في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى مشاريع مبتكرة، تمكنت فتاة في محافظة حضرموت شرقي اليمن من تحويل بقايا الأسماك إلى منتجات غذائية كمسحوق مرقة التونة، والبهارات المدعمة بالكالسيوم، ومسحوق الحنيذ كنموذج واقعي حول التحديات إلى قصة نجاح ملهمة.
تقول “نبيلة عبيد (30 عاما)”، خريجة العلوم البيئية والأحياء البحرية، إنها لم تكن مجرد باحثة عن فرصة عمل، بل تحمل رؤية تسعى من خلالها إلى إحداث تغيير حقيقي في مجتمعها، من خلال مشروعها الذي أطلقت عليه اسم “مذاق بروم”، بوصفه إحدى أبرز المبادرات التي تعيد تدوير بقايا الأسماك وتحولها إلى منتجات غذائية.
بداية الحكاية
قبل تأسيس المشروع، كانت نبيلة تعيش ظروفا معيشية صعبة؛ إذ كانت مسؤولة عن إعالة أسرتها دون عمل ثابت أو مصدر دخل مستقر، وتقول: “بحثت طويلا عن فرصة إلى أن التحقت ببرنامج تدريبي تعلمت من خلاله إنتاج المنتجات البحرية التقليدية، وهو ما أعاد لي الثقة ومنحني المهارة الأولى التي بنيت عليها مستقبلي”.
مواضيع مقترحة
- المرأة اليمنية وقطاع الأسماك: تحديات ومشاركة محدودة
- هل يمكن للاقتصاد الأزرق إنقاذ اليمن؟
- نفوق السلطعونات.. كارثة بيئية تفترش سواحل البحر الأحمر
رفضت نبيلة البقاء في الإطار التقليدي، وبفضل خلفيتها العلمية أدركت أن بإمكانها تقديم شيء أكثر أثرا، وتضيف: “التحقت بدورات أخرى في الريادة والابتكار، وبدأت بتطوير فكرة تقوم على الاستفادة من بقايا الأسماك التي تُهدر يوميا وتتحول إلى عبء بيئي، وتحويلها إلى منتجات آمنة وصحية وصديقة للبيئة.”
“مشروعي «مذاق بروم» الذي كان نقطة تحول لم يكن مجرد فكرة تجارية، بل محاولة حقيقية لتحويل مشكلة بيئية إلى فرصة تنموية، وهدفي كان الاستفادة من بقايا الأسماك المهدرة، وتحويلها إلى منتجات صحية وآمنة تساهم في حماية البيئة ودعم دخل أسرتي”، تضيف نبيلة.
تؤكد نبيلة إيمانها بدور العلم قائلة: “أؤمن أن العلم عندما يقترن بالإرادة يمكن أن يصنع فرقا حقيقيا في المجتمع، وأتمنى أن يكون مشروعي مصدر إلهام للشباب والنساء لخوض تجربة الريادة بثقة”.
قيمة غذائية
أخصائية التغذية العلاجية والحميات الدكتورة “سمية الكاف” توضح أن منتجات مشروع نبيلة تعد خيارا غذائيا ممتازا لاحتوائه على نسب عالية من الفيتامينات والمعادن، وتميزها بسرعة الامتصاص لكونها مركزة.

وتضيف الكاف لـ”ريف اليمن”، أن هذه المنتجات تساهم في رفع القيمة الغذائية للأطعمة منخفضة الفائدة مثل الأرز، وتناسب بشكل خاص كبار السن والأطفال ذوي الشهية القليلة، فضلا عن إمكانية اعتبارها بديلا صحيا للملح،؛ مما يجعلها داعمة لنمط غذائي متوازن وصحي.
من جانبها، تقول “سمية باعنتر”، مدربة رياضية وحاصلة على دبلوم أخصائية تغذية علاجية، إن مشروع نبيلة مفيد وصحي من الناحية التغذوية، ويعتمد على الاستفادة الذكية من بقايا الأسماك وتحويلها إلى منتجات غذائية ذات قيمة عالية، غنية بعناصر مهمة مثل الكالسيوم والبروتينات وأحماض أوميغا 3 الداعمة لصحة العظام والقلب والدماغ.
وأضافت لـ “ريف اليمن”، أن استخدام مكونات طبيعية دون مواد حافظة صناعية يعزز من جودة المنتج، مشددة على أهمية الالتزام بألا تتجاوز نسبة الصوديوم 400–500 ملغ لكل 100 غرام، إلى جانب المعالجة الحرارية بدرجات محددة لضمان القضاء على البكتيريا، والتجفيف للحفاظ على القيمة الغذائية، ومنع نمو الميكروبات، مع ضرورة إجراء تحاليل دورية للسلامة الميكروبية، وتوضيح القيم الغذائية على العبوات.

استطاع مشروع مذاق بروم – بحسب نبيلة – أن يحقق حضورا لافتا بفضل جودة منتجاته ونكهتها، حيث تعتمد جميع المكونات على مواد طبيعية خالصة دون أي مواد حافظة، كما يتم تغليف المنتجات بمواد صديقة للبيئة، ما يعزز هوية المشروع كمنتج أخضر.
وتتميز منتجاته بغناها بأحماض أوميغا 3 المفيدة للقلب والدماغ، واحتوائها على الكالسيوم والمعادن الأساسية لصحة العظام، فضلا عن كونها مناسبة للأسر ومحبي الأطعمة البحرية، هذا المزيج من الجودة والفائدة جعل المستهلكين يقبلون عليها بثقة، لا سيما مع تنامي الوعي بالمنتجات الصحية والمستدامة.
أثر بيئي
الجانب البيئي يعد أحد أهم ركائز المشروع، إذ بنيت فكرته على المعالجة السليمة لبقايا الأسماك الناتجة عن عمليات التعليب، والتي غالبا ما ترمى مسببة روائح كريهة وتكاثرا للبكتيريا الممرضة.
في هذا السياق، يوضح الأستاذ “معاذ باكثير”، معيد بقسم العلوم البيئية والأحياء البحرية في جامعة حضرموت، أن مشروع مذاق بروم يمثل نموذجا رائدا للمشاريع البيئية، لاعتماده على الاستغلال الأمثل للموارد وإعادة تدوير بقايا الأسماك التي كانت تشكل مشكلة بيئية حقيقية بسبب تحللها السريع والروائح المزعجة الناتجة عنها.
وأضاف أن هذه البقايا تعد وسطا مثاليا لتكاثر البكتيريا والفطريات، خصوصا البكتيريا الممرضة؛ ما يجعل التعامل معها أمرا ضروريا، مشيرا إلى أن تحويلها إلى منتج ذي قيمة غذائية عالية يعكس أهمية الاستثمار في المشاريع المستدامة التي تحمي البيئة وتدعم الاقتصاد في الوقت ذاته.

من جانب ريادة الأعمال، وصفت “سميحة الحنشي”، استشارية تنمية المرأة الريفية ومدربة ريادة الأعمال في حضرموت، المشروع بأنه نموذج ملهم للشباب والنساء على حد سواء، وتقول إن مذاق بروم ليس مجرد مبادرة اقتصادية ناجحة، بل دليلاً على الدور المحوري الذي يمكن أن تلعبه المرأة في تعزيز الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.
وأكدت خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، أن نبيلة أثبتت قدرة المرأة على قيادة مشاريع ذات أثر تنموي عميق، ودعت الشباب والشابات إلى خوض تجربة الريادة دون خوف.
بدورها تروي “خديجة عيديد”، مدربة صناعة المنتجات، تجربتها مع منتجات مذاق بروم، مشيدة بمسحوق الحنيذ المدعم بالبهارات ودوره في تسهيل إعداد أطباق مثل الصيادية والشوربة والصانة بالخضروات، موفرة الوقت والجهد لربات المنازل، ومؤكدة أن المشروع ريادي وصحي ومدعّم بالكالسيوم.
الجدير أن مشروع مذاق بروم حصد عددا من الجوائز، أبرزها المركز الأول في برنامج مهنتي – مؤسسة صلة، والفوز في مسابقة الأمل – مؤسسة ريادة، والتميز ضمن الفائزين في هاكثون الابتكار الأخضر كمشروع بيئي رائد، وهي إنجازات منحت المشروع مكانة خاصة في مشهد ريادة الأعمال بحضرموت.

