في زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة وتتراجع فيه تفاصيل الماضي، تبرز مبادرات فردية تعيد للذاكرة حضورها، وتحفظ للأجيال القادمة ملامح من حياة الأجداد، وهو ما جسده “متحف النخيل الفردي” في قلب مدينة سيئون، الذي يقف شاهدا حيا على تاريخ حضرموت، ومرآة تعكس بساطة الماضي وعمقه الحضاري.
لم يكن المتحف مشروعا مؤسسيا ولا مبادرة مدعومة، بل ثمرة شغف طويل، بدأ كهواية شخصية وتحول مع الزمن إلى صرح تراثي يحتضن آلاف القطع التي تحكي قصصاً من حياة الناس، وأدوات استخدمها الأجداد في تفاصيل يومهم البسيطة.
يقول مالك المتحف، هادي بزعل، إن فكرة جمع المقتنيات بدأت كهواية وحب شخصي للتراث، قبل نحو ثلاثين عاما، لافتا أنه في أول خمس سنوات قام بتقسيم جزء من منزله وخصص غرفتين لترتيب المقتنيات وتنظيمها، بهدف إتاحة الفرصة للناس لمشاهدة تراث حضرموت والتعرف على ماضيهم.
مواضيع مقترحة
- إحياء التراث الشعبي.. العودة للجذور اليمنية
- مدينة قشن: تراث عريق وطبيعة ساحرة
- الصِّقَارَة في اليمن.. رياضة تراثية تعود إلى الواجهة
يؤكد بزعل لـ”ريف اليمن”، أن الحفاظ على هذا التراث أمر في غاية الأهمية، كونه يمثل ذاكرة الأجداد، ويسهم في تعريف الأجيال القادمة بجذورهم وهويتهم الثقافية”.
مقتنيات نادرة
موضحا أنه استمر في جمع المقتنيات التراثية قطعةً قطعة، متحديا شح الإمكانيات وغياب الدعم، انطلاقا من إيمانه بأن الحفاظ على التراث مسؤولية أخلاقية ووطنية، ما جعل متحفه مقصدا للزوار من داخل حضرموت وخارجها، ونافذة مفتوحة يطل منها الجيل الجديد على ماضيه العريق.
يضم متحف النخيل ما يقارب ثلاثة آلاف قطعة تراثية نادرة، جمعت بعناية فائقة على مدى سنوات طويلة، لتشكل لوحة متكاملة تحكي فصولا متعددة من تاريخ حضرموت العريق، وقد وزعت هذه المقتنيات على أقسام متنوعة، من بينها النحت، والنحاس، والعملات القديمة، والجلود، في عرض يعكس عمق الإرث الحضاري للمنطقة وتنوّع ملامحها الثقافية والاجتماعية.

كما يحتضن المتحف مجموعة مميزة من العملات القديمة التي تعود إلى فترات زمنية مختلفة، وتعكس مراحل مهمة من النشاط التجاري والاقتصادي، حيث كانت حضرموت محطة بارزة في طرق التجارة القديمة، كما تبرز حجم التبادل الحضاري والتجاري الذي ربط المنطقة بمحيطها الإقليمي والدولي عبر العصو.
إلى جانب ذلك، يضم المتحف مقتنيات من الجلود التي استخدمت قديما في حفظ الأغراض والصناعات اليدوية التقليدية، شاهدة على مهارة الإنسان اليمني في توظيف الموارد الطبيعية بأساليب بسيطة وعملية، ولا تزال هذه القطع محفوظة بعناية رغم قدمها، في إطار حرص دائم على صونها من التلف والاندثار.
ملابس وأسلحة
كما يحتوي متحف النخيل على الأجهزة الإلكترونية القديمة والطابعات الأولى التي دخلت حضرموت خلال العقود الماضية، والتي تمثل مرحلة انتقالية مهمة في تطور وسائل الاتصال والعمل المكتبي، وتُظهر كيف بدأت ملامح الحداثة تشق طريقها إلى المجتمع الحضرمي، لتصبح اليوم جزءًا من ذاكرته التقنية.

ويزخر المتحف بالملابس التقليدية والأسلحة القديمة التي تعكس أنماط الحياة والعادات الاجتماعية السائدة في الماضي، وتبرز جوانب من الهوية الثقافية وأساليب الدفاع والحماية آنذاك، لتجسد هذه المقتنيات مجتمعةً مراحل متعاقبة من التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لحضرموت، حيث تعكس أساليب العيش، وطرق العمل، والعلاقات التجارية التي ربطت المنطقة بمحيطها عبر الزمن.
يعبر مالك المتحف هادي بزعل، عن أمله أن يحظى جهده الفردي بدعم رسمي ومجتمعي، ماديا ومعنويا، بما يسهم في تطوير المتحف والحفاظ على مقتنياته، وتمكينه من الاستمرار في أداء رسالته الثقافية والتاريخية.
كما يؤكد أن هذا الدعم سيعزز من دور المتحف كمَعلم تراثي وسياحي، يسهم في إبراز هوية حضرموت ونقل إرثها العريق للأجيال القادمة بأسلوب يليق بقيمته التاريخية.
وعي بقيمة التراث
يقول أمين سعيد، وهو مهتم بالتراث، “إن زيارته لمتحف النخيل كشفت له حجم الجهد المبذول في تأسيسه، موضحا أن المتحف يضم أقساما متعددة، منها قسم الأخشاب القديمة التي عاصرت الحياة في حضرموت، وقسم النحاس الذي يحتوي على أوان منزلية صنعت محليا وأخرى وصلت عبر طرق التجارة القديمة، إضافة إلى قسم الإلكترونيات التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وقسم الملابس التقليدية ذات الطراز الجميل”.

وأشاد سعيد خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، بالجهود الكبيرة التي بذلها هادي بزعل، ومعه عائلة آل بزعل، في إنشاء المتحف والحفاظ على التراث الحضرمي الأصيل.
مؤكداً أن ما قُدم من عمل يعكس وعياً عميقاً بقيمة الموروث الثقافي وأهمية صونه من الاندثار، وقد مثّل هذا المتحف نموذجاً مشرّفاً للمبادرات الفردية التي تحولت، بفضل الإصرار والدعم الأسري، إلى منجز ثقافي يخدم المجتمع بأكمله.”
وأشار إلى أن وقوف عائلة آل بزعل إلى جانب هذا المشروع أسهم في استمراره وتطوره، وجعل منه مساحة حقيقية لحفظ ذاكرة المكان والإنسان، مثمنا هذا الدور الوطني الذي يعكس روح المسؤولية تجاه التاريخ والهوية.

معبرا عن تقديره لهذا الجهد الذي يستحق كل الدعم والاهتمام، باعتباره ركيزة أساسية في الحفاظ على التراث الحضرمي ونقله للأجيال القادمة بصورة أصيلة ومشرّفة.”
المواطن يسلم بن ناصر عبر عن إعجابه بالمتحف، مشيرا إلى أن معظم المقتنيات تعود لمئات السنين، واستخدمها الأجداد في حياتهم اليومية، لافتا إلى أن هذه القطع تعيد للذاكرة بساطة الماضي وأصالته، وتظهر كيف عاش الأجداد حياة متواضعة بوسائل يدوية بعيدا عن المصانع، ومع ذلك بلغوا مراتب متقدمة في مختلف مجالات حياتهم”.
لافتا أن متحف النخيل يعكس صورة واضحة للجيل الحالي عن حياة أجداده، ويجسد قيمة التراث بوصفه جزءا لا يتجزأ من الهوية الحضرمية، مطالبا بتقديم الدعم اللازم لمثل هذه المبادرات الفردية التي تسهم في تنشيط السياحة الداخلية، وتحافظ على الموروث الثقافي.

