الثلاثاء, مارس 3, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

رباط الحرازي بالضالع: قرية منسية من الخدمات

يواجه نحو 600 نسمة من سكان قرية رباط الحرازي، التابعة لمديرية دمت بمحافظة الضالع جنوبي اليمن، تحديات معيشية معقدة ومتداخلة، نتيجة غياب الخدمات الأساسية، في مقدمتها مياه الشرب، إلى جانب تدهور التعليم ووعورة الطرق؛ ما جعل الحياة اليومية للسكان أشبه بصراع مفتوح مع الاحتياجات الأساسية.

تكشف “أم أحمد (56 عاما)”، إحدى سكان القرية، جانبا من المعاناة اليومية التي يعيشها الأهالي بسبب نقص المياه، مؤكدة أن الأزمة لا تقتصر على مياه الشرب فقط، بل تمتد لتشمل مياه الاستخدام المنزلي وسقاية المواشي.

وتوضح، في حديثها لـ “ريف اليمن”، أن الفتيات والنساء يضطررن إلى حمل المياه على رؤوسهن من برك مائية تبعد قرابة كيلومتر عن منازلهن، في مشهد يتكرر يوميا، ويترك أثره الجسدي والنفسي عليهن.

في ظل غياب أي مصدر دائم للمياه، يعتمد السكان على شراء المياه عبر صهاريج النقل (الوايتات)، حيث يصل سعر الخزان الواحد، بسعة ألفي لتر، إلى نحو 20 ألف ريال يمني بالطبعة القديمة (نحو 38 دولاراً)، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من الأسر، خاصة في ظل التدهور الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر.


مواضيع مقترحة


ويقول مدير مؤسسة المياه بمديرية دمت، المهندس “صالح حسين”، إن المؤسسة وضعت خطة لحفر بئر في منطقة الغراس هذا العام، إضافة إلى تنفيذ شبكة مياه تصل إلى قرية رباط الحرازي عند الانتهاء من المشروع في حال لم تطرأ عراقيل، معربا عن أمله في تنفيذه قريبا.

ولا تتوقف الصعوبات عند الكلفة المرتفعة؛ إذ تسهم رداءة الطرق في تعقيد عملية نقل المياه، حيث تتعرض الوايتات لأعطال متكررة، فيما يصبح الوصول إلى القرية شبه مستحيل خلال مواسم الأمطار.

يصف “يوسف سفيان”، أحد سائقي صهاريج نقل المياه، عملية إيصال المياه إلى رباط الحرازي بالمهمة الخطرة، لا سيما أثناء هطول الأمطار، حين تتحول الطرق الترابية إلى أوحال تعيق حركة المركبات وتهدد سلامة السائقين.

ويؤكد أن كثيرا من سائقي الصهاريج يعزفون عن الوصول إلى القرية بسبب المخاطر؛ ما يفاقم أزمة المياه ويزيد من معاناة السكان.

رباط الحرازي بالضالع: قرية منسية من الخدمات
إمرأة ريفية في الضالع تنقل المياه على رأسها وظهر الحمار (ريف اليمن)

انعكاسات صحية

لا تقتصر آثار نقص المياه على الجانب الخدمي فقط، بل تمتد إلى أبعاد صحية خطيرة، إذ يحذر الدكتور “مجيد الضحياني”، أخصائي أمراض الكلى والمسالك البولية، من أن الاعتماد على مصادر مياه غير نظيفة أو ذات تركيز كبريتي عالٍ يؤدي إلى أمراض مزمنة، أبرزها أمراض الكلى والجهاز الهضمي، إضافة إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بالإسهال والتسمم الغذائي.

ويضيف الضحياني، لـ”ريف اليمن”، أن النساء اللاتي يضطررن لحمل المياه لمسافات طويلة يعانين من إرهاق شديد ومشكلات في العظام والعضلات، في حين يتأثر الأطفال بشكل مباشر؛ حيث تزداد معدلات سوء التغذية وضعف المناعة لديهم.

وبحسب إحصائية صادرة عن برنامج النقد مقابل الغذاء، الذي نُفذ في القرية خلال عام 2025، تم تسجيل 18 حالة من سوء التغذية الحاد، و12 حالة من سوء التغذية المتوسط بين السكان.


تسهم رداءة الطرق في تعقيد عملية نقل المياه، ويصبح الوصول إلى القرية شبه مستحيل خلال مواسم الأمطار


ويؤكد شيخ القرية “عبد الكريم الحرازي” تسجيل ثماني حالات إصابة بأمراض العظام، فيما يشير عدل القرية “أنور القاضي” إلى وجود 22 حالة إصابة بأمراض الكلى بدرجات متفاوتة، تشمل الحصى وانسدادات شرايين الكلى، وفقا لمتابعات محلية.

حول أزمة المياه، يقول أنور القاضي لـ “ريف اليمن”، إن السلطة المحلية وعدت الأهالي بحفر بئر في منطقة الغراس قبل عامين، إلا أن المشروع لم ير النور حتى اليوم، لافتا إلى أن الجهات المختصة قامت بمد مواسير المياه إلى أطراف القرية دون تنفيذ شبكة متكاملة؛ ما جعل المشروع متوقفا عمليا، دون وصول أي مياه إلى منازل السكان.

التعليم حلم مهدد

معاناة أهالي رباط الحرازي متداخلة ولا تقتصر على المياه، إذ يواجه طلاب القرية واقعا تعليميا هشا في ظل غياب مدرسة حكومية مكتملة، وتعد مدرسة الطاهرية، التي أُنشئت بتمويل من الصندوق الاجتماعي للتنمية ومساهمة من الأهالي عام 1999، الشاهد الوحيد على محاولات المجتمع المحلي لإنقاذ التعليم.

المدرسة التي كانت المنقذ للأطفال، وتضم ستة فصول دراسية، تعاني من أوضاع كارثية، حيث يجلس طلاب الصفوف من الأول حتى الرابع الابتدائي على الأرض لعدم توفر المقاعد، كما تفتقر الفصول إلى الأبواب والسقوف، إلى جانب انعدام دورات المياه، بحسب ما أكده شيخ القرية عبدالكريم الحرازي.

رباط الحرازي بالضالع: قرية منسية من الخدمات
أطفال يجلسون على الأرض في فصل دراسي بمنطقة رباط الحرازي بمحافظة الضالع جنوب اليمن (ريف اليمن)

ويضطر طلاب الصف الرابع حتى الثالث الثانوي إلى الدراسة في مدرسة السلام بمنطقة الحقب، التي تبعد نحو ثلاثة كيلومترات، يقطعونها يوميا سيرا على الأقدام، ما يعرضهم لمخاطر الطريق، ويجعل مواصلة التعليم تحديا شاقا، بينما يتسرب عدد من الطلاب نهائيا من التعليم، وفقا لعدل القرية أنور القاضي.

يرى مدير مكتب التربية بمديرية دمت، “نصر الحمري”، أن إغلاق مدرسة الطاهرية عام 2011 جاء نتيجة نقل المعلمين بسبب الأزمات والحروب التي تمر بها البلاد، مشيرا إلى عدم تخصيص أي وظائف جديدة للكادر التعليمي منذ ذلك العام.

ويوضح الحمري أن تدني الرواتب وعدم كفايتها لتغطية تكاليف المعيشة والتنقل دفع المعلمين إلى مغادرة القرية، ولم يتبق سوى معلم واحد كان يدرس الصفوف من الأول حتى الرابع، قبل أن يصاب باضطرابات نفسية عام 2016؛ ما أدى إلى إغلاق المدرسة بشكل نهاني.

من خلال مبادرة مجتمعية، أعاد أهالي القرية فتح المدرسة في العام 2025، بدعم وتشجيع من استشاري الصندوق الاجتماعي للتنمية، وفقًا لعاقل القرية.

ويؤكد مدير مكتب التربية أن إيجاد حلول تعليمية دائمة يظل مرهونا بتحسن الوضع العام وتوفير وظائف تعليمية جديدة، مشددا على أهمية تضافر الجهود المجتمعية إلى حين توفر الحلول الحكومية.

الطريق خطر مضاعف

في القرية ذاتها، تشكل وعورة الطريق خطرا مضاعفا، لا سيما على الطلاب الذين يدرسون خارج القرية، وتؤكد “أم محمد الحرازي (35 عاما)” أنها تعيش قلقا دائما مع خروج ابنها، الطالب في الصف الخامس، واصفة طريق الحقب بأنه مليء بالمنعطفات والانزلاقات الخطرة.


القاضي: يقطع طلاب القرية نحو 3 كيلومترات سيرا على الأقدام، ما يعرضهم لمخاطر ويجعل مواصلة التعليم تحديا شاقا


وتروي لـ “ريف اليمن” حوادث مؤلمة شهدتها القرية خلال السنوات الماضية، شملت انقلاب سيارات وحوادث تسببت في إعاقات دائمة، فيما عاد أطفال كثر إلى منازلهم مصابين أو مصدومين نفسيا، ويؤكد شيخ القرية تسجيل ست حالات إصابة، بينها حالة وفاة وخمس إصابات خطيرة ومتوسطة، خلال عامي 2024 و2025.

أثر اجتماعي واقتصادي

يرى الأخصائي الاجتماعي بوزارة الصحة، الدكتور “صالح الباخشي”، أن استمرار المعاناة يولد ظواهر اجتماعية سلبية، مشيرا إلى أن حرمان قرية قريبة من مركز المديرية من الخدمات الأساسية يعزز الشعور بالعزلة، ويترك آثارا نفسية واقتصادية خطيرة، ويضيف أن الفقر والجهل والمرض تصبح سمات ملازمة لهذه المجتمعات، في ظل تهميش السلطات المحلية.

مدير مديرية دمت “سلطان فاضل”، قال إن القرية لا تبعد سوى كيلومتر واحد عن الخط العام، معتبرا أنها جزء من المدينة، ومشيرا إلى أن بعض الأسر تلحق أبناءها بمدارس خاصة، فيما يدرس الآخرون في مدارس حكومية بالحقب أو داخل دمت.

رباط الحرازي بالضالع: قرية منسية من الخدمات
سيارات رباعية الدفع تعطلت بعد أن علقت في الطين في موسم الأمطار بأرياف في الضالع (ريف اليمن)

وأكد إيصال مشروع المياه إلى القرية، ولم يتبق سوى استكمال شبكة التوزيع داخل المنازل وشراء العدادات من قبل الأهالي، داعيا إلى إطلاق مبادرات مجتمعية، أسوة بقرى مجاورة، في تنفيذ المبادرات المجتمعية وتحسين الأوضاع، في ظل غياب الدولة.

يرى الأهالي أن تخفيف أزمة المياه يتطلب حفر بئر ارتوازية عميقة تتجاوز المياه الكبريتية، مع تركيب مضخة تعمل بالطاقة الشمسية، وبناء خزان تجميعي وشبكة توزيع بسيطة، أما الطريق فيحتاج إلى مشروع عاجل لتسويته وردم الحفريات.

كما يقترح الأهالي إعادة إحياء مدرسة الطاهرية عبر نظام المعلم البديل، بدعم من المجتمع والمنظمات، وتجهيز فصول دراسية صديقة للطفل بوسائل تعليمية منخفضة التكلفة، حيث نفذت هذه التجارب بنجاح في محافظات إب وتعز والضالع، بدعم من اليونيسف ومنظمات محلية، وأسهمت في الحد من تسرب الطلاب.

شارك الموضوع عبر: