بعد ساعات من شروق الشمس غربي اليمن تحولت سماء المدن المطلة البحر الأحمر بلون رمادي كئيب، وحمل معه روائح كبريتية نفاذة، نتيجة الرماد البركاني القادم من شمال شرقي إثيوبيا في القرن الإفريقي.
لم يكن هذا التلوث الجوي نتاج عاصفة رملية موسمية، بل رسالة جيولوجية عنيفة ومفاجئة وصلت عبر الرياح من الضفة الأفريقية المقابلة، معلنةً عن استيقاظ واحد من مكامن الخطر الخامدة في إثيوبيا، ووضعت اليمن أمام اختبار بيئي وصحي.
نستعرض هنا تفاصيل الحدث منذ لحظة الانفجار الأولى ورحلة الرماد العابرة للحدود، ولماذا هذا الغبار البركاني الذي يختلف جذرياً عن الأتربة العادية، وماهي المخاصر الصحية والبيئية والاقتصادية التي قد تواجه السكان جراء الرماد البركاني.
مواضيع مقترحة
- الرماد البركاني.. ماهي مخاطره البيئية والصحية؟
- تعرف على مخاطر الغبار البركاني وطرق الوقاية
- موجات غبار بركاني تجتاح محافظات غربي اليمن
بركان إثيوبيا.. ما الذي حدث؟
بدأت القصة في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح الأحد بتوقيت شرق أفريقيا، عندما كشفت المراصد الجيولوجية العالمية نشاطاً زلزالياً غير اعتيادي في إقليم العفر الإثيوبي، وتحديداً في منخفض داناكيل الذي يُصنف كواحد من أكثر بقاع الأرض سخونة وقسوة.
وخلافاً للتوقعات التي كانت تتجه دائماً صوب بركان «إرتا ألي» الشهير ببحيرة الحمم الدائمة، جاءت المفاجأة من جاره الجنوبي الهادئ، بركان «هايلي غوبي» الذي ظل في سبات عميق لقرون طويلة، كسر صمته بانفجار تصنيفه العلمي “بليني”، وهو نوع من الانفجارات العنيفة التي تقذف المواد البركانية بقوة هائلة نحو طبقات الجو العليا.
وتشير البيانات الأقمار الصناعية ومراكز الرصد المتخصصة إلى أن عمود الرماد والغازات المنبعث من فوهة البركان اخترق طبقة التروبوسفير ليصل ارتفاعه إلى ما بين عشرة وخمسة عشر كيلومتراً في السماء.
هذا الارتفاع الشاهق للرماد البركاني حول الحدث من كارثة محلية إثيوبية إلى مخاطر تهدد الدول الإقليمية المشاطئة للبحر الأحمر، حيث سمح للرياح بالتقاط السحابة وحملها بعيداً ووصلت إلى اليمن، وأظهرت صور الأقمار الصناعية كتلة الرماد فوق البحر الأحمر وخليج عدن.
ويرجع الجيولوجيون هذا النشاط المفاجئ إلى الحركات التكتونية المستمرة في الصدع الأفريقي العظيم، الذي يعمل ببطء شديد ولكن بثبات على فصل القرن الأفريقي عن القارة السمراء، مما يخلق ممرات جديدة للصهارة الباطنية تبحث عن متنفس لها نحو السطح.

العبور فوق البحر الأحمر إلى اليمن
بمجرد استقرار السحابة البركانية في طبقات الجو العليا، لعبت الرياح الموسمية الجنوبية الغربية النشطة في مثل هذا الوقت من العام دور الناقل السريع. قطعت الكتل الهوائية المحملة بالرماد وثاني أكسيد الكبريت مسافة البحر الأحمر في غضون ساعات قليلة، لتبدأ طلائعها بملامسة الأجواء اليمنية مع حلول وقت الظهيرة.
لم يكن الوصول مجرد تغيّر في لون السماء، بل كان وصولاً مادياً ملموساً، حيث بدأت الجزيئات الأثقل وزناً في التساقط بفعل الجاذبية فوق المياه الإقليمية والسواحل المأهولة، وهذا رصده يمنيون بتداول صور على مواقع التواصل الاجتماعي لتراكم الرماد في الأسطح.
وأظهرت خرائط رصد الغازات الصادرة عن وكالات الفضاء الدولية تركزاً كثيفاً لكتلة غاز ثاني أكسيد الكبريت فوق مضيق باب المندب، لتمتد كلسان ضخم يغطي مديريات الساحل الغربي لتعز مثل المخا وذباب، وتتوغل شمالاً نحو مديريات جنوب الحديدة كحيس والخوخة والجراحي.
قبل أن تدفعها الرياح لمناطق أخرى لتصل تأثيراتها إلى المرتفعات الجبلية في مدينة تعز وأجزاء من محافظة إب وذمار وعدن ومناطق أخرى لكنها كانت أقل من المناطق الساحلية التي استقبلت الموجة الأثقل من الرماد البركاني.
المشهد الميداني
على الأرض، عاش السكان تجربة بيئية مقلقة ومربكة. في القرى الساحلية والمدن القريبة من البحر، لاحظ المواطنون تحول ضوء النهار الساطع إلى ما يشبه وقت الغروب الكئيب، مصحوباً بتساقط مادة سوداء دقيقة للغاية تشبه البودرة المطحونة أو السخام، غطت أسطح السيارات والملابس المنشورة وأوراق الأشجار بطبقة رقيقة وداكنة.
وأفاد العديد من المزارعين وسكان الأرياف بشعورهم المفاجئ بحرقة في العيون وحكة في الجلد، مع طعم معدني غريب في الفم، وهي مؤشرات حيوية تؤكد الطبيعة الكيميائية لهذا الغبار.
وفي مدينة تعز، ورغم بعدها النسبي عن الساحل، إلا أن موقعها الجغرافي المرتفع جعلها تستقبل الغازات العالقة التي لم تترسب. وقد اشتكى سكان المدينة من انتشار رائحة كبريتية نفاذة تشبه رائحة البيض الفاسد أو البارود، وتدني الرؤية الأفقية بشكل كبير، مما أثار حالة من القلق، قبل أن توضح التحذيرات الرسمية.
وحذرت الهيئة الجيولوجية اليمنية من التأثيرات المحتملة للنشاط البركاني في إثيوبيا على اليمن وقالت “أن المنطقة قد تشهد تغيرات بيئية متفاوتة نتيجة حركة الرماد البركاني في طبقات الجو”، ودعت لاتخاذ إجراءات وقائية، خاصةً لمرضى الحساسية والجهاز التنفسي.

ماهو الرماد البركاني؟
الرماد البركاني، وفقاً لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، ليس رماداً ناتجاً عن احتراق مواد عضوية كالخشب، بل هو عبارة عن صخور مفتتة وشظايا زجاجية مجهرية نتجت عن التبريد السريع للصهارة البركانية. وهذا يعني ان الرماد البركاني يختلف كلياً عن الغبار الصحراوي المعتاد، وهما مختلفان تماماً في التكوين والضرر والتأثير.
تتكون هذه المادة الخطرة من السيليكا والزجاج البركاني، وهي جزيئات صلبة وحادة جداً تشبه شظايا الزجاج المكسور عند النظر إليها تحت المجهر، وتكمن خطورتها في أنها لا تذوب داخل السوائل الرئوية عند استنشاقها، بل تبقى لتسبب جروحاً وندوباً دائمة في الأنسجة الحية.
وإضافة إلى طبيعتها الفيزيائية الجارحة، تكون هذه الجزيئات مغلفة بطبقة كيميائية حمضية ناتجة عن تكثف الغازات البركانية، وتحتوي على عناصر سامة مثل الفلور والكلور والكبريت، مما يجعلها مادة كاوية للأغشية المخاطية وسامة للجسم عند امتصاصها.
التأثيرات على الإنسان
يضع هذا التركيب المعقد للرماد البركاني صحة الإنسان في مرمى الخطر المباشر، وتعد المخاطر التنفسية هي الهاجس الأكبر للأطباء والجهات الصحية. ووفق الشبكة الدولية للمخاطر الصحية للبراكين، فإن استنشاق الهواء المحمل بهذه الجزيئات يؤدي إلى ردود فعل فورية وعنيفة من الجهاز التنفسي، خاصة لدى الفئات الأكثر ضعفاً.
ويواجه مرضى الربو والانسداد الرئوي المزمن والحساسية الصدرية خطراً مضاعفاً، حيث تعمل الجزيئات الحمضية والكبريتية كمهيجات قوية تؤدي إلى انقباض فوري للشعب الهوائية، مما يسبب نوبات ربو حادة وسريعة قد لا تستجيب للعلاجات التقليدية بنفس الفعالية المعتادة.
وعلى المدى الطويل، يحمل التعرض المستمر لغبار السيليكا الدقيق خطر الإصابة بأمراض رئوية مزمنة مثل التليف الرئوي، ولا تقتصر الأضرار على الرئة، فالعيون تتعرض لخدوش في القرنية والتهابات بكتيرية نتيجة فركها لإخراج الجزيئات الزجاجية، كما يعاني الجلد من تهيجات وطفح جلدي نتيجة تفاعل حموضة الرماد مع العرق.

الأضرار على الزراعة والماشية
بعيداً عن المستشفيات والمراكز الصحية، قد يواجه القطاع الزراعي تحديات كبيرة في سهول تهامة التي تعد سلة غذاء اليمن وبعض المرتفعات المتضررة، وتعد الثروة الحيوانية الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، حيث تواجه الماشية خطر النفوق الجماعي بسبب التسمم بالفلور.
فعندما يتراكم الرماد المحتوي على الفلور فوق المراعي، تلتهمه الحيوانات مع العشب، مما يؤدي إلى تسمم حاد يظهر على شكل تشنجات عصبية وتآكل في الأسنان وهشاشة في العظام وتوقف مفاجئ للقلب. كما يؤدي ابتلاع الغبار الصخري إلى تكون كتل طينية صلبة داخل أمعاء الماشية تسبب انسداداً معوياً مميتاً لا علاج له غالباً.
ولا يسلم النحل، وهو الكائن الأكثر دقة وحساسية في النظام البيئي، من هذه الآثار المدمرة. فالغبار الدقيق يسد الفتحات التنفسية الصغيرة في جسم النحلة ويؤدي لاختناقها، بينما تعمل الجزيئات الزجاجية الحادة على تمزيق أجنحتها الرقيقة أثناء الطيران، مما يمنعها من العودة إلى الخلية.
أما النباتات والمحاصيل، فتواجه خطر الاختناق والحروق الكيميائية، حيث تشكل طبقة الرماد عازلاً يحجب ضوء الشمس ويوقف عملية التمثيل الضوئي، بينما تؤدي الحموضة العالية إلى حرق الأوراق والثمار، مما يهدد بإتلاف محاصيل نقدية هامة كالمانجو والبن والخضروات الموسمية.
ماهي الإجراءات الوقائية؟
في مواجهة هذا الواقع، يصبح الالتزام بإجراءات السلامة والوقاية هو خط الدفاع الأول للتقليل من الخسائر البشرية والمادية. وتتلخص التوصيات الصحية في ضرورة البقاء في المنازل وإغلاق النوافذ والأبواب بإحكام لمنع تسرب الغبار، واستخدام الأقنعة الواقية المتخصصة عند الضرورة القصوى للخروج، حيث أن الكمامات الطبية العادية والأقمشة لا توفر حماية كافية ضد الجزيئات الدقيقة.
كما ينصح بحماية العيون بالنظارات الواقية وتجنب استخدام العدسات اللاصقة نهائياً، والاهتمام بالنظافة الشخصية وغسل الوجه واليدين باستمرار لإزالة الرواسب الحمضية. أما السائقون، فعليهم توخي الحذر الشديد أثناء القيادة، حيث يعمل الرماد المتراكم على الأسفلت كطبقة زلقة تشبه الصابون، مما يزيد من خطر الانزلاقات والحوادث المرورية.
وبالنسبة للمزارعين ومربي الماشية، تتلخص إجراءات الإنقاذ في الإدخال الفوري للحيوانات إلى الحظائر المغلقة ومنع الرعي الخارجي تماماً حتى زوال الخطر، مع ضرورة غسل الأعلاف لإزالة طبقة الرماد والسموم العالقة بها قبل استخدامها.
كما يجب على الجميع تغطية خزانات المياه والآبار المكشوفة بإحكام لحمايتها من التلوث بالأمطار الحمضية أو الرماد المتساقط. ويبقى الوعي المجتمعي والالتزام بالإرشادات الصحية والبيئية هو السلاح الأقوى لتجاوز الأزمة بأقل الأضرار الممكنة.
إن سحابة الرماد التي عبرت البحر من إثيوبيا إلى اليمن ليست مجرد حدث عابر ينتهي بانقشاع الغبار، بل هي تذكير بهشاشة الحدود البشرية أمام حيوية الطبيعة، وبأن المنطقة الجغرافية التي نعيش فيها هي منطقة جيولوجية حية ونشطة تتنفس وتتحرك باستمرار.
المصادر
– الوضع الجيولوجي وبيانات البركان: موقع “فولكانو ديسكفري” (Volcano Discovery) المتخصص في رصد الزلازل والبراكين، والبرنامج العالمي للبراكين التابع لمؤسسة سميثسونيان (Smithsonian GVP).
– التحليل الكيميائي والمخاطر الصحية: تقارير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) حول مكونات الرماد البركاني، وإرشادات الشبكة الدولية للمخاطر الصحية للبراكين (IVHHN).
– الآثار البيئية والمناخية: تقارير موقع “ناشيونال جيوغرافيك” (National Geographic) حول تأثيرات البراكين على البيئة والمناخ، وبيانات مرصد الأرض التابع لوكالة ناسا (NASA Earth Observatory).
– الملاحة الجوية وحركة الرياح: تحذيرات وبيانات مركز تولوز الاستشاري للرماد البركاني (Toulouse VAAC).
– البيانات المحلية والميدانية: مراسلينا ونشرات مركز الإنذار المبكر، وتقارير وسائل الإعلام اليمنية المحلية التي رصدت شهادات السكان في تعز والحديدة.

