الأربعاء, فبراير 18, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

“الرسم” متنفس ذوي الإعاقة للتعبير عن ذواتهم

في ريف محافظة تعز، تعيش الشابة العشرينية أسماء(اسم مستعار)، وهي صماء منذ الولادة نتيجة مرض وراثي، لكنها لم تستسلم للإعاقة والمرض رغم العزلة والصعوبات التي تواجهها، بل ابتكرت وسائل للتعبير والتفاعل مع الآخرين من حولها.

تقول أسماء إنها شعرت منذ طفولتها بأن عالمها مختلف، لكنها لم تسمح للصمت أن يدمر أحلامها، فلجأت إلى الرسم والنقش للتعبير عن ذاتها، وتضيف لـ “ريف اليمن” خلقت عوالمي الخاصة بالألوان والأشكال التي تعكس مشاعري وأفكاري، بعيدًا عن نظرات الشفقة الكثيرة التي واجهتها في القرية”.

يُقدر عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية في اليمن بنحو 300 إلى 500 ألف أصم تقريبا، ضمن 3.5 مليون شخص من ذوي الإعاقة بشكل عام، كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة في العالم تتراوح تقريباً بين 10% و15% من مجموع السكان.


مواضيع مقترحة


النقش والفن

مع مرور الوقت، اكتشفت أسماء موهبتها الحقيقية في النقش والفن، وأصبحت تستخدمها كنافذة للتواصل مع الآخرين بطريقة صامتة لكنها مؤثرة، فرسماتها وإن كانت على الورق، تجسّد إحساسها بالعالم من حولها وتجعل من الصمت لغة يمكن للآخرين فهمها والشعور بها.

رغم التحديات اليومية، من محدودية التعليم المتخصص للصم، وصعوبة التفاعل الاجتماعي، والنظرة المجتمعية التي تركز على الإعاقة بدل القدرات، واصلت أسماء تنمية مهاراتها حتى أصبحت مصدر إلهام للآخرين.

اليوم، تعيش حياتها بطريقة مليئة بالإبداع والفن، وتبرهن أن العزلة ليست نهاية الطريق، بل بداية لاكتشاف الذات والقدرة على التعبير عن المشاعر والأفكار بطرق فريدة، صامتة لكنها مؤثرة.

تتحدث والدة أسماء لـ”ريف اليمن” قائلة: “منذ أن كانت أسماء صغيرة، كان من الصعب عليها التعبير عن مشاعرها أو ما ترغب فيه، فكانت تمسك دفترها وتحاول الرسم وتعلم النقش. ومع مرور الوقت، بدأت تحول أفكارها وصوتها الداخلي إلى ألوان ولغة نفهمها جميعًا.

وتضيف: “نحن كعائلة أنا ووالدها وإخوانها، شجعناها كثيرا لأنها كانت تمتلك موهبة وقدرات واضحة تتطور مع الأيام، هذا الفن لم يمنحها فقط ثقة بنفسها، بل فتح لها نافذة للتواصل معنا ومع الآخرين، وجعلها أكثر انفتاحًا”.

"الرسم" متنفس ذوي الإعاقة للتعبير عن ذواتهم
مع مرور الوقت بدأت أسماء تحول أفكارها وصوتها الداخلي إلى ألوان ولغة نفهمها جميعًا (ريف اليمن)

وتشير إلى أن أسماء بدأت تخرج وتلتقي بالناس والأصدقاء، بعد أن كانت منعزلة قبل اكتشاف ذاتها، فالفن أعطاها إحساسًا بالهوية والقدرة على التعبير، وجعل حياتها اليومية أكثر إشراقًا وإيجابية.

آثار نفسية

وراء الصمت الذي يعيشه الصم في الأرياف، تظهر طبقات من المشاعر التي لا تقال، لكنها تُلمس في تفاصيل حياتهم اليومية، وهنا تبدأ الآثار النفسية التي تتركها هذه العزلة الطويلة.

 توضح والدة أسماء أن ابنتها واجهت آثارًا نفسية كبيرة، منها لجوئها للعزلة بسبب صديقاتها اللواتي لا يفهمن ما تريد التعبير عنه، ما جعلها تشعر بأنها عبء عليهن، هذا الإحباط دفعها للبحث عن أي نشاط يشغلها ويبعدها عن شعورها السلبي “.

“كانت أسماء تقارن نفسها بإخوانها أحياناً وتحس أنها أقل منهم في كل شيء فكانت تنعزل بغرفتها، لكني ووالدها حاولنا تخفيف شعورها هذا وشجعناها على ما تحب من رسم ونقش ودعمناها أنها تطور نفسها فيه”، تقول والدتها.

المستشار النفسي الدكتور “محمد عبد الله الشرعبي” قال إن الصم في القرى يعيشون مشاعر وحدة وإحباط عميقة بسبب عجزهم عن التواصل الطبيعي مع أسرهم والناس من حولهم، لافتا أن هذا الانقطاع اليومي عن الحوار يجعلهم أكثر عرضة لانخفاض تقدير الذات والقلق والاكتئاب خصوصًا عندما يُستبعدون من الأنشطة التعليمية والاجتماعية التي تمنح الشعور بالانتماء.

"الرسم" متنفس ذوي الإعاقة للتعبير عن ذواتهم
يُقدر عدد ذوي الإعاقة السمعية في اليمن بنحو 300 إلى 500 ألف تقريبا، ضمن 3.5 مليون شخص من ذوي الإعاقة(ريف اليمن)

ويضيف الشرعبي لـ “ريف اليمن”: “في كثير من القرى، يقضي الطفل الأصم سنواته الأولى دون شخص يفهم لغته، ما يجعل هذه المرحلة مليئة بالصمت والارتباك، ويؤثر بشكل مباشر على نموه النفسي واللغوي”.

ويرجع الأسباب إلى ذلك غياب مدارس متخصصة أو معلمين يجيدون لغة الإشارة، ما يحرمهم من حق أساسي هو التعليم، ويدفع الكثير منهم للبقاء في المنازل معتمدين فقط على إشارات بسيطة لا تساعدهم على الاندماج أو التعبير عن أنفسهم.

من واقع ما تم رصده خلال زياراته الميدانية لعدد من الأرياف اليمنية، يقول الشرعبي إن هذه الفئة ما تزال تواجه سلسلة من الصعوبات المتراكمة؛ ابتداءً من انعدام فرص التعليم، وصولًا إلى عدم توفر السماعات الطبية لضعاف السمع.

العزلة ونظرة المجتمع

كما أن استخدام مصطلح مهين مثل “أخرس” في بعض المجتمعات الريفية ترك أثرا نفسيا عميقا على الصم، إذ رسخ لديهم شعورا بأنهم عبء على أسرهم، ودفع الكثير منهم للانزواء خوفًا من السخرية أو النظرة الدونية.

تبقى نظرة المجتمع عاملا حاسما في تشكيل حياة الأشخاص الصم، وتقول الباحثة في النوع الاجتماعي والتنمية “إيناس عبده الزوار” إن البيئة الريفية تضاعف التحديات أمام الأشخاص الصم بسبب محدودية الخدمات المتخصصة وغياب مترجمي لغة الإشارة في التعليم والصحة، مما يخلق فجوات تعليمية ويضعف فرص الاندماج.

"الرسم" متنفس ذوي الإعاقة للتعبير عن ذواتهم
تستمر نظرة المجتمع للإعاقة بين الشفقة والوصمة والنظرة الدونية، ما يضعف ثقتهم بأنفسهم(ريف اليمن)

وتضيف الزوار لـ “ريف اليمن” أن “المجتمعات الريفية تعتمد على التواصل الشفهي، ما يجعل التفاعل أكثر صعوبة، خصوصا عندما لا تتقن الأسر لغة الإشارة، إضافة إلى استمرار بعض النظرات التقليدية التي تعتبر الإعاقة ابتلاء أو عارا، وهو ما يترك أثرا نفسيا واضحا على الأطفال والشباب الصم”.

وتوضح الزوار أن هذه الظروف تعزز العزلة الاجتماعية، حيث يتعرض الصم للتجاهل أو التنمر أو الحماية المفرطة، بينما تستمر نظرة المجتمع للإعاقة بين الشفقة والوصمة والنظرة الدونية، ما يضعف ثقتهم بأنفسهم ويزيد من انسحابهم من الحياة العامة.

وفي المقابل، تشير الزوار إلى أن الموهبة تشكل مساحة فعّالة لكسر العزلة، إذ تمنح الفنون مثل الرسم والشعر الإشاري لغة بديلة للتواصل وبناء هوية إيجابية، كما تعيد الموهبة تشكيل نظرة المجتمع للشخص الأصم، وتخلق حوله دائرة دعم اجتماعية تساعده على الاندماج، وتساهم في تعزيز الوعي بقضايا الإعاقة وتقريب المسافة بين عالم الصم والسمّاعين.

شارك الموضوع عبر: