في مديرية المفتاح بمحافظة حجة، كانت أشجار التين الشوكي تمتد على الجبال والسهول والوديان، وتتداخل مع القرى والمزارع، كما كانت تحيط بالمنازل والحدائق كجزء أصيل من المشهد الطبيعي اليومي، وظلت لسنوات طويلة واحدة من أكثر الفواكه حضورا على موائد السكان، إلا أنها بدأت تتراجع خلال السنوات الأخيرة.
رغم مكانتها لدى الأهالي، باتت فاكهة التين الشوكي التي يطلق عليها أبناء المديرية اسم “عَسَم التُّرك”، تواجه خطر الانحسار والهلاك، بفعل التحطيب الجائر من جهة، وتفشّي مرض فطري فتاك أصاب معظم أشجارها في السنوات الأخيرة؛ما أدى إلى تراجع إنتاجها، وفساد الكثير من ثمارها، وتهديد وجودها في بيئتها الطبيعية.
مواضيع مقترحة
- التين الشوكي.. فُرص واعدة للاستثمار رغم غياب الاهتمام
- خلط المبيدات.. خطر يهدد الأرض والإنسان
- صوت الريف.. مبادرة تعيد الأمل لطلاب قرية في إب
يقول المواطن الخمسيني “أحمد درمان”، أحد أبناء المديرية، في حديثه لـ”ريف اليمن”، إن التين الشوكي يعد من أكثر الفواكه انتشارا في المديرية؛ إذ توجد أشجاره في كل مكان تقريبا، ملاصقة للبيوت والمزارع، وضمن الأراضي المفتوحة.
تحطيب عشوائي
ويضيف: “في مواسم نضوج التين الشوكي، كانت الأسر تجلب كميات كبيرة منه يوميا، دون عناء أو تكلفة، فهو فاكهة برية تتحمل الظروف البيئية القاسية، وخصوصا الجفاف، وكنا نتناولها بشكل شبه يومي مع الوجبات”.
ويتابع دِرمان أن هذه الشجرة لا تُزرع في المديرية، بل تنمو تلقائيا وتعد مباحة للجميع، إلا أنها تعرّضت خلال السنوات الماضية لتحطيب عشوائي من بعض الأهالي؛ ما أدى إلى اختفائها شبه الكامل في بعض المناطق.
ويؤكد أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في التحطيب، بل في المرض الفطري الذي اجتاح الأشجار مؤخرا، وجعلها غير صالحة للأكل، بل وأضعف بنيتها النباتية بشكل كامل، وصولا إلى الثمار، حيث توقفت كثير من الأشجار عن الإثمار.

وعبر درمان عن أمله في أن تلتفت وزارة الزراعة والبيئة والجهات المختصة إلى هذا الخطر، وأن تعمل على مكافحة الأمراض التي تهدد هذه الشجرة، باعتبارها من خيرات البلاد الطبيعية.
من جانبه، يوضح الدكتور “محمد سعد القُعافي”، طبيب من أبناء المديرية، أن أشجار التين الشوكي تشكّل أحد أبرز ملامح الطبيعة في المديرية، بلونها الأخضر وانتشارها الواسع بين القرى والمنازل والمزارع وحتى المناطق النائية.
ويشير إلى أن هذه الفاكهة، لما لها من فوائد صحية وطعم مستساغ، كانت تلقى إقبالا واسعا من السكان خلال مواسم نضوجها، وتوجد بشكل معتاد على موائد الأهالي.
ويضيف القعافي أن التحطيب الجائر الذي طال هذه الشجرة خلال السنوات الماضية أدى إلى تراجع ملحوظ في انتشارها، قبل أن يظهر المرض الفطري الخطير، الذي تسبب في ضعفها وتلوث ثمارها، وجعلها غير صالحة للاستهلاك، بل وقد تكون مضرة بصحة المواطنين في حال تناولها.
ويوضح أن الأشجار المصابة بهذا المرض إما لا تثمر مطلقا، أو تنتج ثمارا ضعيفة ومريضة، داعيا لاتخاذ إجراءات جادة من الجهات المعنية لحماية هذه الفاكهة، سواء عبر الحد من التحطيب أو مكافحة الأمراض التي تهددها، لضمان بقائها للأجيال القادمة.
تعرّضت الشجرة خلال السنوات الماضية لتحطيب عشوائي من بعض الأهالي؛ ما أدى إلى اختفائها شبه الكامل في بعض المناطق.
أما المواطن الخمسيني “أحمد عُبيد” فيستعيد ذكرياته مع التين الشوكي، لافتا إلى أنه كان في طفولته يرافق والدته لاقتطاف كميات كبيرة من هذه الثمار، وكان يرى الناس يتسابقون على جمعها وكأنهم يتنافسون على استخراج الذهب.
دعوات للاهتمام
ويضيف أن هذه الشجرة، رغم عدم زراعتها، كانت تجود على الجميع دون استثناء، وليست حكرا على منطقة أو قرية بعينها، بل كانت تنتشر في مواقع تشبه المحميات الطبيعية الصغيرة.
ويشير عبيد إلى أن التين الشوكي ظل لعقود محافظا على انتشاره، بل وواصل التوسع ومقاومة الظروف الطبيعية، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحطيبا غير مسبوق لهذه الشجرة، ما أدى إلى اختفاء مواقع كاملة منها، قبل أن يفاجأ الأهالي بظهور المرض الفتاك الذي كاد يقضي عليها، رغم أهميتها للمجتمع وعدم وجود بديل لها.
ويختتم عبيد حديثه بالدعوة إلى حماية هذه الفاكهة، مطالبا الجهات المعنية بالاهتمام بها، وحث المواطنين على التوقف عن التحطيب الجائر، حتى لا يأتي يوم تختفي فيه من البيئة المحلية.

وتعد فاكهة التين الشوكي موروثا اقتصاديا طبيعيا مجانيا لأبناء مديرية المفتاح بمحافظة حجة، إلا أن ما تعرضت له في السنوات الأخيرة أدى إلى انحسار المساحة التي كانت تغطيها.
وبحسب تقديرات غير رسمية، كانت هذه الأشجار تغطي نحو 2.5% من إجمالي مساحة المديرية، بينما لم تعد تغطي اليوم سوى حوالي 1.3% فقط.
وفي ظل هذا التراجع، يتطلع المواطنون في مديرية المفتاح إلى تحرك جاد من الجهات الرسمية والمجتمع المحلي للحفاظ على هذه الشجرة الثمينة، باعتبارها جزءًا من البيئة والهوية الزراعية للمنطقة، ومصدرًا غذائيًا واقتصاديًا لا ينبغي التفريط به.
وكانت زراعة التين الشوكي قد شهدت توسعا ملحوظا، فوفقا للإحصاء الزراعي تسهم هذه الثمرة في توفير ما يزيد عن 17 ألف فرصة عمل موسمية للعاملين في بيع وتسويق الثمار.
وبلغت إنتاجية اليمن منها خلال العام 2017 م أربعة آلاف و875 طنا، من مساحة مزروعة بأشجار التين قدرها 485 هكتارا خلال العام نفسه.

