الأحد, يناير 11, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

السكر الأحمر.. صناعة تراثية ومصدر دخل

في سوق الحسيوة الشعبي بمديرية الصلو في محافظة تعز، تستوقفك محلات صغيرة منتشرة على جانبي الطريق، مخصصة لبيع السكر الأحمر (حلوى) بأنواعها المختلفة، حيث يمثل ذلك موردا حيويا للمئات لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

ينقسم السكر البلدي إلى ثلاثة أصناف رئيسية ذات خصائص مميزة هي: العطوي، وهو عبارة عن دُرق السكر الصافي، ويتميز بلونه الأحمر الداكن، والممتاز وهو الصنف الذي يتم فيه خلط كمية قليلة من حبوب السمسم المُجلجل، بالإضافة للعرائسي، ويتم خلطه مع كمية من الفول السوداني والسمسم.

الشاب “منيف عبدالعزيز ( 27عاماً)”، وجد في صناعة السكر البلدي فرصة عمل مناسبة، في ظل انعدام الفرص، لا سيما في السنوات الأخيرة التي ارتفعت فيها نسبة البطالة بشكل كبير؛ حيث لجأ إلى هذه المهنة كمصدر دخل يعينه على مواجهة صعوبات الحياة، وتوفير متطلبات الأسرة.


مواضيع مقترحة


مصدر دخل

شكلت مهنة صناعة السكر البلدي مصدر دخل للكثير من سكان الصلو، الذين بدأوا العمل من منازلهم وبطرق تقليدية، ثم توسعت حتى أصبحت هناك معامل خاصة بها، بالإضافة إلى تسويقها إلى محافظات أخرى، كما أنه يتم بيعها خارج اليمن، كالسعودية ومصر.

تُعد صناعة السكر من الصناعات التقليدية التي توارثها أبناء المنطقة جيلاً بعد آخر؛ إذ عمل فيها الآباء والأجداد منذ زمن بعيد. وبذلك، بقيت هذه المهنة جزءاً أصيلاً من هوية الحسيوة، ومصدر رزق أساسياً للعديد من الأسر فيها.

يقول منيف عبدالعزيز: “بدأت العمل منذ الطفولة، حيث كنت أساعد والدي في صناعة السكر البلدي، ولم أتمكن من إكمال تعليمي، فقد توقفت عند المرحلة الإعدادية. واليوم، يُعد عملي في صناعة السكر مصدر الدخل الوحيد لي. وعلى الرغم من وجود تحديات، فإنني أتمسك بهذه المهنة؛ لأنها توفر لي لقمة العيش”.

ويضيف منيف لـ” منصة ريف اليمن”: “بالمقارنة مع زملائي، فقد حصل بعضهم على فرص عمل أفضل، بينما لا يزال البعض الآخر يبحث عن أي فرصة لتسد احتياجاتهم”، لافتا إلى أن صناعة السكر “جزء من هويتنا وموروثنا الذي لا يمكن أن نتخلى عنه”.

“عبدالدائم دائل”، أحد تجار سوق الحسيوة الشعبي يقول: “يأتي المواطنون من مختلف المناطق المجاورة لشراء السكر البلدي من السوق، نظرا لجودته وتميزه”، ويضيف لـ “منصة ريف اليمن”: “يكثر الإقبال على شراء السكر الأحمر في المناسبات، خصوصاً في الأعياد، حيث يستخدمه الناس كهدايا أثناء زياراتهم لأقاربهم، أو لتقديمه للضيوف”.

السكر الأحمر في تعز: ميراث الأجداد شريان الحياة رغم التحديات
شكلت مهنة صناعة السكر البلدي مصدر دخل للكثير من سكان الصلو (ريف اليمن)

ميراث الأجداد

“أحمد حسين” هو الآخر وجد في العمل في صناعة السكر الأحمر فرصة مناسبة لطلب الرزق، ورثها عن جده، الذي يُعد من أوائل الأشخاص الذين عملوا فيها بمديرية الصلو، وقد عُرف عمل جده بالتميز في الجودة والإتقان، ووصل صيته إلى مدن ومناطق أخرى؛ ليأتي أحمد ويكمل هذا المشوار من خلال عمله في صناعة السكر الأحمر.

يؤكد أحمد أنه لم يفكر يوماً في مغادرة المهنة والبحث عن عمل آخر؛ لأنه أصبح جزءاً منها، خاصة وأنه عمل بها منذ نعومة أظافره وكبر معها. كما يؤكد أنها تشكل مصدر دخل أساسياً لأسرته في ظل عدم وجود فرص عمل.

وأوضح لـ “منصة ريف اليمن” أن مهنة صناعة السكر الأحمر وفرت فرص عمل كثيرة للعديد من أهل المنطقة، إلا أنه في السنوات الأخيرة قلَّ مردودها الاقتصادي؛ مما أدى إلى تراجع دخل الأسر التي تعمل فيها.

وتابع: “في بعض الأحيان، قد تحتاج معامل صناعة السكر الأحمر إلى أكثر من ثمانية عمّال، خاصة في حال وجود طلبيات كبيرة، حيث يتوزع العمل بين أفراد الفريق، بدءًا من تجهيز المكونات، مرورًا بعملية التصنيع، وانتهاءً بالتسويق والبيع”.

السكر الأحمر والنساء

لا تقتصر عملية صناعة السكر الأحمر على الرجال؛ إذ تشارك النساء فيها حيث يقمن بدور أساسي في هذه الصناعة، بدءاً من تجهيز خليط المكونات الأساسية بعناية، تمهيداً لمرحلة الطهي والتصنيع. وتقول أم هدى (اسم مستعار)، وهي إحدى النساء العاملات في صناعة السكر الأحمر: “للمرأة دور كبير في هذه المهنة”.

وتضيف لـ”منصة ريف اليمن”: “نحن نساهم في طبع السكر بأشكال وقوالب مختلفة، ونقوم برصه في كراتين، وجزء منه يقوم الرجال ببيعه وتوزيعه، وجزء آخر نبيعه من المنزل”، وتؤكد أن “هذا العمل ساعدنا كثيرا في تحسين دخل الأسرة، ونشعر بالفخر لأننا نواصل مهنة توارثناها عن أمهاتنا وجداتنا”.

السكر الأحمر في تعز: ميراث الأجداد شريان الحياة رغم التحديات
تُعد صناعة السكر من الصناعات التقليدية التي توارثها أبناء المنطقة جيلاً بعد جيل (ريف اليمن)

تسهم المرأة في مديرية الصلو بشكل فاعل في زيادة إنتاج السكر الأحمر، جنباً إلى جنب مع الرجال، مما يضمن استمرارية هذه الحرفة التقليدية، كما أن مشاركة النساء في مختلف مراحل الإنتاج، من تجهيز المكونات إلى الطباعة والتغليف، يجعل من هذه المهنة مصدر دخل مهم لعدد كبير من النساء، ويسهم في دعم أسرهن وتعزيز الاستقرار المعيشي داخل المجتمع الريفي.

التحديات والفرص

رغم انتشارها، تواجه صناعة السكر الأحمر العديد من التحديات التي تعيق استمرارها، مما أدى إلى تراجعها، بحسب “عبدالإله الحريبي” أحد العاملين السابقين بالحرفة تتمثل في ارتفاع التكاليف، وتراجع الأيدي العاملة، وغلاء المواد الخام كالسكر والسمسم بأنواعه عبئاً كبيراً.

يشير الحريبي لـ “منصة ريف اليمن” إلى أن من التحديات التي تواجه صناعة السكر الأحمر هي غلاء مادة الزنجبار المستوردة من الهند، والتي تُستخدم كبديل لقصب السكر الذي توقفت زراعته محلياً.

ويوضح: “مادة الزنجبار مستخلصة من قصب السكر الخالص، تُستورد عبر ميناء الحديدة وتمر بمناطق تهامة حتى تصل إلى مديريات الحجرية، وهي غير متوفرة طوال العام، إذ تتوفر فقط في مواسم معينة. كما يتم خلطها بالسكر الأبيض حسب الطلب، وهذا يزيد من جودتها”.

وتابع: “في السابق، كان قصب السكر يُزرع محلياً في مناطقنا، وكانت هناك معاصر لإنتاج السكر محلياً، لكن بسبب قلة الأمطار واتجاه الناس لزراعة القات، اندثرت زراعة القصب. اليوم، يُعد ‘الزنجباري غالي الثمن، لكنه يتميز بطعمه”.

السكر الأحمر في تعز: ميراث الأجداد شريان الحياة رغم التحديات
يتنوع السكر البلدي إلى ثلاثة أصناف رئيسية ذات خصائص مميزة (ريف اليمن)

أما “عبدالعزيز عبده”، وهو أحد العاملين في صناعة السكر، فيقول: “تأثرنا كثيراً بارتفاع وهبوط سعر الصرف؛ لأن أسعار المواد التي نستخدمها في صناعة السكر ارتفعت بشكل كبير. وفي الوقت نفسه، لم يعد المواطن قادراً على الشراء بالسعر الذي نحتاج أن نبيع به. هذا أثر على دخلنا، وأحياناً نخسر أو نبيع بدون ربح، فقط لتغطية التكاليف”.

يرى “صادق هزاع”، وهو ناشط مجتمعي في منطقة الحسيوة، أن “مهنة صناعة السكر الأحمر تحتاج إلى جهد وتعب كبيرين من بداية تجهيز المكونات حتى آخر مرحلة في التعبئة والتسويق، وهذا التعب يجبر كثيراً من الشباب على العزوف عنها”.

وأوضح لـ”منصة ريف اليمن”: “لا يوجد دعم ولا أدوات حديثة تساعد، وهذا يهدد باستمرارية المهنة، وقد تندثر مع الوقت إذا لم يتم الاهتمام بها ودعم أصحابها”.

في المقابل، يرى الحريبي أنه يمكن تطوير صناعة السكر الأحمر لتصبح منتجاً محلياً منافساً. ويؤكد أن هذه الصناعة تحتاج إلى دعم من الجهات الحكومية حتى يتم تطويرها، ومن ثم يمكن أن تصبح منتجاً قابلاً للتصدير للخارج.

السكر الأحمر في تعز: ميراث الأجداد شريان الحياة رغم التحديات
لا تقتصر عملية صناعة السكر الأحمر على الرجال، إذ تشارك النساء فيها حيث يقمن بدور أساسي في هذه الصناعة (ريف اليمن)

ويلخص الحريبي خطوات مطلوبة لتطوير الصناعة، أبرزها: بناء معامل خاصة نظيفة ومجهزة بالتهوية الكافية بحيث يتكون المعمل من قسمين: الأول للصناعة والتجهيز، والآخر للبيع، وتوفير الآلات المناسبة لتجهيز الخليط الذي يُصنع منه السكر؛ مما يخفف الجهد اليدوي في تحريك الخليط على النار؛ الأمر الذي قد يشكل خطراً على سلامتهم الجسدية.

بالإضافة إلى دعم العاملين بتوفير أدوات السلامة المهنية، ومنها القفازات العازلة للحرارة، وملابس خاصة بالعمال، وكمامات صحية لمنع استنشاق الأدخنة التي تنبعث أثناء طهي الخليط.

ويختم حديثه بالتشديد على ضرورة توفير المكونات المستخدمة ذات الجودة العالية، ومنها السمسم وحب العزيز (الفول السوداني)، وتشجيع زراعتها ودعم المزارعين.

شارك الموضوع عبر: