باللغة السقطرية يقال: “شلاه من مارس شام دمثل دسقطري”، وتعني بالعربية “الثالث من مارس”، وهو اليوم الذي يحييه سكان أرخبيل سقطرى احتفاء بلغتهم الخاصة المسماة “اللغة السقطرية”، والذي يترافق مع فقرات ثقافية وفنية وفلكلورية متنوعة تجسد عمق الثقافة السقطرية وتاريخها العريق، وتعيد تسليط الضوء على واحدة من أقدم اللغات اللغة شفهية سامية في المنطقة.
وتعد اللغة السقطرية لغة سامية ذات جذور عميقة في التاريخ، وهي لغة شفهية بامتياز تعتمد كليا على النطق، ولها قواعدها الخاصة وتراثها الشعري والفلكلوري الغني الذي يجسد هوية سكان الأرخبيل، كما تتميز بخصائص لغوية فريدة من بينها ما يعرف بـ”الشين الجانبية” و”السين الثالثة”، ويعود تاريخها إلى آلاف السنين.
يقول مدير عام مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث، وأستاذ الدراسات السامية والشرقية، الدكتور نوح العليمي إن إحياء يوم اللغة السقطرية يعد إحياءً للممارسات الحياتية المرتبطة بها، لافتا إلى أن المركز سيحيي هذه المناسبة بفعاليات مختلفة تستمر من الثالث إلى الثامن من شهر مارس الحالي برعاية السلطة المحلية وتحت إشراف مكتب الثقافة في الأرخبيل.
مواضيع مقترحة
- جزيرة سقطرى: جنّة اليمن الواقعة بين البحر والمحيط
- اللغة المهرية: كنز لغوي يقاوم الاندثار
- اليونسكو تصادق على دعم اليمن لحماية التراث الثقافي
يضيف العليمي في حديثه لـ”ريف اليمن” أن الفعاليات ستتضمن فلكورا شعبيا سقطريا وأمسيات شعرية وأدبية وفنية متنوعة، منها فنون (هدانة، صمهر، قانونة وغيرها من الفنون السقطرية)، إضافة إلى فعاليات مفتوحة ومحاضرات وندوات للتعريف بهذه اللغة وشرح قواعدها وأسسها وخصائصها.
لغة شفهية
ويؤكد الباحث في التراث والتاريخ السقطري، ومدير مؤسسة سقطرى للتراث، الدكتور أحمد الرميلي، أن اللغة السقطرية لغة شفهية غير مكتوبة في الوقت الراهن، وهي اللغة الأصلية الرئيسية لسكان جزيرة سقطرى.
ويضيف الرميلي في حديثه لـ”ريف اليمن” أن اللغة السقطرية تنتمي إلى عائلة اللغات السامية التي تضم أيضًا لغات حية مثل العربية الفصحى، والعبرية، والمهرية، والشحرية، إلى جانب لغات منقرضة كالعربية الجنوبية القديمة، والآرامية، والسريانية وغيرها.
من جانبه، يرى الناشط الإعلامي في سقطرى محمد بن طعري أن تخصيص يوم للاحتفاء باللغة السقطرية يعكس مكانتها الثقافية العميقة ويجسد الهوية المتجذرة في وجدان المجتمع السقطري.

مشيرا في حديثه لـ”ريف اليمن” إلى أن اللغة السقطرية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء حي للهوية والتاريخ والتراث الشفهي؛ ففي مفرداتها تختبئ حكايات الأجداد، والأمثال الشعبية، والأهازيج البحرية، وقصائد الشعر السقطري القديم التي توثق علاقة الإنسان بأرضه وبالبحر والجبل والصحراء، ما يمنحها قيمة علمية وثقافية كبيرة.
سمات وخصائص
يوضح الرميلي أن من أبرز خصائص اللغة السقطرية وجود أحرف لا تتوافر في كثير من اللغات السامية الأخرى، من بينها حرف “الشين الجانبية” أو ما يسمى “السين الثالثة”، وكذلك “اللام الجانبية”، إضافة إلى خصائص صوتية معقدة يصعب على غير أبناء سقطرى إتقانها.
ويشير إلى أن اللغة السقطرية تعد من أقدم اللغات السامية، بدليل احتفاظها بظواهر لغوية اندثرت في لغات سامية أخرى، ما يعزز أهميتها من الناحية التاريخية واللسانية.
بدوره، يقول الطالب في جامعة أرخبيل سقطرى سيف السيوفي إن اللغة السقطرية هي اللغة المتداولة بين أبناء سقطرى أنفسهم، ولها لهجات وتنوعات نطقية تختلف من منطقة إلى أخرى.
ويضيف في حديثه لـ”ريف اليمن” أن مخارج الحروف في المناطق الشرقية من الأرخبيل تختلف عنها في المناطق الغربية، مشيرا إلى قدم اللغة وأصالة ألفاظها.
تعد اللغة السقطرية لغة سامية ذات جذور عميقة في التاريخ، وهي لغة شفهية بامتياز تعتمد كليا على النطق ولها قواعدها الخاصة
ويبين أن اللغة السقطرية لا تتضمن في بنيتها الأصلية مفردات حديثة أفرزها تطور العصر، مثل السيارة أو بعض المصطلحات المعاصرة، إذ لا توجد لها مقابلات تقليدية في اللغة، لكنها تستخدم يوميًا ضمن سياق تواصلي يجمع بين السقطرية والعربية.
كما يشير إلى أن التعايش والاندماج مع القادمين إلى سقطرى من محافظات أخرى فرض على أبناء الأرخبيل استخدام اللغة العربية، خصوصًا في عاصمة الأرخبيل حديبو، إلا أن اللغة السقطرية ما تزال تحافظ على حضورها القوي في القرى والأرياف.
مواجهة الاندثار
يتحدث سكان أرخبيل سقطرى باللغة العربية بوصفها اللغة الرسمية للبلاد، إلى جانب استخدامهم اللغة السقطرية كلغة تواصل فيما بينهم، وكلتا اللغتين حاضرتان في الحياة اليومية، بحسب العليمي.
ويضيف أن الجيل الحاضر أقل ممارسة لهذه اللغة مقارنة بالأجيال السابقة، ويرجع ذلك إلى التطور التقني والتكنولوجي، فضلا عن اندماج الشباب مع من لا يتحدث السقطرية، ما يضطرهم إلى استخدام العربية في كثير من الأحيان.
ويؤكد العليمي أن مركز اللغة السقطرية أنشئ بهدف حفظ اللغة وضمان استمراريتها للأجيال القادمة، مع العمل على مواكبتها للتطورات العصرية الحاصلة، ويشير إلى أن هذه اللغة متوارثة عن الآباء والأجداد إلى جانب اللغة العربية التي ترتبط بالقرآن الكريم والعلم والدين والمعرفة.
لافتا إلى أن ما يتخوف منه السقطريون على لغتهم هو الضعف والهوان والاندثار، خصوصًا بعد ظهور جيل جديد لم تعد تهمه الهوية والخصوصية التي تتميز بها هذه اللغة.
ويرى الناشط الإعلامي محمد بن طعري أن الحفاظ على اللغة السقطرية مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والثقافية، ويمكن تعزيزها عبر تشجيع استخدامها في المنازل وبين أفراد الأسرة، وتوثيق القصص والأشعار والأمثال كتابةً وتسجيلًا صوتيا، وإدراجها ضمن الأنشطة المدرسية والفعاليات الثقافية، ودعم المبادرات الإعلامية التي تقدم محتوى باللغة السقطرية، وتنظيم مسابقات وبرامج شبابية تعزز حضورها بين الأجيال الجديدة.

ويشير إلى تأثير التعليم الرسمي باللغة العربية ووسائل الإعلام الحديثة على مستوى تداول اللغة السقطرية، حيث أدى ذلك إلى تراجع نسبي في استخدامها لدى بعض فئات الشباب، لا سيما في المدن، ومع ذلك، يبرز وعي متزايد بين أبناء الجيل الحالي بأهمية الحفاظ عليها، ويتجلى ذلك في تنامي الاهتمام بإحياء التراث والاحتفاء بيوم اللغة السقطرية سنويًا.
يواصل مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث جهوده للحفاظ على هذه اللغة العريقة، لتظل شاهدة على هوية السقطريين وجذورها الحميرية، ولتستمر أجيال الجزيرة في التحدث بلغة تحمل عمق التاريخ وحكمة الأجداد، وتختزن في مفرداتها تفاصيل البحر والجبل والرياح والمواسم والنبات والإنسان.
يؤكد الرميلي أن صمود اللغة السقطرية حتى اليوم يعود إلى حب أبناء سقطرى لها، باعتبارها رمز هويتهم وثقافتهم وتاريخهم وتراثهم، فهي لغة راسخة ذات جذور ممتدة في تاريخ الجزيرة منذ آلاف السنين.
وكان رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيد بن دغر قد وجه في 7 أكتوبر 2017 وزارة الثقافة بإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، بهدف توثيق الكلمات واللسان السقطري كتابة ونطقا، والبحث عما كتب باللغة العربية أو اللغات الأجنبية عن الموروث الثقافي والبيئي لأرخبيل سقطرى، بما يسهم في صون هذا الإرث اللغوي والحضاري للأجيال القادمة.

