الأربعاء, فبراير 18, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

الضالع: مياه الصرف الصحي تهدد بكارثة صحية وبيئية

يواجه سكان القرى الريفية بمحافظة الضالع مخاطر صحية وبيئية، تهدد حياتهم اليومية عبر مصادر مياه الشرب والتربة والهواء؛ بسبب غياب شبكات الصرف الصحي؛ إذ يضطر الأهالي إلى الاعتماد على الحفر أو تصريف المياه في مجاري السيول والأودية.

خلال السنوات الماضية تحولت القرى الريفية إلى بيئة خصبة لتلوث المياه الجوفية وانتشار الأمراض الجلدية والمعوية؛ إذ تتفاقم معاناة الأسر بفعل الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات الناقلة للأوبئة، في حين تتضاعف الأعباء المالية المترتبة على تكاليف العلاج لا سيما في ظل أوضاعاً معيشية متدنية.

تُعبر السيدة “أمينة علي”، إحدى سكان قعطبة، عن معاناة السكان فتقول: “يعيش الأهالي معاناة يومية بسبب انعدام شبكات الصرف الصحي، إذ يُجبرون على حفر صغيرة بجوار المنازل، بينما تلجأ بعض الأسر إلى تصريف المجاري في مجاري السيول لعدم قدرتها على الحفر بسبب وضعهم المادي”.


مواضيع مقترحة 

حياة مثقلة بالمخاطر

في ظل غياب مشاريع الصرف الصحي في أرياف محافظة الضالع، تجد الأسر الريفية نفسها مضطرة للاعتماد على وسائل بدائية كالحُفر الامتصاصية أو التصريف العشوائي. هذا الواقع يضاعف المخاطر الصحية والبيئية يوماً بعد آخر.

تؤكد أمينة علي أن هذا الوضع يتسبب بتفاقم تلوث المياه وانتشار الروائح الكريهة. وقد انعكس هذا الواقع بشكل مباشر على صحة الأطفال الذين يعانون من التهابات معوية وإسهالات متكررة، كما أُصيبت الكثير من النساء بأمراض جلدية وحكة نتيجة استخدام مياه غير نظيفة.

وتضيف: “باتت حياتنا اليومية مُثقلة بالمخاطر؛ مياه الشرب من الآبار لم تعد آمنة، والزراعة تضررت بفعل التلوث، كما تكاثرت الحشرات والبعوض بشكل مخيف، حاول الأهالي إيجاد حلول بسيطة، مثل حفر خزانات إسمنتية أو تنظيم حملات تنظيف، لكنها تبقى جهوداً محدودة لا تعالج المشكلة.

صورة تظهر مواسير الصرف الصحي خلف منازل المواطنين في محافظة الضالع (ريف اليمن)

يقول الناشط الاجتماعي “صالح عمر”، الذي ينحدر من مديرية جُبن بمحافظة الضالع: “في قرى مديريتي دمت وجُبن، ما زال الأهالي يعتمدون على حُفر مكشوفة لتصريف مياه الصرف الصحي، أو يفرغونها في جنبات القرى ومجاري السيول”. ويؤكد عمر لـ “منصة ريف اليمن” أن هذا التصرّف يفاقم تلوث البيئة ويهدد صحة السكان، خصوصاً في ظل غياب أي مشاريع حكومية لتنظيم هذا القطاع الحيوي.

يتسبب غياب شبكات الصرف الصحي في أرياف محافظة الضالع بمضاعفة المخاطر الصحية والبيئية؛ إذ يتم تصريف المياه العادمة بشكل عشوائي في الطرقات والمزارع. هذا الوضع يتسبب في تلوث مصادر المياه، وانتشار الروائح الكريهة، وتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض.

يقول مدير الطوارئ في مستشفى السلام بمحافظة الضالع “عبده السلامي” إن “المحافظة تشهد تزايداً مقلقاً في الحالات الصحية الناتجة عن تلوث المياه وسوء الصرف الصحي”، مشيراً إلى أن أبرز الأمراض المسجلة تشمل الإسهالات الحادة، والكوليرا، والتيفوئيد، إضافة إلى أمراض جلدية كالجرب والفطريات، خاصة في المناطق التي تعاني من تجمعات المياه الراكدة وتسربات المجاري.

تلوث مصادر المياه

وأوضح السلامي لـ” منصة ريف اليمن” الحالات تتزايد بشكل ملحوظ خلال موسم الأمطار؛ مما يرفع من احتمالية تفشي الأوبئة، ويؤثر بشكل خاص على الفئات الأكثر ضعفاً، مثل الأطفال دون سن الخامسة، والنساء الحوامل، وكبار السن، والنازحين في المخيمات الذين يفتقرون للخدمات الأساسية.

وأشار إلى أن المراكز الصحية في الضالع تواجه تحديات كبيرة في التعامل مع هذه الحالات، أبرزها نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وقلة الكوادر المتخصصة، وضعف البنية التحتية، فضلاً عن غياب الدعم الكافي.

بيئيًا تؤكد خبيرة البيئة “دنيا كوكا” أن اعتماد سكان أرياف الضالع على الحفر الامتصاصية والتصريف العشوائي للمياه العادمة يشكّل خطراً مباشراً على مصادر المياه الجوفية، حيث تتسرب الملوثات البكتيرية والكيماوية إلى الآبار، مما يؤدي إلى تلوث مياه الشرب.

وفي حديثها لـ “منصة ريف اليمن” أشارت كوكا إلى أن التربة والزراعة ليستا بمنأى عن هذه الآثار السلبية؛ إذ تُسهم المياه الملوثة في تملّح الأراضي الزراعية وتراجع خصوبتها، كما تنتقل الملوثات إلى المحاصيل، الأمر الذي يهدد سلامة الغذاء وصحة المستهلكين.

وعلى الرغم من غياب دراسات ميدانية شاملة في الضالع، إلا أن تقارير أممية سابقة صنّفت بعض مديرياتها كـ “بُؤَر لتفشّي الكوليرا”، مؤكدة أن معظم الآبار مهددة بالتلوث الجرثومي نتيجة القرب من مصادر الصرف البدائي.

تشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 14 مليون شخص يحرمون من إمدادات المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي (ريف اليمن)

وحذرت كوكا من أن استمرار هذا الوضع سيقود إلى أزمة بيئية وصحية مركّبة تشمل: تدهور نوعية المياه الجوفية، تفاقم الأمراض، تراجع الإنتاج الزراعي، وانتشار الأوبئة، إضافة إلى أعباء اقتصادية واجتماعية متزايدة على الأسر، مُشيرةً إلى أن هذا الواقع يستدعي تدخلاً عاجلاً لإيجاد حلول مستدامة تحمي صحة السكان وبيئتهم.

حلول مستدامة وغياب التنفيذ

أوضح المسؤولون في محافظة الضالع أن ملف الصرف الصحي ما يزال يواجه إشكالات كبيرة في ظل غياب المشاريع الحكومية منذ سنوات، وتبادل الاختصاصات بين الأشغال العامة ومؤسستي المياه ومياه الريف، حيث أكد كل طرف أن مسؤولية هذا الملف تقع خارج نطاق صلاحياته المباشرة.

على سبيل المثال أجاب مدير الأشغال بالمحافظة، “عبدالرحمن علي حمود”، بأن موضوع الصرف الصحي لا يتبعنا، فهو من اختصاص مؤسسة المياه، لكننا نقوم في المدينة بتنفيذ مشاريع الرصف والأسفلت بجهود ذاتية، ونشرف أحياناً على خطوط فرعية تنفذها بعض المنظمات.

وأضاف: عملنا هذا يأتي في إطار خدمة المحافظة، خاصة وأن مؤسسة المياه والصرف الصحي لم تنفذ أي مشاريع منذ انتقال تبعية الصرف الصحي إلى وزارة المياه عام 2005م.

من جانبه أكد مدير مياه الريف في محافظة الضالع “غازي سيف” بأنه لا توجد أنظمة صرف صحي في المناطق الريفية إطلاقاً، وإذا ما تدخلت المنظمات، فإن تدخلها يقتصر على إنشاء بيارات فردية على مستوى المنازل.

وأوضح سيف لـ “منصة ريف اليمن” توصلنا مع بعض الجهات المانحة إلى حلول جزئية، إلا أن التحديات ما تزال قائمة، أبرزها التباعد بين المنازل في القرى، وارتفاع تكاليف التنفيذ، إلى جانب عزوف المانحين عن التدخل في هذا المجال.

تشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 14 مليون شخص يحرمون من إمدادات المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي  في اليمن.

شارك الموضوع عبر: