الخميس, فبراير 12, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

العسل الجبلي: رحلة الموت في جبال الضالع

تُعيد الحوادث المأساوية المتكررة في الأرياف اليمنية تسليط الضوء على مخاطر هواية البحث عن العسل في الجبال الوعرة، لا سيما في ظل البطالة التي تدفع الشباب إلى خوض مغامرات مميتة ومحفوفة بالمخاطر.

قبل أسابيع قليلة، هزَّت حادثة مأساوية سكان مديرية قعطبة بمحافظة الضالع، راح ضحيتها الشاب فائز الذي خرج في رحلته المعتادة مع رفاقه بحثا عن جحور النحل كما اعتاد أن يفعل، وبينما كان يواجه هجوم النحل، انزلقت قدمه من منحدر صخري شاهق، على إثرها فارق الحياة.


مواضيع مقترحة


رحلة الموت في الجبال

يروي محمد خالد، رفيق فائز، تفاصيل الفاجعة لـ “منصة ريف اليمن”، قائلاً: “اتفقنا على اللقاء قرب المكان المحدد مع صديق ثالث وعند وصولنا للمكان، كان فائز متحمسا بصورة غير مسبوقة، واثقا بمهارته في التسلق رغم افتقاره للخبرة في التعامل مع النحل”.

يلفت محمد إلى أن الجميع حاول منع رفيق من الصعود، لكنه أصر على التسلق إلى مدخل الخلية وهناك ارتكب خطأً قاتلا حين أشعل سيجارة بباب جحر النحل الجبلي، المعروف بشراسته وعدوانيته، ولم تمر ثوان حتى انقض عليه سرب النحل وبسببها سقط إلى أسفل الجبل.

ركض محمد ورفاقه للنزول للبحث عنه، لكنهم وصلوا إليه وقد فارق الحياة، حملوه على أكتافهم نحو أسفل المنحدر الجبلي وصولاً إلى أقرب مكان تستطيع السيارة الوصول إليه، وجرى نقله إلى منطقة عُزَّاب، حيث أكد لهم الأطباء أن الشاب توفي بالفعل بعد تهشُّم جسده.

يرى الناشط علوي سلمان أن اندفاع الشباب نحو البحث عن عسل النحل يعود بالدرجة الأولى إلى الظروف المعيشية القاسية التي تمر بها البلاد والتي بدورها خلقت فراغا كبيرا في حياة كثير من الشباب، فدفعتهم إلى مطاردة أي فرصة تبدو وكأنها باب رزق، سواء عبر البحث عن الكنوز أو تتبّع خلايا النحل واصطياد العسل الجبلي.


اندفاع الشباب نحو البحث عن عسل النحل يعود بالدرجة الأولى إلى الظروف المعيشية القاسية التي تمر بها البلاد


ويوضح في حديثه لـ “منصة ريف اليمن” أن هذه المغامرات ليست بلا ثمن، فمعظم من يندفعون نحوها يفعلون ذلك بنشوة طيش، دون تقدير لما قد يترتب عليها من كارثة أو أذى قد يودي بحياتهم إلى الموت كما حدث مع رفيق.

لا يقتصر الأمر على الدافع المادي فقط؛ إذ يهوى الكثيرون من سكان الأرياف البحث عن العسل في الجبال، متأثرين بالآخرين.

هواية مهددة

يحكي الشاب فهمي رضوان، أحد سكان مديرية جحاف في محافظة الضالع، أنه بدأ ملاحقة النحل كهواية قبل عشرة أعوام، وعلى الرغم من شغفه، كاد أن يدفع الثمن غاليا في بداياته.

يروي فهمي تفاصيل تلك التجربة لـ “منصة ريف اليمن”، ويقول: “في إحدى محاولاتي الأولى، تسلَّقت جبلًا في منطقتنا للوصول إلى جحر نحل جبلي، معتمدًا فقط على حماسي واندفاعي، لم أدرك حينها أن الحبل الذي يشدّه رفاقي بدأ يتمزق ببطء.

ويضيف: “تنبهنا إلى الخطر في اللحظات الأخيرة، وسارعوا إلى إنزالي قبل أن ينقطع الحبل تماما وأهوي من ارتفاع شاهق، وعندما اقتربت من الأرض، انقطع الحبل أخيرا، فسقطت سقوطا خفيفا، ونجوت من موت محقق كان ينتظرني لو حدث الانقطاع وأنا ما زلت معلَّقا في أعلى الجرف.”

يُقر رضوان بأنه يغامر دون أدوات سلامة، معتمدا على مهاراته البدوية وشغفه في تربية النحل، ويلفت إلى أنه في الغالب لا يبحث عن النحل لجني العسل فحسب، بل لاستخراجه وتربيته في منزله.


كثير من المناطق التي اشتهرت تاريخيًا بالعسل الجبلي بدأت تشهد تراجعًا واضحًا نتيجة التحطيب، وتآكل الغطاء النباتي


من جانبه يؤكد النحَّال الجبلي عبيد العمري (37 عامًا)، وهو نحَّال شغوف قادم من أعماق الضالع، بأن التعامل مع النحل ليس مجرد مهنة، بل هو امتداد لخبرة ورثها عن آبائه منذ أكثر من عشرين عامًا.

يمارس العمري العمل بطرق بدائية، تعتمد على الفطرة والتقليد والحواس التي تشكَّلت داخل الجبال وبين وديان الأزارق وجحاف. إذ يقول”:رحلة جمع العسل تبدأ دائما من مراقبة حركة النحل وتتبع مساراته بين الصخور والأشجار”.

رغم ما تحمله الجبال من مخاطر، يؤكد العمري أن العسل الجبلي ما يزال مصدر رزق أساسي، فهو “عسل مرعى” خفيف اللزوجة، حلو الطعم، وله قيمة عالية في الأسواق، ومع ذلك يعبّر عن حزنه لأن أعداد النحل بدأت تقل تدريجيتا، ويربط ذلك بتراجع الأشجار المعمرة بسبب التحطيب، والجفاف، وتغيرات الطقس، ما جعل بيئة النحل تنحسر عامًا بعد عام.

العسل الجبلي والمناخ

مع تزايد الإقبال في صفوف الشباب نحو البحث عن عسل النحل، يقدِّم الدكتور محمد الشرحي، أستاذ علوم النحل بجامعة ذمار، قراءة مختلفة تُبعد النقاش عن لحظة الحادثة وتُعيده إلى جذور المشكلة فالبيئة نفسها تغيّرت، والنحل الجبلي تغيَّر معها.

يصف الشرحي النحل الجبلي بأنه “نتاج منظومة طبيعية دقيقة” تعتمد على الأشجار المعمّرة وتنوع الرحيق في المرتفعات. ويشرح أن كثيرًا من المناطق التي اشتهرت تاريخيًا بالعسل الجبلي بدأت تشهد تراجعًا واضحًا في أعداد النحل، نتيجة التحطيب، وتآكل الغطاء النباتي، وامتداد سنوات الجفاف.


خصائص النحل الجبلي ليست عادية، فهو أكثر دفاعية وحساسية لأي إزعاج، ويحتاج إلى معرفة علمية للتعامل معه


هذه التحولات – كما يقول – تمسّ دورة حياة النحل وتضعف طوائفه، وتقلّل من قدرته على البقاء والتكاثر، الأمر الذي ينعكس مباشرة على جودة العسل وكميته.

ويضيف الشرحي أن خصائص النحل الجبلي ليست عادية، فهو أكثر دفاعية وحساسية لأي إزعاج، ويحتاج إلى معرفة علمية للتعامل معه، وليس مجرد ممارسة موروثة.

ويشير إلى أن بعض عمليات جني العسل التقليدية، حتى حين تمرّ بسلام، تخلّف أثرًا بيئيًا خطيرًا يتمثل في تدمير الجحور الطبيعية للنحل، ما يسرّع اختفاءه من الجبال.

عن الحلول، وضع الشرحي عددا من الخطوات للتحوّل نحو تربية النحل الحديثة كخيار اقتصادي آمن، بشرط أن يترافق مع تدريب حقيقي على إدارة الطوائف، واختيار مواقع مناسبة غنية بالرحيق وبعيدة عن الرش بالمبيدات، وتوفير الحد الأدنى من الأدوات الحديثة التي تسمح بإنتاج جيد دون المساس بالطبيعة الجبلية.

ويؤكد أن صَوْن النحل الجبلي يتطلب سياسات زراعية واضحة ودعمًا من الجمعيات البيئية، معتبرًا أن حماية الغطاء النباتي وتشجيع التربية الحديثة هما “الركيزة الأولى لإنقاذ الإرث الطبيعي الذي تتعلق به حياة آلاف الأسر في الريف.”

ويوجد حوالي 100 ألف أسرة تعمل في مجال تربية النحل، وتعتمد عليها بوصفها المصدر الوحيد للدخل”. ويعود تاريخ تربية النحل في اليمن إلى بداية الألفية الأولى قبل الميلاد على الأقل، وكانت تربية النحل تشكل جزءًا لا غنى عنه من الحياة الاقتصادية في اليمن، بحسب تقارير المنظمات الأممية في اليمن.

شارك الموضوع عبر: