الثلاثاء, أبريل 21, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

رحلة في أرياف تعز: سحر جبل صبر وأسرار الطبيعة

لا تكتمل صورة محافظة تعز بالوقوف عند أسوار مدينتها القديمة أو شواطئها الممتدة، بل تمتد روح المحافظة لتسكن في قمم الجبال الشاهقة وبطون الأودية العميقة، وتتوزع تضاريسها في 23 مديرية تشكل نسيجا جغرافيا معقدا تتداخل فيه سلاسل الجبال المرتفعة مع الوديان المحاطة بالسهول والقيعان الزراعية الخصبة.

هذا التنوع في التضاريس خلق مسارات سياحية فريدة، تتنوع بين السياحة الطبيعية، والدينية، والتاريخية، مما يجعل ريف تعز خزانة مليئة بالأسرار والقصص التي تنتظر من يرويها، بدءا من “حارس المدينة” العملاق، وصولا إلى أبعد نقطة في الجنوب.

نستعرض في هذا التقرير مسارات السياحة الريفية في تعز عبر المرتفعات الجبلية والمناطق الأثرية التأريخية، وهو الجزء الأخير، من المقالات الثلاثة التي تركز على المحافظة الغنية في تنوعها الطبيعي وتاريخها العريق.

لقراء المقالات السابقة
ساحل تعز: بوابة اليمن الغربية الإستراتيجية الغنية
تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›

جبل صبر: حارس المدينة والغيوم

يعتبر جبل صبر بمثابة الحارس لمدينة تعز وحاميها الأبدي، حيث يرتفع عن مستوى سطح البحر بأكثر من ثلاثة ألف متر، ويرتبط بالمدينة في طريق أسفلتي سياحي مثير للدهشة في كل منعطفات الجبل.

والطريق إلى قمة جبل صبر مثيرة للدهشة حيث تنبض الطريق الملتوية بالحياة والحركة كشريط حي يعرض يوميات السكان وعلاقتهم الوثيقة بالأرض والجبل في مشهد بانورامي متجدد، ألهم الشعراء والمثقفين عبر التاريخ للكتابة، وأبرزهم نشوان بن سعيد الحميري، الذي اختاره لتأليف كتاب “شمس العلوم”.

على جنبات هذا الطريق الصاعد، تبرز إيقاعات الحياة اليومية المنتظمة من خلال البائعين للمشاقر والورود والفواكه التي تزرع في الجبل، وتعمل فتيات جبل صبر بالتسويق لتلك المنتجات بملابسهن التقليدية التراثية، وهذا المشهد السياحي يلفت اهتمام الزوار ويشكل لوحة حية للتراث غير المادي للمحافظة.

رحلة في أرياف تعز: سحر جبل صبر وأسرار الطبيعة

في قمة الجبل يوجد “حصن تاج العروس” التاريخي الذي يتميز بموقع استراتيجي، وسيطرت عليه كثير من الدول في العصور المختلفة قديماً من أجل حماية وتأمين الطرق التجارية، حاليا من خلاله يستطيع الزوار مشاهدة مناظر بانورامية بعيدة المدى، تكشف كثيرا من مناطق تعز والمحافظات المجاورة الأخرى في مشهد مهيب.

ويتميز جبل صبر عن بقية الجبال اليمنية الشاهقة، بأنه يقدم عرضا سياحيا متنوعا وخدمات سياحية جيدة، كما يولد فرص عمل كثيرة للسكان المحليين، ويحقق عوائد للقطاع السياحي ويعد من أهم المواقع التي تؤدي وظيفتها السياحية بشكل مثالي.

القرى المعلقة والمياه

من أهم معالم الجبل الطبيعية انتشار العيون والينابيع المائية العذبة، والمدرجات الزراعية الخصبة التي تجود بصنوف الثمار المتنوعة، ينقسم جبل صبر إداريا إلى ثلاث مديريات هي: صبر الموادم، ومشرعة وحدنان، والمسراخ.

يوجد فيها نحو 400 قرية وتجمع سكاني موزعة ببراعة في سفوح ومنحدرات ومدرجات الجبل، وتبدو أضواء هذه القرى الجبلية الجميلة ليلا وكأنها معلقة في السماء، حيث تعانق أنوارها السحاب في مشهد ليلي بديع، وتعد قرية “المحرس” من أجمل القرى التي تستحق الزيارة.

كما توجد معالم أثرية وسياحية مهمة في منطقة صبر الموادم، أبرزها “مسجد أهل الكهف” وما يرتبط به من سرديات تاريخية وقصص دينية، كما توجد مستوطنة “حمام علي” الأثرية وبقايا المقابر الصخرية في قرية “المحراق”، وفي المسراخ يوجد بقايا آثار مدينة “جبا” الأثرية التي تعد إحدى أقدم المدن وهذا يجعل الجبل متحفا مفتوحا للتاريخ والطبيعة.

رحلة في أرياف تعز: سحر جبل صبر وأسرار الطبيعة
قرى معلقة في جبل صبر في مدينة تعز والذي يرتفع عن سطح البحر ثلاثة ألف متر (محمد التويجي)

مدينة الجند: روحانية المكان والزمان

تقع مدينة الجند التاريخية شمال شرقي تعز وكانت محطة تجارية رئيسية على طريق القوافل التجارية القديمة، وسوق تجاري كبير في دورة أسواق العرب القديمة، وفي العصر الإسلامي حافظت على مكانتها وأصبحت محطة مهمة على طريق الحجيج.

كانت الجند تاريخيا عاصمة تعز الأولى حتى عصر الدولة الأيوبية، وفي القرن الربع الأول من القرن الثالث عشر ميلادي نقل الرسوليين العاصمة إلى مدينة تعز القديمة (حالياً)، عندها بدأت تفقد أهميتها السياسية تدريجيا.

أصبحت مدينة الجند اليوم خرائب وأطلالًا أثرية متناثرة، ولولا وجود جامعها التاريخي ومنارته الشامخة، اللذين يقفان شاهدين على مكانتها الحضارية القديمة، لكانت قد طُويت صفحتها في سجل النسيان. غير أنها ظلّت حيّة في الذاكرة وسنويا في أول جمعة من شهر رجب يزورها الآلاف قاصدين جامع معاذ بن جبل إحياء لقدوم الصحابي إلى اليمن وبناء الجامع التاريخي.

العمارة في جامع الجند

يعد “جامع معاذ بن جبل” المعروف بجامع الجند الكبير معلما سياحيا هاما، وكان جزء أساسي من البرامج السياحية الدولية الزائرة لمحافظة تعز نظرا لمكانته التاريخية، حيث أسسه الصحابي معاذ بن جبل عام ٨ هـ الموافق ٦٣٠م.

حظي الجامع باهتمام كبير من الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، التي قامت بأعمال إنشائية جديدة وصيانة وترميم شامل للجامع، ثم تعاقبت عليه الدول التي حكمت تعز بالتوسعات والتجديد وأعمال الصيانة، وكان آخر تلك الأعمال في منتصف سبعينات القرن الماضي.

يعتبر جامع الجند، إلى جانب الجامع الكبير بصنعاء، أقدم مسجدين في العصر الإسلامي تم بناؤهما في اليمن بعد مسجد الرسول في المدينة، وبني بشكل مستطيل ويبلغ طول سوره الخارجي 66 مترا وعرضه 43 مترا، بشرفات على شكل مثلثات، وللجامع 8 أبواب من جهاته الأربع.

إحدى الأبواب تقع يسار المنبر ويؤدي إلى غرفة خاصة لحفظ المصاحف والمخطوطات القديمة، ومن بين تلك المقتنيات الثمينة مصحف نادر مذهب بزخارف فنية دقيقة يرجع تاريخه إلى عام ٦٠٠هـ، وتعد مئذنة الجامع تحفة معمارية تتكون من 137 درجة وفيها نوافذ صغيرة للإضاءة والتهوية.

يتكون المسجد من الداخل من صحن مكشوف طوله 36 مترا وعرضه 26 مترا، وتحيط به أربعة أروقة، أعمقها رواق القبلة الذي تميزه الزخارف الفنية الجميلة، يزين جدار القِبلة محرابان، الأول حديث يتوسط الجدار، والأخر قديم يعرف بأنه منبر معاذ بن جبل.

رحلة في أرياف تعز: سحر جبل صبر وأسرار الطبيعة
جامع الجند التاريخي شمال شرق مدينة تعز، ديسمبر 2019 (عاصم البوسي)

المسار الجنوبي: يفرس وابن علوان

يبدأ الطريق السياحي الجنوبي الغربي، من منطقة “بير باشا” في مدينة تعز وينعطف يسارا، عبر طريق أسفلتي رئيسي يخترق العديد من الوديان والقرى الجبلية الجميلة، من أهم تلك الوديان “وادي الضباب” الشهير بمزارعه الخصبة ومنتجاته الوفيرة من الفواكه والخضروات.

يعد وادي الضباب بمناظره الجميلة وجهة رئيسية لحركة السياحة الداخلية، ومتنفسا طبيعيا ريفيا لسكان مدينة تعز يقضون فيه أوقاتا هادئة بين أحضان الطبيعة، ويزداد الإقبال عليه أيام العطل والمناسبات.

وفي ذات المسار وعلى بعد 30 كيلو من مدينة تعز تقع منطقة “يفرس” التي كانت تاريخيا جزء من مدينة جبا الأثرية، واليوم هي مركز مديرية “جبل حبشي” المسمى قديما جبل ذخر، وترجع شهرة يفرس إلى وجود جامع وضريح أحمد بن علوان، شيخ الطريقة الصوفية العلوانية، وهذا جعله وجهة رئيسية لحركة السياحة الدينية، حيث يقصده المريدون والأتباع من كل مكان.

وكانت “يفرس” جزء من برامج حركة السياحة الدولية في اليمن قبل توقفها بسبب الحرب وهذا خلق حركة اقتصادية للسكان، لكن الاعتقادات الشعبية الشائعة لدى الأهالي ترى ان الحركة التجارية هي من “بركات وكرامات الشيخ بن علوان”، الذي له مكانة كبيرة في وجدان أتباع الطريقة الصوفية.

وللشيخ أحمد بن علوان مؤلفات كثيرة وهامة، أهمها كتاب “التوحيد الأعظم” وكتاب “الفتوح”، وما يزال مسجده وضريحة قائماً بالإضافة إلى المنشآت التعليمية والمرافق الأخرى، بالإضافة إلى بقايا آثار “ساقية” كانت ممتدة ببراعة هندسية إحدى ينابيع المياه في “جبل ذخر” لتغذية الجامع بالمياه.

الآثار المنسية: السواء وحصن القدم

في مديرية المواسط جنوب غربي مدينة تعز تقع مدينة “السواء” الأثرية، وكانت منطقة استيطان قديماً ولها جذور تاريخية مرتبطة بنشاط ميناء موزع الأثري، وعثر الباحث عبد الغني علي سعيد في المنطقة على نقش مسندي حدد موقع “معبد الإلهة ذي سماوي”، وهو إله “قبيلة أمير” التجارية المعينية.

وأكد نقش المسند العمق الحضاري لمدينة السواء التي ما تزال بقايا آثارها موجودة، ويعلوها “حصن القدم” التاريخي، كما توجد بقايا آثار المعابد والقصور القديمة والمقابر الصخرية التي تحكي قصة حضارة غابرة، لكنها مكونات هذه المدينة تعرضت للعبث والنهب.

التربة: جماليات الاستثمار الريفي

في مدينة التربة يبرز “منتزه السكون” كأيقونة سياحية ووجهة للباحثين عن الهدوء والمناخ المعتدل، وهو أول منتزه ريفي جبلي عصري متكامل الخدمات السياحية الراقية في اليمن، ويعتبر معلما سياحيا جذابا ونموذجا في توظيف الأصول الرأسمالية في الريف اليمني.

رحلة في أرياف تعز: سحر جبل صبر وأسرار الطبيعة
جانب من منتزه السكون في مدينة التربة بريف تعز (وليد الأصبحي)

يقع المنتزه في “قرية الحنان” جنوب مدينة التربة وافتتح عام ٢٠١٢م بعد خمس سنوات من البناء بجهود المستثمر المغترب محمد سيف حميد، وكان إنشاؤه جزء من شغفه بالتحف الفنية المعمارية، ووفر فرص عمل للكثير من أهالي المنطقة وقدم نموذج متطور في السياحة الريفية.

ويتميز بموقعه الفريد على مرتفعات جبلية شاهقة، وتصميمه المعماري المبتكر المدهش الذي يحاكي الطبيعة وتضاريس المكان بلمسات فنية، ودمج المصمم ببراعة بين فنون العمارة اليمنية الأصيلة وفنون العمارة المعاصرة في الإنشاءات الخدمية السياحية، وقام بتكييف المنحدرات والكهوف كممرات سياحية منحوتة في صخور الجبل.

وتعد الطريق إلى مدينة “التربة” جزء من السياحة عبر المناظر الطبيعة في “قرى ذبحان” الجبلية التي تتميز بنمطها المعماري القديم في القرى الجبلية اليمنية التقليدية، وهناك طريق سياحي آخر مثير للدهشة، يمر بقرى الصنة والشعوبة وبني يوسف، ومنها إلى منطقة “قَدس” ووادي العجب.

شجرة الغريب: حارسة الدهر الجريحة

في منطقة “دقم الغراب” بقرية دُبع، وعلى يمين الطريق الأسفلتي المؤدي إلى مدينة تربة ذبحان، تقف ‹شجرة الغريب› حارسة الدهر والزمان والمكان، ولها تاريخ طويل ومظهر فريد، وتعد معلما تاريخيا وسياحيا نباتيا ومقصدا للزوار.

وتعد شجرة الغريب واحدة من أندر الأشجار، يناهز عمرها الألفي عام، وتعرف بشجرة ‹الكولهمة› وفق ما ذكرها الهمداني في كتاب “صفة جزيرة العرب” واسمها العلمي أدانسونيا ديجيتاتا «Adansonia digitata» ويصل ارتفاعها إلى حوالي 16 متراً، وقطرها 8 أمتار، ومحيطها 35 متراً.

المخيال الشعبي أطلق عليها اسم شجرة الغريب بسبب غرابتها حيث لا يوجد لها مثيل بالمنطقة واليمن عموما، وهي شجرة حرجية لا تؤكل ثمارها، لكنها تعرضت لحادث بانشطار جزء كبير من جذعها في مطلع أبريل عام ٢٠٢٥، وأثار صدمة واسعة في الأوساط البيئية والثقافية.

رحلة في أرياف تعز: سحر جبل صبر وأسرار الطبيعة
شجرة الغريب يناهز عمرها الألفي عام وتعرضت لانشقاق في إبريل 2025 (ريف اليمن)

الراهدة.. هدير الشلالات

أخيرا، نتجه عبر الطريق السياحي الجنوبي الشرقي الذي يبدأ من منطقة الحوبان شرق مدينة تعز، لنتجه جنوبا إلى “دمنة خدير”، أهم معالم هذه المنطقة “وادي ورزان”، بمياهه المتدفقة من شرقي جبل صبر وجبال الصلو وحيفان وما جاورها.

يعتبر وادي ورزان من المتنفسات الطبيعية الرئيسية لسكان مدينة تعز والمناطق المجاورة، نظرا لجماله ووفرة مياهه، ويتواصل مسار الطريق بعد ذلك وصولا إلى ‹مدينة الراهدة› التي تخفي في جعبتها واحدا من أجمل الأسرار الطبيعية في المحافظة وهو ‹شلال الهدار›.

يقع شلال الهدار شمال مدينة الراهدة في منطقة ملتقى وادي ورزان ووادي الرحيبة، وعند تقاطع غيل منطقة “الجاشعية وفوفلة”، يعتبر هذا الشلال وجهة سياحية رئيسية وجماهيرية كثيفة لسكان مدينة تعز والمناطق المجاورة، كونه الشلال الوحيد بمحافظة تعز.

يمثل الشلال منتزها ريفيا طبيعيا ساحرا بتشكيلات حركة مياهه الغزيرة الهادرة في ثنايا التجاويف الصخرية ومتعطفاتها، والأخاديد الصخرية العميقة الضيقة التي تكونت بفعل عوامل التعرية الطبيعية وقوة اندفاع المياه المستمر على مدار العام.

يزداد هدير المياه في شلال الهدار خلال فصل الشتاء، مما يخلق تناغما جميلا بين حركة المياه المتدفقة والصخور المحيطة بها، حولت هذه العوامل المكان إلى مشاهد فنية طبيعية يقضي فيها الزوار أوقاتا هادئة وممتعة، ويمارسون السباحة في البرك الطبيعية، رغم عدم توفر أبسط الخدمات السياحية في الموقع.

يمتد طول حركة مياه الشلال بالمنطقة لمسافة ثمانية كيلومترات، وبعدها يتواصل الجريان إلى محافظة لحج، مشكلا شريان حياة ومتنفسا لا غنى عنه في قلب الطبيعة اليمنية القاسية والجميلة في آن واحد.


المصادر:
• الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم، غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، تحقيق: د. سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة، ١٩٦٨م.
• المجاهد محمد بن محمد، مدينة تعز: غصن نظير في دوحة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م.
• السياغي، أحمد بن الحسين، معالم الآثار اليمنية، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، ١٩٨٠م.
• الهيئة العامة للسياحة (صنعاء)، وثائق ونتائج المسح السياحي لمحافظة تعز، عام ١٩٩٧م.

شارك الموضوع عبر: