الثلاثاء, فبراير 24, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

العمارة الحديثة في الضالع: تحولات تعيد تشكيل ملامح الريف

بين الجبال الشاهقة التي تعانق سحب محافظة الضالع جنوبي اليمن، تبرز منازل شامخة في ريف مديرية الشُعيب، في مشهد بديع يعكس تحولا للعمارة الحديثة مما يعيد تشكيل ملامح الريف في بيئة عرفت تاريخيا ببساطتها، ويختزل حكاية تطور ذوق معماري آخذ في التشكل، دون أن ينفصل عن الجذور المحلية.

تشتهر الشُعيب الواقعة في الجزء الغربي من المحافظة، بين سكانها بلقب “أرض القصور”، إذ تتوزع على سفوحها مبان ضخمة تمزج بين اللمسة التراثية والطابع الحديث، وأسهم موقعها الجغرافي إلى جانب وفرة الأحجار الصلبة متعددة الألوان، في خلق بيئة معمارية متجددة تمنح كل مبنى طابعا خاصا.


مواضيع مقترحة


يرى الناشط “معتصم الجلال”، من أبناء منطقة مريس التابعة للمحافظة، أن الفن المعماري في الشعيب فريد من نوعه ويختلف شكلا ومضمونا عن معظم الفنون المعمارية في اليمن، مشيرا إلى أن ظاهرة تشييد الأبراج والمنازل الشاهقة في الريف، تحمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة، تعود إلى تاريخ طويل شكل وعي أبناء المنطقة، ودفعهم لمواجهة الجغرافيا بروح التحدي.

ويضيف الجلال في حديثه لـ”ريف اليمن” أن أبناء الشُعيب يعيدون إنتاج تجربة أسلافهم، ولكن بأدوات العصر، ليقولوا هذه المرة “نحن هنا، فوق الجبل، أقرب إلى السماء”، في تجاوز لمخاوف التاريخ وتجارب الماضي.

وتلعب الأيديولوجيا القبلية دورا في هذا التوجه، حيث تمثل الهيبة الاجتماعية والوجاهة والحضور قيما أساسية، إلى درجة أصبح فيها المنزل الشاهق المزخرف في الريف مصدر فخر نفسي، ورمزا للوجود أكثر من كونه حاجة سكنية بحتة.

بالعمارة الحديثة بات الريف يضاهي الحواضر في فخامته وتنظيمه، حيث تراعى في البناء أدق التفاصيل؛ من الزخارف الحجرية إلى تناسق الألوان وتوزيع النوافذ والنقوش، فيما تبدو الجبال المحيطة كمعارض مفتوحة لفن البناء الريفي الحديث.

التطور العمراني يعكس نضجا في الوعي العمراني وحرصا على إبراز الهوية المحلية بطريقة تجمع بين التحضر والانتماء.

يقول “منصور عبده”، أحد زوار المنطقة، لـ “ريف اليمن”، إن التجول بين قرى الشُعيب يكشف عن تناغم بصري مميز بين الأحجار المزخرفة والألوان الزاهية والنقوش الدقيقة التي تزين جدران القصور والعمائر، في صورة تعكس وعيا متناميا بجماليات البناء والاهتمام بالتفاصيل.

ويقول “محمد صالح الشعيبي”، أحد سكان المنطقة، إن النهضة المعمارية أصبحت مصدر فخر واعتزاز لأبناء الشعيب، مشيرا إلى أن حضور المغتربين ودعمهم أسهم في إدخال أنماط جديدة من البناء دون التفريط بروح التراث.

ويرى أن هذا المزج جعل الشُعيب تبدو كلوحة معمارية متجانسة رغم تفاوت الإمكانيات بين السكان، مؤكدا أن ما يحدث يمثل مسارا طبيعيا لتقدم الريف اليمني الساعي للتحديث دون فقدان جذوره.

من جانبه، يعتبر “عبدالله ناصر الشعيبي”، العائد من الاغتراب، أن التطور العمراني في الشُعيب يعكس نضجا في الوعي العمراني، وحرصا على إبراز الهوية المحلية بطريقة تجمع بين التحضر والانتماء.

ويضيف لـ”ريف اليمن” أن هذه النهضة تحولت إلى مشروع جماعي، يسعى من خلاله الأهالي لتحسين صورة قراهم أمام الزوار وأمام أنفسهم، بما يعزز روح الانتماء ويعيد تعريف مكانة الريف في الوعي العام.

أثر اقتصادي

أسهم التوسع العمراني في تنشيط الحركة الاقتصادية داخل المديرية، بدءا من شراء مواد البناء وازدهار الورش، وصولا إلى تشغيل الأيدي العاملة المحلية، ويشير الشعيبي إلى أن مشاريع البناء خلقت فرص عمل جديدة، وأسهمت في إعادة التوازن الاقتصادي للعديد من الأسر، ومنحت الريف قدرة أكبر على مواكبة التطور دون التخلي عن أصالته.

حضور المغتربين ودعمهم أسهم في إدخال أنماط جديدة من البناء دون التفريط بروح التراث

من جهته يؤكد معلم البناء المحلي “صالح علي محسن”، الذي شارك في تشييد عدد من العمائر، أن حركة البناء المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة وفّرت فرصًا واسعة للعمال المحليين. ويوضح لـ”ريف اليمن” أن معظم المشاريع يمولها مغتربون عادوا برؤية تجمع بين الأصالة والحداثة؛ ما أسهم في رفع مهارات البنائين وتحسين جودة الأعمال.

كما أدى الطلب المتزايد على الزخارف والتشطيبات الدقيقة إلى خلق تنافس إيجابي بين الحرفيين، انعكس على تحسين دخل الأسر التي تعتمد على مهن البناء والصناعات المرتبطة به، بحسب محسن.

رئيس قسم الاقتصاد الدولي في جامعة عدن الدكتور “غالب جواس” يصف النهضة العمرانية في الشُعيب بأنها مثال واضح على تأثير تحويلات المغتربين في التنمية المحلية، ويشير إلى أن الأموال الوافدة من الخارج تحولت إلى مشاريع بناء واسعة حرّكت الأسواق، ونشّطت الطلب على الأحجار المحلية ومواد البناء، ما انعكس إيجابًا على التجار والعمال.

وفي السياق ذاته، يؤكد “علي محسن سنان”، مدير مكتب الثقافة والسياحة بمحافظة الضالع، أن الطفرة العمرانية في الشُعيب نتاج عوامل متداخلة، من بينها حالة عدم الاستقرار التي دفعت كثيرين إلى توجيه أموالهم نحو العقار بوصفه استثمارًا أكثر أمانًا.

حركة البناء المتصاعدة خلال السنوات الأخيرة وفّرت فرصًا واسعة للعمال المحليين

ويضيف أن الهجرة الواسعة إلى الولايات المتحدة خلال العقود الماضية، وتزايد أعداد أبناء الشُعيب هناك، لعبت دورًا مباشرًا في تضخم حركة البناء وتحويل التحويلات المالية إلى مشاريع سكنية وقصور أعادت تشكيل الهوية العمرانية للريف.

ويرى سنان أن هذا الحراك لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية، مثل الرغبة في المباهاة أو تقليد الآخرين، أو الحاجة لإثبات الذات من خلال بناء مميز، ومع إقراره بأن توجيه هذه الأموال إلى مشاريع إنتاجية أو زراعية كان سيحقق فائدة مضاعفة، إلا أنه يعتبر أن العقار ظل الخيار الأكثر أمانًا في ظل الظروف الراهنة.

ويرى مهتمون في التراث أن ما تشهده الشُعيب من نهضة معمارية لا يمثل خروجا عن الهوية، بل تجديدا لها؛ إذ تستخدم مواد محلية وتستلهم الزخارف من التراث، بينما يتماهى الشكل العام مع متطلبات الحداثة، لافتين إلى أن البناء أصبح لغة بصرية تعبر عن تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، خاصة لدى العائدين من الاغتراب الذين حملوا رؤى جديدة للجمال والعمران.

شارك الموضوع عبر: