“رمضان شهر كريم، نستقبله مثل بقية الناس، لكنه يحل علينا ونحن لا نملك شيئا، ونعيش على باب الله؛ البعض يرحمنا، والبعض قلوبهم قاسية، ومع ذلك نعيش تحت أي ظرف فالحياة قسمة ونصيب”.
بهذه الكلمات تختصر حدة ربيع (37 عاما)، وهي مواطنة من ذوي البشرة السمراء، واقعها مع حلول شهر رمضان، وتقول إن الشهر الذي ينتظره الناس للراحة والطمأنينة، يأتي على المهمشين محملا بأعباء إضافية، في ظل ظروف اقتصادية قاسية ونقص في أبسط المواد الغذائية.
وتضيف لـ “ريف اليمن”: “الناس جميعا يرتاحون في رمضان، إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون، وتوضح أنها تضطر أحيانا للعمل في البيوت بالأجر اليومي لتأمين احتياجات أسرتها، وتجمع ما تيسر من المال لشراء نصف كيس دقيق، وقليل من الأرز والسكر بالكيلو.
مواضيع مقترحة
- نساء بلا سند: حكايات المهمشات في ريف اليمن
- نعمان الحذيفي: قضايا المهمشين صوت غير مسموع
- مهمشو الأرياف: تعايش مجتمعي رغم التحديات
تشير ربيع إلى أن بعض الأسر خاصة من يمتلكون رواتب وإن كانت قد تتمكن من ادخار مؤونة بسيطة، لكن الغالبية تعيش يومها بيومها، معتمدة على ما يجود به الآخرون أو ما تتيحه فرص العمل المحدودة.
في ريف تعز، تسرد فائزة (30 عاما) جانبا آخر من معاناة الاستعداد لرمضان، وتقول إنها تبدأ مع أسرتها التحضير للشهر منذ رجب وشعبان، عبر استئجار قطعة أرض صغيرة لزراعة الكراث والبقل (الفجل)، على أمل حصادها وبيعها في الأسواق خلال رمضان.
“نعتمد على هذا الموسم لتغطية مصاريفنا”، تقول فائزة، موضحة أن العمل لا يتوقف طوال الشهر، وتشرح طبيعة يومها قائلة: “ننام خمس ساعات فقط، من بعد صلاة الفجر حتى قبل الظهر، ثم نذهب إلى السوق لتجهيز المفارش وبيع الخضروات حتى أذان المغرب.
منوهة أنها بعد الإفطار تعود لقطف الكراث وقلع البقل وغسله وتحضيره للبيع في اليوم التالي، وهكذا يمضي الشهر بين جهد متواصل وأمل محدود بعائد يسد جزءًا من الاحتياج.
فاطمة:وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل
أما محمد هادي (48 عاما) من مدينة تعز فيرى أن الأوضاع قبل اندلاع الحرب في مارس 2015 كانت أكثر استقرارا، بفضل ثبات العملة وتوفر فرص العمل.
ويقول: “كنا نستطيع تغطية مصاريف الأسرة وشراء احتياجات رمضان، ومع الحرب انعدمت فرص العمل وازداد الفقر بين جميع الفئات، لكننا نحن المهمشين كنا الأكثر تضررًا”.
ويضيف أن الفقر يلازمهم طوال العام، ويأتي رمضان ليضاعف التحديات، فيضطرون إلى التقشف الشديد والتخلي عن كثير من المتطلبات التي تعد أساسية لغيرهم.
في مخيم الجفينة بمحافظة مأرب، يتحدث محمد سعيد (62 عاما)، وهو نازح يعاني مرض القلب، عن معاناة مضاعفة، ويقول: “أعتمد في رمضان على ما تحصل عليه النساء والأطفال من الأسواق، يخرجون بعد الظهر حتى الليل بحثا عن الرزق؛ أحيانا يجدون شيئا، وأحيانا يعودون بلا شيء”. ويشير إلى أن المرض والعجز عن العمل جعلاه أكثر هشاشة أمام تقلبات الحياة.
أما سعاد، من مدينة تعز، فتقول إن رمضان بالنسبة لها موسم بحث يومي عن صدقات، “أخرج مع أطفالي الخمسة إلى الرصيف في شارع جمال من بعد الظهر حتى ساعات متأخرة من الليل”، مشيرة إلى أن البعض يعطينا ألف ريال أو 200 ريال، والبعض يحتقرنا ويتلفظ بألفاظ مؤذية”.
وتضيف: “كل ما نحلم به هو شراء ملابس العيد لأطفالنا فنحن نقضي الشهر في الشوارع والأسواق تحت الشمس والبرد من أجل الحصول على زكاة الفطر ونفطر أحيانا أمام المطاعم أو المساجد، ثم نعود إلى مكاننا على الرصيف.
تشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات
من جانبه، يؤكد عبد الرحمن محمد (27 عاما) أن راتبه البالغ ستين ألف ريال لا يغطي حتى تكاليف المواصلات والمياه، ويقول: “نعمل ثلاث ورديات في رمضان كما في بقية الأشهر البعض يعمل نهارا تحت الشمس وهو صائم، والبعض حتى وقت السحور في الشارع، دون وجبة إفطار أو سحور مضمونة أوضاعنا صعبة ولا نجد من يقدّر جهودنا”.
في السياق ذاته، تشير رئيسة مؤسسة رنين المستقبل الحقوقية، حنان النوبي، إلى أن مخيمات النازحين في مأرب تضم أكبر تجمعات للمهمشين، موزعين على نحو 25 مخيمًا وتجمعًا سكنيا، مؤكدة أنهم يعانون ظروفا معيشية قاسية طوال العام، وتتفاقم في رمضان.
مساعدات غير منتظمة
توضح فاطمة علي أن وجبات الإفطار تصل أحيانا إلى المخيمات خلال رمضان، لكنها غير منتظمة، وقد تنقطع لأسبوع كامل كما أن السلال الغذائية التي تقدمها بعض المنظمات في بداية الشهر لا تكفي الأسر الكبيرة.
وتقول: “نطلق مناشدات مستمرة لفاعلي الخير والمنظمات لدعم النازحين بعضهم يستجيب، وآخرون يتغاضون نحن لا نملك مالا ولا علاقات، وننتظر ما يصلنا من مساعدات، قليلًا كان أو كثيرا”.
ربيع:الناس يرتاحون في رمضان إلا نحن نعاني أكثر، لأننا لا نستطيع توفير احتياجات الشهر كما يفعل الآخرون
بدوره يقول عبده سعيد، القائم بأعمال رئيس الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرًا (المهمشين) – فرع تعز، إن أيام وليالي رمضان تمر على المهمشين بمرارة شديدة، رغم ما يتحلون به من صبر وقناعة.
ويضيف أنهم تواصلوا مع عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية لدعم هذه الفئة خلال رمضان، إلا أن بعضها اعتذر بسبب انقطاع التمويل، فيما وعد آخرون بتقديم المساعدة عند توفرها.
وتتضاعف معاناة المهمشين في رمضان نتيجة الفقر وشح الإمكانات وانخفاض الدخل الناتج عن الأعمال البسيطة التي يمارسونها، مثل النظافة، وحياكة الأحذية، وغسل السيارات، وبيع الخضروات.
وتشير تقديرات أممية إلى أن عدد المهمشين في اليمن يُقدّر بنحو 3.5 مليون نسمة، موزعين في مختلف المحافظات، يعيش كثير منهم على هامش المجتمع، ويواجهون في رمضان حرمانًا مضاعفًا بين قلة ذات اليد وثقل الاحتياجات.

