يتميز شهر رمضان المبارك في القرى الريفية في اليمن بعادات وتقاليد فريدة تتمثل باستقبال الشهر الكريم بأدعية وتسابيح مختلفة، بالإضافة لقيام النساء في المنازل والرجال في الأحياء بحملات نظافة واسعة، ويجتمع الصائمون على موائد الإفطار في المساجد بدلا من المنازل.
كما تتبادل النساء أطباق الطعام، ويدعو الرجال ضيوفهم للمائدة كنوع من التآلف المجتمعي وتجسيد قيم التكافل الاجتماعي الذي يرسم ملامح الطقوس الرمضانية، أما الأطفال فلهم طقوسهم الخاصة التي ترافقهم من قبل دخول شهر رمضان وحتى حلول عيدالفطر المتمثلة بإشعال النار وترديد الأهازيج وغيرها.
وعلى الرغم من القواسم المشتركة، تنفرد بعض المحافظات بتقاليد تميزها عن غيرها تبعاً لتنوعها الجغرافي والثقافي، نستعرض في هذا التقرير ملامح الإرث الرمضاني وتجلياته في ثلاث محافظات هي: المحويت، وشبوة، وأرخبيل سقطرى.
مواضيع مقترحة
- نساء الريف في رمضان: كفاح مضاعف بين الوادي والمنزل
- الكراث.. رفيق المائدة الرمضانية في اليمن
- التفاطير الرمضانية في حضرموت: تقليدٌ عريق يصارع الغلاء
سقطرى.. إرث الأصالة وقيم التراحم
تتفرد محافظة أرخبيل سقطرى بعادات وتقاليد رمضانية تعكس هوية الجزيرة إذ يوضح التربوي محمد سعيد وهو أحد سكان سقطرى أن طقوس أبناء سقطرى في الشهر الكريم متنوعة وفريدة حيث تبدأ ملامحها باجتماع النساء ليلاً في منزل يُوقد فيه النار كعلامة معلنة للقاء، حيث يتبادلن القصص والأحاديث في أجواء اجتماعية دافئة.
ويضيف لـ “ريف اليمن” يمارس الأطفال لعبة “الأجاشل” المعتمدة على الأحجار، بينما يقضي كبار السن أوقاتهم قبل الإفطار في لعبة “الطيبانات” التي تُستخدم فيها العيدان الخشبية، وهي عادات موروثة عبر الأجيال، رغم دخول بعض المظاهر المستحدثة بفعل التكنولوجيا، إلا أن شخصية “المسحراتي” لا تزال حاضرة بندائه الشهير: “فلاح يا صائمين.. فلاح يا صائمين”.
تتجلى قيم التراحم في الأرياف من خلال مبادرات التكافل؛ حيث يحرص مُلاك المواشي على ذبح الأغنام كزكاة وتوزيعها على الجيران، في مشهد يملؤه الفرح حين يتسابق الأطفال بأوانيهم للحصول على اللحم والشحم لإعداد “الشوربة”.
كما يحرص الرجال على تجسيد قيم الضيافة، فلا يفطر أحدهم وحيداً، بل يسعى لجلب ضيف إلى منزله، أو يذهب بفطوره إلى المسجد لمشاركة الآخرين، وفي حال تعذر ذلك، يحرص على دعوة جاره مسبقاً لليوم التالي.
وعن مائدة الإفطار، يوضح سعيد أنها تعتمد أساساً على: التمر السقطري والقهوة وخبز “بو خمري” والشوربة، وحساء القمح المسلوق باللحم أو التونة، بالإضافة الروبة وهو اللبن الذي يُخضُّ لمدة ساعة لاستخراج الزبدة منه، ويُقدم مع الأرز والصيد السمك.

تتشابه صلوات القيام وحلقات الذكر في سقطرى مع الطقوس الصوفية في حضرموت، حيث تقام صلاة التسبيح التي يطيل فيها الإمام الركوع والسجود، إضافة إلى صلاة السجود في ليلة السابع والعشرين من رمضان، مع ترديد أدعية مأثورة.
ومن العادات التي قد تبدو غريبة، يذكر سعيد تقليد حلاقة شعر الأطفال في العشر الأواخر من رمضان، استناداً إلى معتقد شعبي قديم يزعم أن العيد يتبول على من في رأسه شعر. أما النساء، فيبدأن الاستعداد منذ منتصف شهر شعبان بتنظيف المنازل وجمع حطب الوقود الذي يكفي الشهر كاملاً، ويتفرغن في ليالي رمضان للزيارات المتبادلة ولعب “الورق” و”الضمنة”، وهي ألعاب يرتبط ممارستها في سقطرى بهذا الشهر الفضيل تحديداً.
المحويت.. طقوس إيمانية واجتماعية
يتحدث الصحفي محمد الشيخ، أحد أبناء ريف محافظة المحويت، عن الخصوصية التي تتمتع بها العادات والتقاليد الرمضانية في منطقته، مشيراً إلى أنها ترسم لوحة اجتماعية تتشارك فيها كافة الفئات العمرية من أطفال وكبار سن.
ويوضح الشيخ لـ “ريف اليمن” أن ملامح الاستعداد للشهر الفضيل تبدأ لدى الأطفال من منتصف شهر شعبان، حيث يسارعون لجمع إطارات السيارات التالفة، والصناديق الكرتونية، وبقايا الملابس، لإيقادها في ليلة ثبوت رؤية الهلال فوق قمم الجبال العالية.
على صعيد التدابير المنزلية، تبدأ النساء بتجهيز طحين “اللحوح المحويتي” الذي يحظى بشهرة واسعة، فيقمن بإعداد “الملحة” (أداة الخبز الفخارية) وبقية الأدوات لضمان جاهزية مائدة الإفطار قبل حلول الشهر.
كما يحيي الرجال طقوساً إيمانية واجتماعية في المساجد، حيث يجتمعون في حلقات لتلاوة القرآن وتبادل الأحاديث الودية، وصولاً إلى تجهيز القهوة العربية الأصيلة التي تشتهر بها المحويت، ليتشارك الجميع بعدها موائد الإفطار التي تصل إلى المساجد من المنازل المجاورة.
ويلفت الشيخ إلى تغير بعض العادات بفعل الزمن؛ فقبل نحو عشر سنوات، كانت هناك ركيزة أساسية تُعرف بـ “الفِطارة”، وهي وجبات من اللحوح تُوزع على كافة المساجد قبل أذان المغرب، إلا أنها انحسرت حالياً لصالح توزيع التمور.
وعلى الرغم من التحديات، يؤكد الشيخ بقاء قيم التراحم والتكافل متجذرة في ريف المحويت، والتي تتجسد في تبادل أطباق الطعام بين الأسر، وتوزيع “الحقين” (اللبن) على البيوت من قِبل العائلات التي تمتلك الأبقار، في صورة تعكس أبهى أشكال التضامن الاجتماعي التي تمتاز بها الأرياف اليمنية.
شبوة.. موروثات تقاوم الاندثار
تتميز أرياف محافظة شبوة بعادات وتقاليد رمضانية فريدة فمنذ إطلالة شهر شعبان، تبدأ الاستعدادات في مشهد يجسد قيم التآلف والتراحم؛ حيث يتفقد الميسورون احتياجات جيرانهم المعسرين، بينما تنهمك النساء في تنظيف المنازل وتزيينها، وتصدح المساجد بالأهازيج والتسابيح الترحيبية، في حين يجوب الأطفال الأحياء مرددين ببهجة: “أرحب أرحب يا رمضان.. يا شهر محمد عليك السلام”.

يؤكد الباحث في التراث الشبواني، عيظة عبدالعزيز، أن من أبرز المظاهر التاريخية في الأرياف عادة “ذبح المواشي”؛ حيث تخصص كل أسرة ريفية ذبيحة لإقامة مأدبة إفطار جماعية يحضرها الضيوف وعابرو السبيل. وفي الماضي، كانت النساء يقمن بطحن القمح يدوياً فيما يُعرف بـ”التوقير”، وسط أهازيج شعبية مرافقة لعملية الطبخ.
وتتزين المائدة الشبوانية بأطباق تقليدية مميزة، أبرزها:المسيلي وهو خبز يُصنع من حبوب الدخن،
والمندي الوجبة الأشهر في المناطق الجنوبية والشرقية، بالإضافة إلى الأطباق الرمضانية: كالشفوت، والسمبوسة، والباجية، والعصيد، والفتة.
كما تحافظ الأسر على عادة “العَذَل”، وهي إرسال مائدة خاصة للأبنة المتزوجة تضم أقراص الخبز، فيما يُعرف بـ”الهدية والقديّة”، تقديراً لها في المناسبات.
ارتبط المسحراتي في شبوة بشخصية “باشعفل”، الذي يقرع الطبول لإيقاظ الناس منادياً: “فلاح، فلاح، فلاح”. وفي نهار الـ27 من رمضان، يطوف باشعفل مع الأطفال على المنازل لتوديع الشهر بأهازيج خاصة، ليمنحهم الأهالي الهدايا من حبوب ونقود.
وفي منتصف الشهر، يحتفل أهالي شبوة بليلة “حبة الدجاج”، حيث يشكل الأطفال مجموعات تجوب المنازل مرددة: “حبة الدجدج يا حبة.. والبعير يهدر والرحى تطحن”. ومع مغيب الشمس، يوقد الأطفال شعلة اللهب فوق القمم والأسطح، وتُسمى “الهُشَّلة” أو “الشعملة”، وهي من العادات التي باتت تقاوم الاندثار حالياً.
كما تمتلئ ساحات المساجد بجلسات الذكر من العصر حتى المغرب، حيث يسبق الأذان أدعية ملحنة ومشوقة، ومن الجوانب الإيجابية التي ميزت قبائل شبوة قديماً، الالتزام بـ”الأعراف القبلية” التي تقضي بإيقاف الحروب والنزاعات وإطلاق سراح الأسرى خلال الشهر الكريم، احتراماً لقدسيته وتعزيزاً لروابط الإخاء.
أرياف تعز.. تكافل وروحانية
وفي أرياف تعز تبدأ بشائر قدوم شهر رمضان الكريم، بالاستعداد له من شعبان بتجهيز المؤن، وتنظيف البيوت، وترميم المساجد، وتهيئة أماكن الوضوء والصلاة، في مشهد يعكس مركزية المسجد في حياة الريف، يقول نبيل ناجي، حد سكان مديرية صبر.
ويضيف لـ”يف اليمن”، أن النساء يجهزن الحبوب البلدية مثل الذرة والدخن والقمح والحُلبة وطحنها مبكرا ويُعد السمن البلدي، وتُجفف بعض الخضروات، وتتبادل النساء أطباق الطعام وأبرزها الشفوت والعصيد، وأطباق الحلوى ومنها المشبك والطرمبا”.
وحول التكافل الاجتماعي في الأرياف، تتحول القرية في ريف اليمن إلى أسرة واحدة، حيث تُحل الخلافات القديمة، وتُعاد وصلات القربى، في قناعة راسخة بأن رمضان لا يُستقبل بقلوب متخاصمة، وتستمر الزيارات الليلة المتبادلة بين الأسر، وذوي القربى، وصلة الأرحام التي قد تكون مقطوعة طوال السنة.

دينيا، يقول ناجي أن الليالي تتحول إلى فضاءات عامرة بالذكر، وصلاة التراويح في مساجد صغيرة ما زالت تحتفظ بعبق الماضي وروائح التاريخ، حيث تمتزج، أصوات القرآن بصوت الريح، ونجوم قريبة كأنها تُصغي لهذه الروحانية، ويفرغ الجميع بعد الصلاة لسمر بسيط، وشاي على ضوء القمر، وحديث عن الزرع والمطر والدعاء، وبعض التكايا ” الزوايا ” الصوفية في بعض القرى الجبلية التي تقام فيها جلسات الموالد والذكر، ويختم بما يمارس الأطفال من طقوس خاصة بالألعاب ك”الغماية” و” غاب القمر والا عاده”.
لحج..جلسات وزيارات عائلية
نختم سرديتنا عن طقوس ريف اليمن في شهر رمضان من محافظة لحج جنوبي اليمن، حيث تقول التربوية نسرين الحبيشي إن النساء يخرجن للأسواق قبل وصول رمضان لشراء احتياجات رمضان بالإضافة لشراء جلابيات وأرواب جديدة للصلاة.
وتضيف لـ”ريف اليمن”، أن الأهل يتزاورون ويمارسون طقس خاص يسمى “دقة الحنش” وهو طقس نسوي يتضمن تحضير وجبة تتكون من الحلبة والكدر والصالونة والصيد والبصل والفتة، وهذا يكون قبل رمضان بيوم.
وتشير الحبيشي إلى مائدة رمضان المختلفة عن بقية الأيام والمكونة من الشوربة والعتر والباجية والسنبوسة والعشار وبنت الشيخ والمشبك والقهوة والعصير.
ومن عادات ما بعد العِشاء في لحج، اجتماع العائلة حتى آخر الليل وتبادل الزيارات فيما يمارس الأطفال ألعابهم مثل لعبة السرى، والحوك شوك، والتوف وغيرها من الألعاب.
وفي آخر يوم من رمضان، تقول الحبيشي أن الأطفال يمارسون ما يعرف ب”حبة الكشري”، حيث يرتدون الملابس الجديدة الخاصة بهذا الطقس ويمسكون بسلل ثم يجرون بين البيوت مرددين “اندونا اندونا ..لا انتو تبونا، يا حبة الكشري الله الله..يا حبة الكشري” ويدقوا أبواب البيوت ويخرج الكبار ويعطوهم الحلويات والعصائر والمعجنات، احتفالا بحلول العيد.

