الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

«العُثْرُب» طب الأجداد مازال يستخدم كدواء في الريف

تتمسك السيدة تهاني (35 عاماً)، إحدى سكان منطقة جبلة بمحافظة إب وسط اليمن، باستخدام أشجار العُثْرُب في العلاج، وتقول: “ورثنا هذه الوصفات عن الآباء والجدات، ووجدنا فيها شفاءً للعديد من الأمراض”، لكن الأطباء لديهم إرشادات باستهلاكها كدواء.

كانت أشجار العثرب حاضرة كجزء من طعام اليمنيين، كما أنها تُستخدم دواءً للعديد من الأمراض، لكنها تراجعت تدريجياً بين الأجيال اللاحقة، مع توفر المسكنات والأدوية، بالإضافة إلى سياق تطور المجتمع، لكن كثيراً من سكان القرى الريفية ما زالوا يعتقدون بأهمية العثرب.

والعُثْرُب هو نبات مُعَمِّر ينمو في جبال ووديان الريف اليمني ولا يحتاج لعناية، ويتميز بأوراقه الخضراء وزهوره ذات اللون الأحمر، ويُعرف علمياً باسم «Rumex nervosus» ويُستخدم تقليدياً في الطب الشعبي، لكن إلى الآن لم تُجرَ أي دراسات حوله.


مواضيع مقترحة


طب الأجداد

تستمر السيدة تهاني ومعها الكثير من سكان القرى الريفية في اليمن باستخدام نبات العُثْرُب ضمن الطب الشعبي، كعلاج لمجموعة من الأمراض التي تشمل مشكلات الكبد، والإسهال، واضطرابات المعدة، والحكة الجلدية، بالإضافة إلى دوره في تنظيم الدورة الشهرية وزيادة الخصوبة.

توضح تهاني: “نحن نستخدم العُثْرُب لعلاج العديد من الأمراض، منها القيء والإسهالات، ولدينا عدة طرق لاستخدامه، فنحن إما نأكله مباشرة بعد غسله وهو أخضر، أو نقوم بدق أوراقه ووضعها في فم المريض الذي يعاني من تقرحات الفم والتهابات اللثة”.

العثرب طب الأجداد مازال يستخدم كدواء في الريف
نبتة العثرب مزهرة فب فصل الخريف في المرتفعات الجبلية (ريف اليمن)

وتضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “نستخدمه مطبوخاً؛ عبر وضعه في ماء على النار حتى الغليان، ثم نخرجه ونعصره، وتُستخدم هذه الوصفة بالتحديد لعلاج حالات الإسهال والقيء”.

“كما يستخدم البعض العُثْرُب أيضاً في علاج الأمراض الجلدية مثل الجدري والجرب، حيث تعمل الأوراق المطبوخة كمستحضرات موضعية لتخفيف الحكة”، بحسب تهاني.

من جانبه يؤكد الطبيب “محمد عبد الكريم القيسي”، أنه بناءً على بحثه واطلاعه على العُثْرُب، وما كان سائداً في الطب القديم، فإنها نبتة استخدمها الأجداد للتداوي من العديد من الأمراض، وكانت تمثل لهم نمط حياة، وغذاء شبه يومي.

واستدرك القيسي في حديثه لـ “منصة ريف اليمن”: “لكن في منظور الطب الحديث، وبخاصة أن دراستنا العلمية كانت في بلدان أجنبية لا تتوفر فيها هذه النبتة، فلم تُجرَ حتى الآن دراسات بحثية علمية كافية عليها باستخدامها كدواء”.

وينصح الدكتور القيسي المرضى بألا يستهلكوا العُثْرُب بشكل مُفرط، تجنباً لأي تأثيرات عكسية أو مردود سلبي قد يترتب على ذلك. وقال: “آمل أن يتم إجراء أبحاث متعمقة في بلداننا العربية حول هذه النبتة وفوائدها الصحية والعلاجية، وإخضاعها للتجارب السريرية”.

أما الدكتور “محمد مُثنَّى”، المتخصص في الطب البديل، فيقول لـ”منصة ريف اليمن” إن عشبة العُثْرُب مهمة جداً وغنية بالفيتامينات، كما أنها تقوي المناعة وتفيد في علاج الالتهابات، وخاصة التهابات المسالك البولية. لكنه مع ذلك، لا يؤيد التداوي بها بشكل كبير أو بإفراط.


ينصح الطبيب القيسي المرضى بألا يستهلكوا العُثْرُب بشكل مُفرط، تجنباً لأي تأثيرات عكسية أو مردود سلبي قد يترتب على ذلك


في المقابل، ترى الإعلامية اليمنية الدكتورة “سمية العبسي” أن النبتة تمثل علاجاً نافعاً للعديد من الأمراض التي أثبتت فعاليتها، وتشير إلى فائدتها الكبيرة في التسنين عند الأطفال؛ حيث تُطحن أوراق النبتة وتُخلط بالماء ثم تُوضع على رأس الطفل. كما تُستخدم في علاج الأمراض التناسلية لدى النساء.

وتؤكد الدكتورة العبسي المقيمة في ماليزيا، في حيدثها لـ “منصة ريف اليمن”، أنها تحن لتلك النبتة التي كانت تزين طرقات ريف تعز، وكانت تستمتع بلذة مذاقها كوجبة تقليدية متوارثة.

جزء من الطعام

ترى الكثير من الجدات في الريف اليمني بنبات العُثْرُب وجبة مفضلة، من بينهن الحاجة “صالحة الجبري (70 عاماً)”، التي تنحدر من إحدى قرى ريف ذمار، إذ تعتبر العُثْرُب وجبتها المفضلة، حيث تضيف أوراقه إلى السلطة واللبن والحليب البلدي مع السحاوق في وجبتي الإفطار أو الغداء.

بعض السكان لايرون في نبته “العثرب” إلا جزء من الحطب في منازلهم (ريف اليمن)

وتؤكد صالحة لـ “منصة ريف اليمن” أنها تعتني بزراعة شجرة العُثْرُب جوار منزلها، وتحرص على تنظيفها من الحشرات والأوراق الصفراء وسقيها في فصل الشتاء حمايةً لها من الاندثار.

على الرغم من انتشار شجرة العُثْرُب في العديد من الأرياف اليمنية، إلا أنها لا تتوافر في أرياف أخرى كأرياف شرعب. ولذلك، يحرص سكان شرعب على جلبها من الأرياف المجاورة أو من الجبال أثناء سفرهم إلى صنعاء، حيث يقلعونها ويزرعونها في أوديتهم وجوار منازلهم، ليصنعوا منها وجبتهم المفضلة.

ترى السيدة “سلام سعيد” أن شجرة العُثْرُب التي استقدمتها من إحدى جبال نقيل سمارة أثناء عودتها من صنعاء إلى بلدتها هي الشجرة التي لا تستغني عنها هي وأسرتها؛ فهي تعتني بها وتخشى عليها من الاندثار لعدم توفرها في منطقتهم.

وتقول سلام لـ منصة ريف اليمن: “شجرة العُثْرُب هي طعامي المفضل؛ أضيف أوراقها في الكثير من الوجبات كالسلطة والسحاوق والزبادي. كما أنها علاج رباني للعديد من الأمراض؛ أضعها على لدغات الحشرات لأولادي، وكذلك تستخدم لعلاج المغص وغيره من الأمراض”.

بين الاحتطاب ومخاوف الاندثار

في حراز غربي صنعاء، تنتشر شجرة العُثْرُب على مرتفعات الجبال وضفاف البرك والسدود. لكن الأغلبية الساحقة من الأهالي لا يرون فيها سوى أعواد يشعلونها لطهي طعامهم، إلا في حالات نادرة، تُستخدم النبتة كعلاج للحروق والكدمات.

تقول “فاطمة الصبري” لـ “منصة ريف اليمن” إنها لا ترى في العُثْرُب إلا مصدراً للحطب، حيث تجمع عيدانه بعد أن تجفّ لتشعلها في الطهي، أو تضع أوراقه المطبوخة موضعياً على الحروق والكدمات.

على الطرف الآخر، العديد من جيل الشباب الحالي لا يعلم شيئاً عن أشجار العُثْرُب. إذ تتساءل “أسماء البنوري (24 عاماً)” باستغراب عن اسمها وشكلها ونوعها، مؤكدة أنها تسمع عنها وعن فوائدها لأول مرة. وتوضح لـ “منصة ريف اليمن”: “أنا لا أعرف سوى ورق الجرجير والخس والبقدونس”.

رعاة الاغنام في الريف يأكلون “العثرب” من أشجاره طازجاً ويعتقدون أنه مفيد (ريف اليمن)

ياسمين الراشدي، مهندسة زراعية، ترى أن نبتة العُثْرُب، إذا ما خضعت لتجارب ودراسات علمية، سيكون لها نصيب الأسد في علاج الكثير من الأمراض.

وتقول ياسمين لـ “منصة ريف اليمن”: “من خلال أبحاثنا الزراعية للعديد من الأعشاب والنباتات، وجدنا أن نبتة العُثْرُب تعالج أمراضاً منها أمراض المعدة والأمعاء، وتُستخدم لطرد البعوض عبر مسح أوراق العشبة على مكان الألم. ولها العديد من الفوائد الصحية والغذائية”.

تنهي الراشدي حديثها مشددةً على ضرورة الاهتمام بهذه النبتة التي تنمو في الجبال والوديان، وتتحمل قساوة التغيرات المناخية، لذلك يجب الحفاظ عليها وحمايتها من الاندثار.

شارك الموضوع عبر: