يقطع صلاح صالح في كل عيد مسافة 648 كيلومتر سفرا ذهابا وإيابا من العاصمة صنعاء إلى قريته في ريف محافظة تعز، لقضاء إجازة عيد الفطر المبارك، متحملا مشقة السفر وتكاليفه، في عادة سنوية يمارسها الكثير من السكان.
على الرغم من المشقّة التي يتكبدها صلاح، إلا أنه يصر أن يقضي إجازة العيد في قريته الواقعة بأطراف مديرية الشمايتين كغيره من سكان الأرياف، حيث يفضّل الكثير من اليمنيين قضاء الإجازة في القرى التي لاتزال تتمتع بعادات وتقاليد اجتماعية تضفي على العيد بهجة إضافية.
يقول صلاح لـ ريف اليمن :” إنّه يحرص على قضاء الإجازة في الريف موضحا أن مايُميّز قضاء إجازة العيد في الريف هو لمّة الأسرة والأهل والأولاد، وممارسة العادات والتقاليد الجميلة اللي نعيشها هناك، خاصة اجتماع الأهل والأصدقاء على مائدة الطعام في صباح أول أيام العيد”.
مواضيع مقترحة
• العيد في الريف.. فرحة مؤجلة حتى انتهاء الحرب
• دَكاكين الأرياف..شريان حياة للسكان
• ليالي العيد في القرية: ذكريات ما قبل الكهرباء
أجواء مميزة
ويضيف لـ “ريف اليمن”، “أن العيد يُشكّل فرصة حقيقية لتعزيز الروابط الاجتماعية بين الناس، ويستغل الكثير من الأشخاص هذه الفرصة لزيارة أقاربهم وأهاليهم في الريف وتوثيق صلتهم بهم أكثر، على خلاف المدن”.
تسبّبت الحرب في تفاقم الوضع الاقتصادي للمواطنين، وانقطاع الطرقات بين عدّة مدن رئيسية ما أدى إلى زيادة ساعات التنقل بين المدن والأرياف واضطرار المواطنين لعبور طرق فرعية ووعرة للوصول إلى قراهم وأريافهم، ومع ذلك فإنّ هذه الظروف لم تمنع صلاح وغيره الكثير من المواطنين من الاستمرار في قضاء إجازة العيد في الريف.

يلفت صلاح أنه وبالرغم من ارتفاع قيمة المواصلات التي تصل إلى 15 ألف ريال “27” دولارا للراكب الواحد من صنعاء إلى تعز، وكذا مشقة الطريق الطويل ،وانقطاعها وفترة الانتظار الطويلة التي نقضيها أمام النقاط الأمنية إلّا أنّ كل ذلك يصبح هينًا أمام فرحة العيد بين الأهل، فالعيد في الريف له طعم آخر، وأجواءه لا تعوض”.
تعزيز الروابط الاجتماعية
يرى الباحث الاجتماعي وضاح فرحان أنّ قضاء إجازة العيد في الريف يُعزز الروابط الاجتماعية من خلال التواصل واللقاءات وتبادل الزيارات والهدايا بين الناس، وكذا المشاركة في الاحتفالات والأعراس”.
ويضيف فرحان” لـ “ريف اليمن:” يقوم الناس في الريف بإخراج عسب العيد أو ماتسمى “العوّادة” للأطفال أثناء الزيارات العيدية، وهو تقليد اجتماعي معروف يساهم في تقوية الروابط بين الأسر.
لا يمكن النظر إلى قضاء إجازة العيد في الريف باعتبارها عادة روتينية بقدر ما تُعدُّ جزء من الموروث الذي يتميز به اليمنيون، إذ يتخلّل هذه المناسبة ممارسة مجموعة من العادات والتقاليد في مختلف مناطق البلاد كتناول وجبة الإفطار بشكل جماعي في أول أيام العيد، وكذا إقامة الأعراس، وممارسة مجموعة من الطقوس التقليدية المتوارثة.
يقول القاص والباحث في التراث الشفاهي “عمران الحمادي” :” إنّ قضاء العيد في الريف يعكس رغبة الإنسان اليمني في إعادة التواصل مع الأرض والمجتمع، وأنّ العيد ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل محطة لاستعادة الروابط الثقافية والاجتماعية”.
إحياء الموروث
يضيف الحمادي” لـ “ريف اليمن:” يساهم قضاء العيد في الريف في ممارسة الطقوس التقليدية وإحياء الموروث الغنائي الشعبي خصوصًا أثناء الأعراس، إضافة إلى أنّه يمثّل محطة لعقد اللقاءات الأسرية وعرض القصص والحكايات القديمة التي تحفظ هوية وثقافة المجتمع.

لافتا أن قضاء العيد في الريف أضحى جزء من الموروث الثقافي للمجتمع اليمني يربط بين الماضي والحاضر، ويُعيد إنتاج القيم الأسرية والاجتماعية التي تشكل صميم الحياة الريفية.
موضحا أنّ العودة إلى القرى في العيد ليست مجرد رحلة موسمية، بل استعادة للهوية، وتجديد للعلاقات الإنسانية، وإحياء لتراث يتوارثه الأجيال”.
يحظى الريف بمكانة خاصة لدى معظم اليمنيين حيث يرتبط بالعديد من الذكريات خصوصًا لأولئك الذين عاشوا فترة من حياتهم هناك، وزيادة على ذلك، فإنّ قضاء العيد في الريف يُعبّر عن انتماء وولاء اليمني لأرضه وموطنه الأصلي، وبحسب إحصائية للبنك الدولي فإنّ 61% من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية.
علاج وذكريات
“أبرار مصطفى” امرأة تسكن في مدينة تعز، تقول إنها تحرص على قضاء إجازة العيد في قريتها “الخيامي” بريف المحافظة حيث عاشت طفولتها، وتقول أبرار:” لا أستطيع قضاء العيد إلا في الريف، في قريتي التي تربّيتُ فيها، عندما أذهب إلى هناك استرجع ذكرياتي القديمة، واستحضر قصصي التي عشتها في طفولتي.

وتضيف أبرار لـ ريف اليمن أن قضاء العيد في القرية يرسم الفرحة في وجوه الأهل والأقارب والناس خصوصا عند زيارتهم، وعلاوة على تقوية الروابط الاجتماعية بين الناس فإنّ قضاء إجازة العيد في الريف يُعزز الصحة النفسية.
وبحسب المختصة في علم النفس والإرشاد النفسي “رقية الذُبحاني، فإنّ قضاء العيد في الريف يخفف من مستويات الضغط والقلق والتوتر ويعمل على تهدئة الجهاز العصبي وتحسين المزاج وذلك بسبب الطبيعة المفتوحة والهواء النقي وعدم وجود الضوضاء في المناطق الريفية”.
وتضيف الذُبحاني لـ ريف اليمن:”إنّ قضاء إجازة العيد في الريف يُخفّف ضغوط العمل ويجدّد النشاط خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعملون في المدن، إضافة إلى أنّه يُعزّز مستويات الشعور بالإنتماء والأمان العاطفي والنفسي”.
موضحة أن قضاء إجازة العيد في الريف لا تُعدّ رحلة موسمية بقدر ما تُعتبر فرصة لتقوية العلاقات الاجتماعية بين الناس وتعزيز الانتماء للريف وطقسًا مرتبط بالموروث الثقافي والاجتماعي لليمنيين.

