الأحد, فبراير 1, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›

تحتل محافظة تعز مكانة استثنائية في الجغرافيا اليمنية، حيث تقع على بعد 256 كيلو عن العاصمة صنعاء، وشكلت عبر مراحل التاريخ المختلفة مسرحا لازدهار العديد من المدن القديمة، وتشير المصادر التاريخية إلى أن جذور الاستيطان الحضاري فيها يعود إلى ما قبل الميلاد.

تعد مدينة ‹السواء› لعلها أقدم تلك المدن التاريخية التي ظهرت في هذه الرقعة الجغرافية، تلتها في الأهمية والظهور مدينة ‹جبا›، ثم برزت مدينة “الجند” كواحدة من أهم الحواضر. وقد ورد ذكر هذه المدن العريقة في النقوش المسندية اليمنية القديمة، مما يؤكد حضورها في السجلات التاريخية الموثقة.

لم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكنية، بل مراكز حضارية نابضة بالحياة، ساهمت في رسم ملامح الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عصور ما قبل الإسلام، حيث لعبت أدوارا محورية في تشكيل المشهد الحضاري لليمن القديم.


   مواضيع مقترحة
• إب موطن مملكة ذي ريدان: حين انتقل التاج من سبأ إلى ظفار
• حضرموت: أسطورة الحضارة اليمنية بين الساحل والوادي
• الجوف موطن مملكة معين: حين كانت اليمن تصدر الحضارة


تشير الشواهد التاريخية إلى أن مدينة ‹جبا› تحديدا كان لها نشاط تجاري واسع ومؤثر، مستفيدة من ارتباطها بميناء موزع الأثري الذي يطل على البحر الأحمر ويقترب من الشاطئ الأفريقي المقابل، وتؤكد النقوش المعينية المكتشفة أن مدينة جبا لم تكن معزولة، بل كانت شريكا تجاريا فاعلا لمملكة معين القديمة، حيث تم هذا التبادل التجاري عبر ‹قبيلة أمير› التجارية، مما يدل على وجود شبكة علاقات اقتصادية معقدة وممتدة ربطت بين مختلف الممالك والمدن اليمنية القديمة في ذلك الوقت.

لقد قدم مؤرخ اليمن الشهير الحسن بن أحمد الهمداني وصفا دقيقا لمدينة جبا وما يتبعها من أعمال، حيث أطلق عليها اسم ‹كورة المعافر›. وقد حدد الهمداني موقعها الجغرافي بدقة، مشيرا إلى أنها تقع في المنطقة المحصورة بين جبل صبر الشاهق وجبل ذخر، الذي يُعرف حاليا باسم جبل حبشي، وتحديدا في منطقة وادي الضباب. هذا الوصف الجغرافي الدقيق يعكس الأهمية التي كانت تحظى بها هذه المدينة في كتابات المؤرخين والباحثين في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها.

مع مرور الزمن وتغير الظروف السياسية والاقتصادية، بدأت مدينتي ‹السواء› و‹جبا› تفقدان أهميتهما ومكانتهما تدريجيا، وبرزت مدينة الجند بشكل لافت كمحطة رئيسية ومحورية في النشاط التجاري الذي كان مساره يبدأ من ميناء عدن الاستراتيجي، مرورا بالجند ومحافظة إب، وعبر مرتفعات الهضبة اليمنية وصولا إلى بلاد الشام.

هذا الموقع جعل منها نقطة ارتكاز حيوية في حركة القوافل التجارية التي كانت شريان الحياة الاقتصادية في تلك الحقب الزمنية المتتابعة.

العصر الإسلامي والتحول الحضاري

في القرن السابع ميلادي انتشر الإسلام في الجزيرة العربية، دخلت مدينة الجند مرحلة جديدة من تاريخها، حيث صارت في دائرة الضوء كمركز ديني مهم، ولم تكتفِ المدينة بدورها التجاري، وتحولت لاحقا إلى محطة رئيسية على طريق الحجيج، وسوقا رئيسيا فاعلا من أسواق العرب الشهيرة قبل الإسلام وبعده، مما عزز مكانتها الروحية والاقتصادية.

في سياق الحديث عن الأهمية الديموغرافية والاقتصادية، تعد محافظة تعز حاليا الأعلى في عدد السكان بنسبة 12 بالمئة من إجمالي سكان اليمن، وهذا يعكس الثقل البشري الاستراتيجي الذي يعمل في قطاعات حيوية مثل الزراعة وتربية الثروة الحيوانية وصيد الأسماك، وهي مهن متوارثة تشكل عصب الاقتصاد المحلي وتوفر الأمن الغذائي لشريحة واسعة من المجتمع المحلي في المحافظة.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
مسجد مدرسة المظفر التأريخي وسط مدينة تعز 15 مايو 2005 (flickr)

إلى جانب الأنشطة التقليدية، تتميز المحافظة بوجود العديد من المنشآت الصناعية الحديثة، سواء كانت تابعة للقطاع العام أو الخاص، والتي تساهم في التنمية، أما تضاريس المحافظة التي تتوزع في 23 مديرية، وتتميز بالتنوع الكبير، حيث توجد فيها سلاسل الجبال المرتفعة والوديان الخصبة المحاطة بالسهول والقيعان الزراعية، بالإضافة إلى مساحات شاسعة من الشريط الساحلي الممتد على البحر الأحمر.

مدينة تعز القديمة: النشأة والتطور

تعد مدينة تعز القديمة واحدة من أبرز مدن تاريخ اليمن الوسيط واسمها قديماً ‹عُدينة› وكانت منتزه هادئ تتدفق فيه الغيول والعيون المائية العذبة من منحدرات وأخاديد جبل صبر، التي تروي حدائق وبساتين الخضروات والفواكه المنتشرة بين التجمعات السكانية الصغيرة، مما جعلها واحة خضراء وملاذا للراحة والاستجمام قبل أن تتحول إلى مدينة سياسية كبرى تلعب دورا محوريا في تاريخ اليمن والمنطقة.

في بدايات القرن الثالث عشر الميلادي، صار اسمها ‹مدينة تعز› وتحديدا مع وصول القائد الأيوبي توران شاه إليها، ومع ظهور الدول الإسلامية المستقلة في اليمن وانفصالها عن مركز الخلافة، بدأت تعز تأخذ دورها الحقيقي في النهوض الحضاري كمدينة مهمة تقع عند السفح الشمالي لجبل صبر. هذا الجبل لم يكن مجرد معلم جغرافي، بل كان بمثابة تحصينا طبيعيا عزز من مكانتها الاستراتيجية.

تعاقب على حكم مدينة تعز كثير من الدول والسلالات الحاكمة في تاريخ اليمن الوسيط، مما أدى إلى توسع العمران في المدينة بشكل ملحوظ، تركز هذا التوسع داخل السور القديم وبواباته التاريخية التي شيدت لحماية المدينة وتنظيم الدخول والخروج منها.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
بائعو الجبن البلدي الشهير في تعز في أحد أسواق المدينة القديمة يوليو 2012 (flickr)

وما يزال من تلك البوابات العريقة ‹الباب الكبير› و‹باب موسى› قائمين بكل تفاصيلهما المعمارية حتى اليوم، شاهدين على عظمة تلك الحقبة التاريخية ومتانة البناء الذي صمد أمام عوامل الزمن والمتغيرات المختلفة التي مرت بها المدينة.

بعد احتلال الأيوبيين لمدينة تعز بين عامي 1173-1229م، اتخذوها عاصمة لدولتهم، مما أكسبها ثقلا سياسيا كبيرا، وبعد ذلك اتخذتها الدولة الرسولية عاصمة لدولة اليمن الموحدة، حيث نقل الملك المظفر الرسولي يوسف بن عمر عاصمة الدولة من مدينة الجند إلى مدينة تعز عام ١٢٥٥م، وأصبح حكمه ممتدا من ظفار عمان شرقا حتى المدينة المنورة شمالا.

يعتبر الملك المظفر يوسف بن عمر، ثاني موحد سياسي لليمن الطبيعية في التأريخ الوسيط وقد استمر حكم الدولة الرسولية 228سنة، تركت معالم وآثار تاريخية عظيمة شملت كل مجالات الحياة الحضارية، وكانت فترة حكم الرسوليين بمثابة العصر الذهبي لمدينة تعز، حيث شهدت نهضة عمرانية وعلمية وثقافية غير مسبوقة جعلتها قبلة للعلماء وطلاب العلم.

ووصف الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة مدينة تعز عند زيارته لها عام ١٣٣٢م بأنها أكبر مدن اليمن وأجملها، مما يعكس الازدهار الذي كانت تعيشه المدينة في تلك الفترة. كما زارها عدد من الرحالة والمستشرقين الأجانب في فترات لاحقة، مثل نيبور النمساوي عام ١٧٦٣م، وجلازر عام ١٨٨٧م، والإنجليزي سكوت عام ١٩٣٧م. وقد أشار جميع هؤلاء الرحالة في كتاباتهم إلى أن تعز كانت مدينة مزدهرة خلال فترة حكم الدولة الرسولية وما بعدها، وحتى فترة حكم العثمانيين الثانية.

الأسوار والأبواب التاريخية

رغم موقعها الجغرافي المهم قديماً على الطريق التجاري الاستراتيجي الذي يربطها بميناء المخا غربا، وميناء عدن جنوبا، وصنعاء شمالا، ومع ذلك ظلت توسعات مدينة تعز العمرانية محصورة في إطار سورها القديم، ولم تتوسع خارج السور إلا بعد أن اتخذها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين عام ١٩٤٨م عاصمة للمملكة المتوكلية اليمنية، واتخذها مقرا دائما لحكمه وإقامته حتى وفاته، وهذا أعاد للمدينة دورها السياسي كمركز للحكم والسلطة.

واليوم ما تزال مدينة تعز القديمة قائمة بأحيائها العتيقة، ومساجدها التاريخية، ومدارسها الإسلامية، وقلاعها وحصونها المنيعة التي تروي قصص الماضي، بقايا آثار سورها القديم ماثلة للعيان، خاصة في الجهة الجنوبية المتصلة بجبل صبر، كشواهد حية على تاريخ المدينة العريق.

• الباب الكبير

يعتبر ‹الباب الكبير› معلما تاريخيا وسياحيا مهماً للغاية وكان المدخل الرئيسي لمدينة تعز القديمة، يقع في الجهة الشرقية للسور، ومنه يدخل الزوار والسياح إلى الثلاثة الأسواق القديمة الشهيرة ‹الشنيني›، ‹البز›، ‹الخبز›، ومازال الباب المبني من الأحجار على شكل عقد موجود إلى الآن.

ورغم كل الظروف والصراعات التي شهدتها المدينة، لا تزال إيقاعات الحياة اليومية في الأسواق القديمة صاخبة بالحركة والنشاط، ووجهه الزوار والسياح الذين يحرصون على زيارتها للتعرف على أحد مفردات التراث الثقافي القديم للشعب اليمني، والتي لا تزال تتواتر وتستمر حتى اليوم، محافظة على نكهتها التقليدية وأجوائها التاريخية المميزة.

• باب موسى

وفي مدينة تعز القديمة يوجد أيضاً “باب موسى” الذي تم بناؤه مع السور، وكان عبارة عن منفذ صغير في البداية، وأثناء ولاية محمود باشا ما بين 968-972 هجرية، أمر بإعادة بناء الباب وتوسيعه بشكل يتناسب مع أهمية المدينة، وتشييد نوبات حراسة تعلو الباب، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم وتم استخدامها قسم للشرطة في المدينة.

يعتبر باب موسى وجهة رئيسية لزوار المدينة والسياح الراغبين في التعرف على أحد تفاصيل المدينة التاريخية القديمة وفنون العمارة العسكرية فيها.

باب موسى أحد مداخل مدينة تعز القديمة فبراير 2009 (flickr)

المدارس منارات العلم والعمارة

تعد المدرسة الأشرفية من أهم المعالم، حيث تقع في الطرف الجنوبي الغربي من المدينة القديمة في حي يحمل ذات الاسم، وتعتبر هذه المدرسة من مفاخر فنون العمارة اليمنية في العصر الإسلامي بشكل عام وعصر الدولة الرسولية بشكل خاص.

تم بناؤها عام ٨٠٠ هجرية بأمر من الملك الأشرف الثاني إسماعيل بن العباس، لتكون منشأة دينية كبيرة متعددة الأغراض، جمعت بين وظيفة المسجد، والمدرسة العلمية، والمعلامة، وقاعة الأضرحة، مما جعلها مجمعا دينيا وتعليميا متكاملا في مراحل زمنية مختلفة.

تعرضت عمارة المدرسة الأشرفية خلال فترات مختلفة لأعمال التجديد والصيانة والترميم والتوسعات للحفاظ عليها، وتبدو اليوم مئذنتاها العاليتان كدرة فنية للآثار الإسلامية في مدينة تعز، تخطف الأنظار بجمالها وتناسقها.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
مسجد ومدرسة الأشرفية في تعز (محمد التويجي)

يأتي تخطيط المدرسة على شكل مستطيل يمتد من الشمال إلى الجنوب، ولها أربعة مداخل موزعة بدقة، أهمها المدخل الواقع في الجهة الجنوبية، يقع بيت الصلاة في الجهة الشمالية، ويتوسط المحراب جدار القبلة، مما يضفي على المكان هيبة وروحانية خاصة تليق بمكانته الدينية.

تضم المدرسة قاعتي الدراسة الشرقية والغربية، وقاعة كانت حينها مخصصة لاستقبال الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وطائفة المتصوفة، مما يعكس الدور الاجتماعي للمدرسة، ويوجد فيها ثلاثة دهاليز لاستخدامات متعددة، وقاعة في الجهة الجنوبية يوجد فيها ثلاثة أضرحة، أحدها ضريح الملك الأشرف إسماعيل بن العباس، ويعتبر من أغنى أضرحة الأشرفية بالزخارف الفنية الدقيقة التي تعكس مهارة الحرفيين والفنانين في ذلك العصر.

وتعد المدرسة الأشرفية بمثابة متحف باذخ يضم كل أنواع الفنون الإسلامية من زخارف ونقوش وتصاميم هندسية، ولاتزال قائمة على نمط عمارتها القديمة وفنونها الزخرفية الرائعة، وهي أهم وجهة للسياحة الدينية في محافظة تعز.

بالإضافة إلى ذلك، توجد معالم سياحية دينية أخرى مهمة مثل جامع المظفر، والمدرسة المعتبية، والمظفرية، أما المدرسة الأتابكية، فهي المعلم الأثري الوحيد الذي يرجع تاريخه لفترة الدولة الأيوبية، مما يمنحها قيمة تاريخية وأثرية خاصة ومميزة.

من المعالم البارزة أيضا قبة وضريح الحسينية، وهي إحدى معالم السياحة الدينية التي تعود للحكم العثماني الأول، ينسب بناؤها إلى الحاكم العثماني حسين باشا، والي تعز، ويوجد ضريحه فيها، تعتبر هذه القبة تحفة معمارية فريدة تحيطها الزخارف الفنية المتنوعة التي تعكس فنون العمارة العثمانية في اليمن، وفي العام 1985 تم ترميمها وإعادة صيانتها وشملت الجهة الخارجية التي أعادت هيئتها الفنية القديمة.

قلعة القاهرة: الرمز والأسطورة

تعتبر قلعة القاهرة أهم معلم تاريخي ووجهة سياحية جماهيرية كثيفة، ومتنفسا طبيعيا لسكان مدينة تعز، نظرا لموقعها القريب وطبيعتها الجغرافية المرتفعة والمطلة على أطراف المدينة من جميع الاتجاهات، تشكل كل جهة من القلعة مناظر بانورامية ساحرة ومختلفة عن الأخرى، مما يجعل زيارتها تجربة بصرية فريدة.

رغم انها حالياً مغلقة للصيانة بعد الدمار التي تعرضت له خلال السنوات الماضية من الحرب بشكل آني نتاج ما تعرضت له، لكن بشكل عام هناك أعمال صيانة بدأت منذ 24 عاماً خلال فترات متقطعة ولم تكتمل إلى الآن، لضخامة موقعها وتعدد منشآته التاريخية التي هي بحاجة إلى صيانة وترميم وإعادة بناء.

تعرضت القلعة للتدمير والخراب أثناء الصراعات بين الدول المتعاقبة للسيطرة عليها وعلى منشآتها، بالإضافة إلى تعرضها لعوامل بيئية ومتغيرات مناخية وسوء إدارة وعبث، حيث مازالت تفتقر أبسط شروط الخدمات، وتكاد الإدارة السياحية تكون منعدمة فيها، مما يتطلب اهتماما أكبر بهذا المعلم التاريخي.

رغم كل الظروف، ظلت القلعة شامخة تحاكي مجد الزمن، الشمس يبرز روعة فنها المكاني وحصنها المنيع، كما تبدو ليلاً بالإنارة كتاج ذهبي يضفي جمالاً بديعاً للمدينة، ليس ذلك فحسب، بل امتد سلطانها السياسي عبر العصور التاريخية وصراعاتها لأكثر من ألف عام، ولذلك فإن قلعة القاهرة تختزل تاريخ مدينة تعز.

• خلفية تأريخية

مثلت القلعة معاني السيادة والحكم والأمان والرعب والنصر والسيطرة، وكانت زاخرة بأدوارها البارزة في الأحداث التاريخية التي شهدتها المنطقة، مما جعلها رمزا للصمود والقوة عبر العصور، وأسس القلعة الأمير عبد الله بن محمد الصليحي عام ١٠٤٥م لتطل على “عُدينه” وسماها باسمه بعد ان شيد مرافق تأمين القلعة من السور والأبراج الدفاعية المحيطة بها لتعزيز تحصينها.

كما قام ببناء صهاريج لحفظ مياه الأمطار والمنحدرة من الغيول لضمان توفر المياه، وحفر في الصخور مخازن للحبوب والمؤن ومخازن للسلاح والذخيرة، مما جعل القلعة قادرة على الصمود في وجه الحصار لفترات طويلة.

بعد وفاة الأمير الصليحي، احتل القلعة حاكم زبيد سعيد الأحول النجاحي وسماها “قلعة عُدينه”، لكن الملكة أروى الصليحي انتزعتها منه واستولت عليها وأعادت تسميتها “قلعة الصليحي” وتوسعت في بناء منشآت القلعة، مثل بناء “دار الأدب” كأول سجن سياسي محصن للمعارضة السياسية، وإلى جانبه أنشأت أول مدرسة علمية إصلاحية لتأهيل السجناء وتخرج منها كثير من العلماء والأدباء والشعراء.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
قلعة القاهرة تتوسط مدينة تعز المكتضة ويظهر مسجد ومدرسة المظفر، سبتمبر 2024 (عامر الصبري)

بنت الملكة أروى أيضا مطابخ الطعام ومخابز الرغيف لخدمة ساكني القلعة وحاميتها، وبعد وفاتها تعاقبت على “القلعة” حكام آخرين، وخلال فترة حكم العثمانيون (1516 – 1918) أضافوا توسعات ونصبوا في قمتها “مدفع رمضان” لإشعار سكان عُدينة بموعد الإفطار الإمساك في شهر رمضان.

واستخدمت من قبل الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين (1918-1962) كمقر للحكم ومساكن للحاميات وحجز للرهائن، والذي سماها “قلعة القاهرة” بذات الاسم لقلعة مشابهة في محافظة حجة، وبعد الثورة اليمنية، توسعت وظيفتها كسجن سياسي وسجن حربي عسكري ومخازن للسلاح والذخيرة وحامية عسكرية لمدينة تعز.

ظل دورها كذلك حتى مطلع القرن الواحد والعشرين، حيث تم اتخاذ قرار سياسي بأعمال الصيانة والترميم الأثري، وضمها إلى المعالم التاريخية والسياحية لليمن وتهيئتها كمتنفس سياحي للجمهور، ورغم مرور عقدين ونصف مازالت القلعة بحاجة إلى اهتمام من السلطات.

القصور والمتاحف

من المعالم المهمة أيضا “قصر صالة”، الذي يعد أحد القصور التي بناها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين عندما اتخذ مدينة تعز عاصمة ومقرا لحكمه وإقامته، وشيد على هيئة حصن يحيطه سور حجري تتخلله أبراج حراسة دفاعية.

للقصر بوابتان، الأولى في الجهة الشرقية تؤدي إلى الجزء الرئيسي للقصر المكون من طابقين، والثانية في الجهة الشمالية تؤدي إلى ملحقات القصر الخدمية، بعد الثورة اليمنية وإعلان الجمهورية (1962) تم استغلاله كمتحف صغير يضم مجموعة من الآثار القديمة ومنتجات الصناعات الحرفية.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
قصر صالة التأريخي في مدينة تعز جنوب غربي اليمن 2016 (محمد الحسني)

ويوجد أيضا “دار العرضي” عبارة عن مبنى قصر مهيب مكون من قسمين، أحدهما متحف وطني والثاني مغلق. يقع المبنى في منطقة العرضي بالجهة الشرقية من المدينة، ويرجع تاريخ تأسيسه إلى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين قبل من قبل العثمانيين في حكمهم الثاني لليمن واستكمل عام ١٩٢٦م، ثم أنشأ الإمام أحمد كثير من التوسعات بإضافة طوابق وأتخذه سكنا له ولحاشيته.

ما يزال المبنى محتفظا بمكوناته المعمارية، وبعد الثورة اليمنية تحول إلى متحف وطني يضم كثيرا من المعروضات الأثرية والوثائق، لكن خلال السنوات الماضية من الصراع تعرضت متاحف تعز للقصف والتدمير والنهب المنظم.

تعز.. ذاكرة العواصم التاريخية من ‹عُدينة› إلى ‹القاهرة›
المتحف الوطني في تعز والذي كان سابقاً دار العرضي

وتم تهريب تلك المحتويات الأثرية إلى أحد المنافذ البحرية في الساحل الغربي على البحر الأحمر ومن ثم إلى إقليم أرض الصومال، ومن هناك وجدت طريقها للبيع في المزادات العالمية. وبحسب تصريح مدير عام الآثار بمحافظة تعز “فإن القطع الأثرية التي تم نهبها وكانت موثقة بسجلات المتحف عددها ٣٢١ قطعة أثرية”.

في ختام الجولة التاريخية في مدينة تعز، لا بد من ذكر قبة وضريح ‹الشبزي› وهو معلم تاريخي وسياحي مهم ويقع بجانب قلعة القاهرة من الجهة الجنوبي الشرقية، ويعكس هذا المعلم شواهد التعايش التنوع الثقافي والتسامح الديني لمدينة تعز، حيث يرجع تاريخها إلى عام ١٧٢٠م.

يوجد فيها ضريح أبا شالوم شبازي، وهو سليمان بن يوسف الشبزي الشرعبي، أحد أبرز علماء الدين اليهودي والمؤرخ والأديب الشاعر المعروف عالميا، مما يؤكد على تاريخ التعايش في المدينة، التخطيط الهندسي لقبة الشبزي عبارة عن بناء مربع طول ضلعه خمسة أمتار ونصف، وتطل على بركة مياه كبيرة، والفن المعماري فيها متأثر بنمط متداخل من عصر الرسوليين والعثمانيين.


قائمة المصادر:

  • الإمام يحيى بن الحسين بن القاسم، غاية الأماني في أخبار القطر اليماني، تحقيق: د. سعيد عبد الفتاح عاشور، القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة، ١٩٦٨م.
  • المجاهد محمد بن محمد، مدينة تعز: غصن نظير في دوحة التاريخ العربي، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م.
  • السياغي، أحمد بن الحسين، معالم الآثار اليمنية، صنعاء: مركز الدراسات والبحوث اليمني، ١٩٨٠م
  • الهيئة العامة للسياحة (صنعاء)، وثائق ونتائج المسح السياحي لمحافظة تعز، عام ١٩٩٧م.
شارك الموضوع عبر: