضاء الناعمة ونقاء وصفاء مياهه الفيروزية.

كما توجد شواطئ مميزة في “ذو باب” والتي لا تقل جمالا بالإضافة إلى “جزيرة ميون” الاستراتيجية الواقعة في مدخل باب المندب، والتي تقسم المضيق إلى ممرين، شرقي يسمى باب الإسكندر، وغربي يسمى ميون، وتبلغ مساحتها ثلاثة عشر كيلومترا مربعا.

ينابيع وادي رسيان

بعيدا عن الساحل قليلا، أظهرت دراسات نفذتها هيئة المساحة الجيولوجية، في وادي رسيان وجود خمسة مواقع عيون المياه الحارة تنبع جميعها من الصخور البركانية التي يعود عمرها الجيولوجي إلى العصر الثلاثي، باستثناء موقع عين “وادي الطوير” الذي تنبع مياهه بشكل فريد من الحجر الرملي الطباشيري.

هذا التنوع الجيولوجي يمنح هذه الينابيع خصائص علاجية وكيميائية متباينة تجذب الباحثين عن الاستشفاء الطبيعي، ويتدرج معدل درجة حرارة مياه هذه العيون الحارة ما بين 40 درجة مئوية في وادي الطوير، ليبلغ ذروته عند 66 درجة مئوية في عيون وادي رسيان.

وادي رسيان بريف تعز.. وجهة سياحية تقاوم الإهمال
أشجار نجيل على ضفاف مجرى الماء وسط وادي رسيان غربي تعز (ريف اليمن)

وتعد ينابيع المياه الحارة في وادي رسيان هي الأكثر إقبالا من سكان تعز والمناطق المجاورة بصورة يومية، حيث يقصدونها لغرض الاستشفاء، وساهمت الطبيعة الخلابة في الوادي بجعلة وجهة مفضلة للسياحة العلاجية المحلية والنزهة العائلية.

موزع والوازعية: العمق التاريخي للساحل

بالانتقال إلى مديريتي موزع والوازعية، نجد أن أهم المعالم التاريخية والسياحية فيها هو “ميناء موزع الأثري” الذي يقع جنوب مدينة المخا ويعد أقدم الموانئ البحرية القديمة على ساحل البحر الأحمر، وقد تم ذكره كثيرا في النقوش المسند اليمني تحول الميناء إلى مرفأ بسيط لقوارب الصيادين.

لكن التقسيم الإداري الجديد جعل موزع حالياً مديرية داخلية بدون إطلالة بحرية كما كانت في السابق، لكنها احتفظت بتاريخها، ولا تزال المدينة القديمة عامرة وآهلة بالسكان، تحافظ على نسيجها الاجتماعي والعمراني.

ومن أهم معالم مدينة موزع القديمة “الجامع الكبير”، الذي يتميز بطراز معماري فريد، بُني من الطوب الأحمر والحجر المنحوت اللذين يمتزجان في تناغم وتداخل جذاب. وللمسجد مئذنتان عاليتان، وبوابتان في الجهتين الغربية والشرقية، دُوِّن عليهما تاريخ بناء المسجد الذي يعود إلى عام ٧٧١هـ، مما يجعله تحفة معمارية نادرة.

إحدى اودية الوازعية غربي مدينة تعز (حسام القليعة)

يوجد في موزع أيضا معالم سياحية طبيعية خلابة مثل “وادي الغيل”، الذي تتميز مياهه بأنها جارية على مدار العام دون انقطاع، وتنتشر في ضفتيه مزارع النخيل الفواكه المثمرة، مما يجعله متنفسا طبيعيا لسكان موزع والمناطق المجاورة.

أما مديرية الوازعية، فأهم معالمها التاريخية “حصن عزان” و”حصن الدامغة”، اللذان يقفان كشاهدين على التحصينات الدفاعية القديمة في المنطقة، ويعكسان الطبيعة الجبلية الوعرة التي تميز أجزاء من المديرية.


المصادر:

  • الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم، غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، تحقيق: د. سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة، ١٩٦٨م.
  • المجاهد محمد بن محمد، مدينة تعز: غصن نظير في دوحة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م.
  • السياغي، أحمد بن الحسين، معالم الآثار اليمنية، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، ١٩٨٠م.
  • الهيئة العامة للسياحة (صنعاء)، وثائق ونتائج المسح السياحي لمحافظة تعز، عام ١٩٩٧م.
شارك الموضوع عبر: