الأحد, أبريل 26, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

‹الظهرة› في المحويت: قرية قاومت حصار التضاريس

في أعالي جبال بني سعد بمحافظة المحويت وتحديدا في ‹قرية الظهرة› يخوض الأهالي معركة صامتة في التضاريس الوعرة بهدف شق طريق بعد سنوات طويلة من العزلة والمعاناة والحرمان من أبسط مقومات الحياة.

القرية التي كانت قبل نصف قرن عبارة عن أسرتين فقط، ارتفع عدد سكانها اليوم إلى نحو 350 نسمة موزعين على 35 أسرة، ما جعل الحاجة إلى طريق آمن مسألة حياة أو موت لإنهاء الحياة الشاقة التي يعيشونها، ومن هنا قررا شق الطريق بأيديهم.

تعيش ‹قرية الظهرة› في عزلة قاسية عن العام الخارجي في قمة جبلية وعرة وتعاني من صعوبات لا تنتهي حولت حياة سكانها إلى مأساة وذكريات مؤلمة بالفواجع ولا يسمع صداها أحد، سوى الأهالي الذين يكافحون من أجل توفير سبل العيش.


مواضيع مقترحة


بدأت مبادرة الأهالي لشق الطريق قبل ثلاث سنوات، وأنجزوا نحو 70 بالمئة بأيديهم دون أي تدخل من جهات رسمية، لكن اكتمال مشروع الطريق مازال متعثر. وكتب حسن الظهرة ‹ما يحز في النفس أن جهاتنا الرسمية لم تحرك ساكن›.

‹الظهرة› في المحويت: قرية قاومت حصار التضاريس
قرية الظهرة في جبال بني سعد بمحافظة المحويت اليمنية

قرية الظهرة والمعاناة

يستعيد ‹حسن الظهرة› واحدة من أكثر الفواجع إيلاما في حياته، حين فقد ابنه، الطالب في الصف الثامن، أثناء توجهه لجلب علبة سمن عبر “العقبة”، وهي ممر جبلي شديد الانحدار والخطورة.

يقول الظهرة لـ “ريف اليمن”: “زلت (تدحرجت) قدم ولدي وسقط من الجبل، بحثنا عنه ليلا بالكشافات اليدوية، ولم نعثر عليه إلا جثة هامدة بين الصخور والأشجار”.

لا تتوقف المأساة عند هذه الحادثة، إذ يشير الظهرة إلى سجل طويل من الحوادث التي شهدتها القرية، بينها سقوط ثلاث نساء ورجل وطفل أثناء التنقل أو جمع العلف، إلى جانب حالات ولادة متعسرة اضطرت فيها نساء إلى الوضع في الطريق قبل الوصول إلى المركز الصحي، نجا منها ثلاثة أطفال، فيما توفي طفل واحد.

ويروي حادثة أخرى تعود إلى زمن يشبه عصور ما قبل الطب، حين داهم المخاض امرأة في الطريق الجبلي، ولم يكن بجوارها سوى شقيقتها، ويقول بصوت يملؤوه الألم: “اضطرت أختها إلى قطع الحبل السري بحجر حاد وجدته في الطريق، ثم لفّت الرضيع بخمارها، وعادت بهما والدم ينزف. نجت الأم وطفلها بأعجوبة”.

لا تقف المعاناة عند هذا الحد، فوعورة الطريق تجبر الأهالي على حمل احتياجاتهم الأساسية فوق ظهورهم، من أكياس الدقيق إلى مواد البناء، فيما تسقط أسطوانات الغاز أحيانًا من على ظهور من يحملها في المنحدرات، مسببة خسائر ومخاطر إضافية.

يوضح الظهرة أنه عندما يمرض أحد السكان، يطلق الأهالي نداء الفزعة، ويحملونه على نعش خشبي فوق الأكتاف حتى أقرب نقطة تصلها السيارات، وكثيراً ما يفارق المرضى الحياة في الطريق بسبب التأخير في إسعافهم والمضاعفات التي تزيد أثناء نقلهم.

‹الظهرة› في المحويت: قرية قاومت حصار التضاريس
نقل أحدى المرضى في “قرية الظهرة” فوق أكتاف الرجال وهي الطريقة الوحيدة للإسعاف (حسن الظهرة)

قصة بدء شق الطريق

بسبب اشتداد المعاناة، اضطرت أسر عديدة إلى الهجرة نحو صنعاء ومدن أخرى بحثًا عن حياة أقل قسوة، لكن من تبقى من الأهالي لم ينتظروا الوعود ولا المعجزات، بل حملوا معاولهم ومعداتهم البسيطة لشق طريق الحياة بأنفسهم، في مبادرة سطرت بدم والموت.

يقول حسن الظهرة: “كان الطريق حلما يراودنا منذ سنوات، لكن البداية الحقيقية جاءت في الثاني من يناير 2024، خلال عرس ابنتي، حين حضر ضيوف من خارج المنطقة وعانوا كثيرا في الوصول، وقالوا لنا: إلى متى ستبقون بلا طريق؟”.

ورغم شدة التضاريس، تمكن الأهالي من إنجاز نحو 70% من الطريق، في إنجاز وصفه السكان بأنه ما عجزت عنه المؤسسات الرسمية، ويضيف: “طرحوا فكرة مبادرة مجتمعية، فوافقت فورا، ووضعت كل ما أستطيع تحت تصرف المشروع، وبدأنا بما توفر لدينا من أدوات بسيطة”.

ويوضح الظهرة لـ”ريف اليمن”، “استخدمنا آلاف القطع من الديناميت، بما يعادل نحو 50 كيس باروت، وبنينا جدرانا ساندة تجاوزت 100 ألف حجر ولبنة، وكل ذلك بجهود ذاتية وعلى الأكتاف.

تحديات وغياب الدعم

ورغم هذا الجهد الكبير يشكو الأهالي من غياب الدعم الرسمي، مؤكدين أن مناشداتهم المتكررة للجهات المعنية لم تلق استجابة، ما اضطرهم للاعتماد على تبرعات المغتربين وأهل الخير لتوفير الديزل والباروت ومتطلبات العمل.

لا يزال الطريق متوقفا عند نسبة 70%، بانتظار استكمال ما تبقى، والذي يحتاج إلى مواد إسمنتية وسواند هندسية لربط الأجزاء المنجزة وتأمينها، الطريق مقطوعة حالياً من الجانبين بانتظار هذه الاحتياجات لاستئناف العمل.

‹الظهرة› في المحويت: قرية قاومت حصار التضاريس
جانب من الطريق التي يشقها أهالي قرية “الظهرة” في المحويت

تكشف التقديرات حجم التضحية التي قدمها السكان، إذ لم تتجاوز التكاليف النقدية المباشرة 7 ملايين ريال، جمعت من تبرعات المغتربين وأهل الخير، بينما قدرت جهة هندسية قيمة الجهد البدني الذي بذله الأهالي بأكثر من 400 مليون ريال لو نُفذ المشروع عبر مقاول.

يصف علي الظفيري أحد وجهاء القرية معاناة السكان قائلاً “أهالي الظهرة كانوا يعانون أشد المعاناة، وأكثر ما يؤلم هو نقل المرضى أو النساء في حالات عسر الولادة، وكذلك حمل احتياجاتهم من المواد الغذائية كالطحين وغيرها فوق الأكتاف في تلك المسالك الوعرة”.

ويضيف الظفيري الذي كان له دور بارز في انطلاقة المشروع لـ”ريف اليمن”: “كان تردد الأهالي في شق الطريق نابعًا من غياب التخطيط الرسمي من قبل الدولة، فتواصلت مع قيادة المجلس المحلي، فأرسلوا مهندس الوحدة التنفيذية، وقام بالتخطيط لمسار الطريق”.

عزيمة المجتمع

ويبرز في هذا المشهد صوت آخر من القرية، مدرس الفيزياء رشيد الشويع، الذي واكب المبادرة منذ بدايتها وكان له دور محفّز ومشجع للأهالي، فقد أوضح للسكان أهمية السماح بشق الطريق في أراضيهم، وساهم في إقناعهم بأن المشروع ضرورة حياتية لا يمكن تأجيلها.

ويقول الشويع لـ”ريف اليمن”: “قرية الظهرة كانت معزولة عن العالم، ولا يربطها به سوى أنها موجودة على الخارطة فقط، أهلها بسطاء ومهمشون، لا يملكون حتى طريقًا للمواشي، ويحملون زادهم ودقيقهم على رؤوسهم جيلاً بعد جيل دون أن تلتفت إليهم الدولة أو تصلهم المنظمات”.

ويضيف: “مشروع طريق الظهرة نشأ من العدم بعزيمة الرجال، بعد أن ضاق بهم الحال وازدحمت القرية بنحو 300 نسمة، مؤكدا أن الأهالي بحاجة إلى من يقف بجانبهم، ولو بمواد غذائية تساعدهم على الاستمرار في العمل حتى حتى يكتمل حلم الطريق الذي بدأوه بعرقهم وصبرهم.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة الانمائي«UNDP» أصبحت الحياة أكثر صعوبة في المجتمعات الريفية في اليمن بسبب تقيد الطرق الوعرة الوصول إلى الخدمات الحيوية والموارد والتعليم وفرص العمل والإمدادات الغذائية.

وخلال السنوات الماضية عملت المبادرات المجتمعية في عددٍ من القرى الريفية بمختلف المحافظات على تخفيف المعاناة عن مئات الآلاف من اليمنيين وتلبية احتياجاتهم بإصلاح الطرقات وفتح أخرى، لتحسين شبكات الطرقات، وتمكين السكان من التنقل بسهولة في العديد من القرى الجبلية.

شارك الموضوع عبر: