في كثير من المناطق الريفية اليمنية، حيث تغيب المراكز الصحية وتندر الصيدليات الرسمية، برزت الصيدليات المجانية كمبادرات إنسانية أنقذت حياة كثيرين، خصوصا في ساعات الليل المتأخرة، حين تصبح المواصلات شبه معدومة، ويجد السكان أنفسهم أمام الألم بلا بدائل.
هذه الصيدليات، التي غالبا ما تقام داخل مسجد، أو في منزل أحد المتطوعين، تحولت إلى ملجأ صحي طارئ لسكان القرى، تقدم الحد الأدنى من الأدوية والإسعافات، وتخفف من معاناة المرضى، رغم ما يحيط بها من مخاطر وتحديات.
يقول الصيدلي “أحمد أنيس (29 عاما)” لـ”ريف اليمن”، إن فكرة الصيدليات المجانية (خيرية) في الأرياف جيدة ولا يمكن الاستغناء عنها، نظرا لما تقدمه من خدمات تقلل من معاناة المرضى، خاصة في القرى البعيدة عن المرافق الصحية، لكنه يحذر من مخاطرها.
مواضيع مقترحة
- مستشفى الكدرة بريف تعز: الإهمال يحرم المرضى من العلاج
- مقبنة تعز.. ثكنات الحرب تمنع إنقاذ حياة المرض
- الخدمات الصحية وصعوبة التنقل.. ثنائي يضاعف معاناة المرضى
يشير أنيس إلى أن هذه الصيدليات تحتاج إلى تطوير ذاتي وتأهيل القائمين عليها، وتزويدهم بالمعلومات الطبية الأساسية، خصوصا في التعامل مع الحالات التي يمنع فيها صرف المهدئات أو بعض الأدوية إلا بوصفة طبية، لا سيما لمرضى الضغط والسكري والقلب.
ويؤكد أن صرف الأدوية من هذه الصيدليات فيها خطورة، محذرا من صرف المهدئات دون تحر طبي، ومشددا على ضرورة توعية سكان الأرياف بمخاطر الإبر والحبوب المهدئة، وعدم استخدامها إلا بعد استشارة طبية، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة.
من جانبه، يرى الدكتور “عبدالرحمن سعيد” أن الصيدليات المجانية في القرى النائية تسد فراغا صحيا حقيقيا، وتلعب دورا مهما في الاستجابة السريعة للحالات الطارئة، كما تخفف الأعباء المالية عن السكان، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويضيف أن هذه المبادرات تعزز روح التكافل والتعاون المجتمعي، وتعكس وعيا جماعيا بأهمية خدمة الآخر، لكنه يحذر في المقابل من مخاطر حقيقية، أبرزها غياب الكادر الطبي المؤهل؛ ما قد يؤدي إلى صرف أدوية بجرعات غير مناسبة، أو تداول أدوية منتهية الصلاحية أو غير محفوظة بطريقة صحيحة، في ظل غياب الرقابة الصحية.
د. سعيد: الصيدليات الخيرية تعزز روح التكافل المجتمعي، لكنها لا تخلو من مخاطر وتوفير الكادر المؤهل مهم لضمان التعامل السليم مع المرضى.
“عبدالله عبده (35 عاما)”، أحد سكان المناطق الريفية التي تحتضن مثل هذه المبادرات، روى لـ”ريف اليمن” تجربة شخصية، حين أصيب أحد أفراد أسرته بألم شديد في المعدة في وقت متأخر من الليل، ولم تتوفر أي وسيلة مواصلات.
ويقول لـ”ريف اليمن”: “بعد محاولات فاشلة، لم نجد خيارا سوى اللجوء إلى الصيدلية المجانية، التي قدمت علاجا مهدئا خفف الألم ومنحهم فرصة الانتظار حتى الصباح”، مؤكدا أن هذه الصيدلية كانت، ولا تزال، المنقذ الوحيد لكثير من الحالات المشابهة في قريتهم.
ويشير عبده إلى أن أهمية هذه الصيدليات خلال الشتاء، حين تنتشر الحميات ونزلات البرد، خاصة بين الأطفال، في وقت يعجز فيه كثير من الأهالي عن توفير المواصلات أو تكاليف العلاج، ما يجعل هذه الصيدليات الصغيرة ملاذا اضطراريا، رغم محدودية إمكاناتها.
بدوره، يؤكد الدكتور “عبد الملك خالد (27 عاما)”، إداري في إحدى الصيدليات، أن الاهتمام بهذه المبادرات الخيرية بات ضرورة.
ويدعو إلى توفير صيدلي أو شخص حاصل على شهادة في الرعاية الصحية للإشراف عليها، لضمان التعامل السليم مع المرضى، لا سيما كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، ومنع صرف أدوية قد تؤدي إلى تفاقم حالتهم بدل إسعافها.
وتواجه الحالات المرضية في الأرياف تحديات مركبة، أبرزها غياب وسائل النقل، خاصة في الليل، وتفاقم الفقر، ونقص الأدوية، وغياب الكادر الصحي المؤهل؛ ما يجعل الاعتماد على هذه الصيدليات واقعًا لا خيارا.

ويرى مختصون أن تنظيم عمل الصيدليات الريفية، وتقنين الأدوية المتوفرة فيها لتقتصر على العلاجات البسيطة والآمنة، إلى جانب إشراف صحي دوري وتدريب القائمين عليها، يمكن أن يقلل من مخاطرها ويعزز فائدتها. كما أن دعم السلطات المحلية والمؤسسات الخيرية لهذه المبادرات، وإدماجها ضمن إطار صحي منظم، من شأنه ضمان استمراريتها وسلامة خدماتها.
ويؤكد “عبد القوي عبد الحميد (50 عاما)”، وهو أمين إحدى الصيدليات المجانية، أن هذه الصيدليات باتت ضرورة ملحة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وانتشار الأوبئة والحميات.
ويشير إلى أنها توفر الإسعافات الأولية والعلاج المهدئ، وتخفف أعباء المواصلات والتكاليف على المرضى. لكنه يشدد على حاجة هذه الصيدليات إلى دعم مستمر، وتأهيل الكوادر، وعدم التخلي عنها بعد انطلاقها.
وخلال نحو 9 سنوات من الصراع، تعرض النظام الصحي في اليمن للتدهور بشكل كبير. ووفقا لمبادرة نظام مراقبة الموارد والخدمات الصحية “هيرامز” HeRAMS، تعمل حالياً فقط 70% من المرافق الصحية بشكل كلي أو جزئي.
وفي ظل هذا الوضع تقف الصيدليات الريفية اليوم كحل إسعافي فرضته الظروف، وملاذ أخير لسكان الأرياف، لكنها تنتظر دورا أكثر فاعلية من السلطات لتنظيم يحمي حياة الناس دون أن يتركهم فريسة للمرض أو الخطأ الطبي، كما أنها تحتاج إلى دعم وتفاعل مجتمعي لاستمرارها.

