الثلاثاء, مارس 10, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

الزراعة الرمضانية.. الحفاظ على إرث الأجداد

في شهر رمضان المبارك من كل عام، تنتشر الزراعية الرمضانية وتتحول المساحات الصغيرة المحيطة بالمنازل الريفية إلى “مجاول” أو “حواكير” (مزارع منزلية مصغرة)، تُزرع فيها الخضروات الخاصة بالشهر الفضيل، مثل الكراث والبقل والكزبرة وغيرها من النباتات الرمضانية.

وتُعد هذه الزراعة طقسا ريفيا سنويا لا يكتفي بمواجهة الارتفاع الموسمي لأسعار الخضروات في الأسواق فحسب، بل ينسج للقرويين أجواء روحانية خاصة، تجعل من الصيام والزراعة طقسين يتعانقان في رحاب الطبيعة.

إرث الأجداد

في منطقة قدس جنوب تعز، يقف الحاج عبدالسلام حمود (70 عامًا) بملامحه التي تشبه تجاعيد الأرض، يتأمل حوضه الزراعي الذي تفوح منه روائح البقل والزعتر، يمرر يده الخشنة على أوراق الخضروات الندية ويقول لـ”ريف اليمن”: منذ خمسين عاما، وما إن نقترب من شهر رمضان، حتى نحول محيط البيت إلى مزرعة رمضانية”.


مواضيع مقترحة


يتنفس الحاج عبدالسلام بعمق، وكأنه يستنشق ذكريات السنين، ويضيف:”نزرع في هذا المكان الصغير ما يغطي احتياجات الأسرة ويخفف عنا كاهل المصروف، فهنا تجد البقل، والكراث، والثومة، والبسباس (الفلفل الحار)، والبصل الأخضر، والزعتر، والكُبَش (الملفوف)، والنبتة المعروفة محليا بـ”الخوعة”.

ولا يخفي الحاج حمود غصته من تراجع هذه العادة بسبب شح الأمطار وضعف اهتمام الأجيال الشابة بعادات الآباء، متمنيًا أن تحظى هذه الزراعة المنزلية بدعم يجعلها تنبض بالحياة طوال العام، لا أن تذبل برحيل الشهر الفضيل.

في الأرياف، لا يكتمل الجو الرمضاني ولا تتزين مائدة الإفطار إلا برائحة الخوعة النفاذة التي تتسلل من النوافذ، تلك النبتة العطرية التي تعانق الحقين الرائب في طبق الشفوت التراثي.

الزراعة الرمضانية.. الحفاظ على إرث الأجداد
يتم زراعة الخاصة بالشهر الفضيل، مثل الكراث والبقل والكزبرة وغيرها من النباتات الرمضانية

المزارع سعد أحمد اليوسفي يمتلك هو الآخر مساحة صغيرة بجوار منزله، يطلق عليها بحب اسم “المجول”، وهو الحوض المخصص عادة لزراعة النباتات العطرية، لكنه في رمضان يتحول إلى سلة غذاء خضراء مصغرة.

الانتماء للأرض

يقول اليوسفي لـ “ريف اليمن”: الزراعة اليدوية لها مذاق خاص يجعل رمضان أكثر لطفًا وفرحًا، فهي تعزز شعورنا بالانتماء لهذه الأرض التي تطعمنا وقت الحاجة، لافتا أنه يزرع في المجول الطماطم والكزبرة والبقدونس والبقل، وقطفها طازجة قبل الأذان”.

وفي لوحة تجسد عمق الارتباط بالأرض، يروي اليوسفي كيف يتغلب هو وأسرته على أزمة الجفاف؛ إذ يجمعون مياه غسل الأيدي أو الخضروات في المطبخ ليعيدوا استخدامها في ري المجول، في عملية تدوير عائلية بسيطة تضمن بقاء الخضرة حية في قلب الجفاف.

في جبل صبر، حيث تلامس السحب القرى والمدرجات الزراعية، لا تعد زراعة الخضروات مجرد وسيلة لسد رمق الجوع، بل مهرجانا لاستقبال شهر الصيام، ويرى المزارع مهيوب الصبري أن بهجة رمضان تبدأ منذ لحظة تقليب التربة وبذر البذور.

الزراعة الرمضانية.. الحفاظ على إرث الأجداد
عبدالقادر:نزرع الأرض طوال العام لكن في رمضان نضاعف الاهتمام فالمنتج المحلي أقل تكلفة(ريف اليمن)

يقول الصبري لـ”ريف اليمن”:”كل عام قبل رمضان نجهز مساحة زراعية صغيرة، وهذا ليس مجرد عمل، بل طقس أساسي وجزء من فرحتنا الرمضانية التي لا تكتمل البهجة إلا بها “.

ورغم شح المياه الذي يعتصر الجبال، يأبى الصبري أن يترك مزرعته للعطش؛ إذ يحمل وعاءه البلاستيكي (الدبة) يوميًا ويجلب الماء من مسافات بعيدة ليسقي شتلاته حتى تثمر.

وحين يحين وقت الحصاد، تتجلى إحدى أجمل صور رمضان الريفية وهي التكافل، فلا تكتفي أسرة الصبري بما تجنيه، بل توزع الخضروات الطازجة على الجيران، لتفوح رائحة المحبة في بيوت الجيران.

محاصيل رمضانية

في عزلة بني يوسف، يتسع المشهد من مجرد اكتفاء منزلي إلى خيرات تفيض على القرى المجاورة، حيث يعكف المزارع عبدالقادر السيد على زراعة مساحات واسعة من أرضه بالخضروات، تتصدرها الطماطم والكزبرة والبقدونس والكوسة والبقل.

يقول السيد لـ”ريف اليمن”:”نزرع الأرض طوال العام، لكن في رمضان نضاعف الاهتمام؛ فالمنتج المحلي القادم من أرضنا أقل تكلفة من الخضروات التي تجلب من خارج المنطقة وترتفع أسعارها بسبب أجور النقل”.

لا يكتفي السيد بالزراعة، بل يبتكر آلية رمضانية لتسهيل وصول الخضروات إلى الصائمين؛ إذ يكلّف عمالا يتجولون في القرى حاملين الخضار الطازجة من الساعة الواحدة ظهرا وحتى الخامسة عصرًا، لتروجيها وبيعها للمواطنين.

الزراعة الرمضانية.. الحفاظ على إرث الأجداد
ثابت:الطلب يتضاعف في رمضان، حيث يتوق الأهالي إلى الخضروات الطازجة(ريف اليمن)

ولا يقتصر الأمر على السيد وحده؛ فالمزارع محمد ثابت يشاركه الشغف نفسه، مركزا على محاصيل أساسية ولا غنى عنها في مائدة الإفطار مثل الطماطم والكراث والبقل والملفوف.

يؤكد ثابت لـ”ريف اليمن” أن الطلب يتضاعف في رمضان، حيث يتوق الأهالي إلى الخضروات الطازجة، ويصف كيف تُحمل هذه الخضروات على ظهور الحمير لتجوب المنحدرات الجبلية وتصل إلى منازل المواطنين ونقاط تجمعهم.

لافتا أن ما يفيض عن حاجة القرية يجد طريقه إلى سوق المديرية، بل تصل الحمير المحملة بالخضروات إلى مديرية الصلو المجاورة، في حركة زراعية نشطة تخفف الكثير من الأعباء المعيشية على سكان المنطقة، وتعود بالنفع الاقتصادي على المزارعين.

شارك الموضوع عبر: