الإثنين, يناير 26, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

‹التطعيم› رحلة شاقة لإنقاذ الطفولة في الريف

بين طرق مقطوعة وجبهات مشتعلة لم يعد الوصول إلى جرعة تطعيم طفل مجرد خدمة صحية، بل مغامرة إنسانية محفوفة بالمخاطر، حيث يبقى الأطفال في اليمن الحلقة الأضعف في مشهد يتقاطع فيه الخوف مع المرض واستمرار الصراع.

في مديرية مقبنة غربي تعز، إحدى أكثر المناطق تضررا، تتجسد هذه المعاناة يوميا، إذ يروي العامل الصحي أحمد الشميري تفاصيل عمله الشاق، حيث يضطر لحمل اللقاحات على ظهور الحمير أو على أكتاف أفراد الفرق الصحية، ويسير لساعات طويلة عبر جبال وعرة، معرضا حياته لخطر القنص أو انفجار الألغام.

يقول الشميري لـ”ريف اليمن”: “رغم المخاطر نواصل العمل لأن خلف كل منزل طفل ينتظر جرعة تمنحه فرصة للحياة”، لافتا أن أحد زملائه كاد أن يفقد حياته أثناء عودته من إحدى حملات التحصين، إلا أن إيمانهم بأن كل جرعة لقاح تمثل انتصارا على المرض يدفعهم للاستمرار.


مواضيع مقترحة


لا تقف المعاناة عند حدود الفرق الصحية، ففي إحدى القرى النائية بمديرية جبل حبشي، تروي أم خالد مأساة فقدان طفلها نتيجة مضاعفات الحصبة، بعد أن عجزت عن الوصول إلى الفرق الصحية أو الذهاب إلى المدينة بسبب ظروف الحرب، وتشير إلى أنهم لم يكونوا يعلمون أن الطفل بحاجة إلى لقاح، ليموت قبل أن يبلغ الرابعة من عمره.

وتوضح المتطوعة سمر الشريحي، إحدى عضوات فرق التحصين الميدانية، أن قصة أم خالد ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر في القرى المعزولة، وتقول إن الفرق تغادر قبل الفجر وتعود بعد الغروب، في ظل الجوع والخوف والإرهاق، إلا أن ابتسامة أم بعد تطعيم طفلها كفيلة بأن تمحو كل التعب.

وسط هذه الظروف، يواجه برنامج التحصين في تعز تحديات جسيمة، في ظل الانهيار العام للقطاع الصحي، بحسب مدير برنامج التحصين الدكتور فهد النمر، الذي أشار إلى ارتفاع عدد الرافضين للتطعيم نتيجة انتشار الشائعات، وتسرب الكوادر الصحية وضعف التدريب، ما أدى إلى توقف بعض المرافق عن تقديم خدمات التطعيم، فضلًا عن نقص التمويل الذي يعيق تأمين الإمدادات

‹التطعيم› رحلة شاقة لإنقاذ الطفولة في الريف

رغم ذلك، يشير النمر إلى أن نسبة التغطية بالتطعيمات الروتينية خلال عام 2024 بلغت نحو 90%، وهي نسبة وصفها بالممتازة، لكنها لا تخلو من فجوات، خاصة بين الأطفال الوافدين من مناطق سيطرة الحوثيين غير المشمولة بحملات اللقاح.

وحول حملة شلل الأطفال، قال النمر إن إجمالي عدد الأطفال المطعَّمين دون سن الخامسة، خلال الفترة من 30 سبتمبر وحتى 2 أكتوبر 2025 الماضي، بلغ نحو 360,398 طفلًا، بنسبة تغطية وصلت إلى 106%. ويؤكد أن مستقبل البرنامج في تعز يتطلب زيادة الدعم، وتعزيز سلسلة التبريد، وتأهيل الكوادر الصحية، ومضاعفة الحوافز، إلى جانب تكثيف التوعية المجتمعية.

بعد أكثر من عقد من الصراع، يشهد اليمن واحدة من أخطر أزماته الصحية، مع تراجع غير مسبوق في تغطية التحصين الروتيني للأطفال، ما يهدد صحة ملايين الأطفال ويفتح الباب لعودة أمراض كان العالم قد تجاوزها منذ عقود.

تحذر تقارير أممية من خطورة الحالات غير المرصودة، حيث يشير تيسير السامعي، مسؤول الإعلام الصحي بتعز، إلى أن كل إصابة مكتشفة قد تخفي خلفها عشر حالات أخرى غير مكتشفة. ويوضح أن منظمة الصحة العالمية سجلت 29 حالة شلل أطفال على مستوى اليمن منذ مطلع عام 2025، مع احتمالية وجود حالات إضافية لم يتم رصدها بعد.

ويضيف: “اليمن الذي أعلن خلوه من شلل الأطفال عام 2009، عاد المرض إليه بقوة، وتزداد أعداد الاصابات في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا، حيث توقفت الحملات الميدانية ومنعت زيارات من منزل إلى منزل لتتحول بعض المناطق إلى بؤر لانتشار الفيروس بفعل الشائعات التي تستهدف اللقاح، مؤكدا أن أي فجوة في أي محافظة تهدد جميع أطفال اليمن، رغم النجاح النسبي في تعز.

تسجيل 29 حالة شلل أطفال خلال عام

تظهر بيانات صادرة عن منظمة الصحة العالمية واليونيسف تراجعا حادا في التغطية اللقاحية الأساسية؛ إذ بلغت تغطية لقاح الحصبة 41% فقط، بينما لم تتجاوز تغطية الجرعة الثالثة من لقاح شلل الأطفال 46%، في حين وصلت تغطية لقاح الدفتيريا–التيتانوس–السعال الديكي إلى 55%، وفق مسوح اليونيسف للفترة 2022–2023.

وترجع اليونيسف هذا الانخفاض إلى ضعف البنية الصحية، وصعوبة الوصول إلى السكان، إلى جانب تصاعد حملات التحريض ضد اللقاحات، ما أدى إلى تراجع ثقة المجتمعات المحلية ببرامج التحصين.

وبالتوازي مع هذا التراجع، عادت أمراض يمكن الوقاية منها بسهولة للتفشي، حيث أكدت منظمة الصحة العالمية تسجيل نحو 42,400 حالة حصبة خلال عام 2023، من يناير حتى سبتمبر، بينها 514 وفاة، إضافة إلى 1,671 حالة دفتيريا مشتبه بها و109 وفيات حتى منتصف أكتوبر.

وخلال عام 2024، أعلنت المنظمة تسجيل نحو 28,000 إصابة بالحصبة وأكثر من 200 وفاة، في مؤشر واضح على هشاشة النظام الصحي واتساع فجوات التغطية.

أما شلل الأطفال، الذي كان اليمن قد تخلص منه فعليًا عام 2009، فقد عاد للظهور بقوة مع سنوات الحرب، حيث سُجلت 50 حالة بين عامي 2019 و2020، بينها 15 حالة في محافظة صعدة وحدها خلال الفترة من أغسطس إلى ديسمبر 2020.

273 إصابة بشلل الأطفال في اليمن

في 24 أكتوبر 2025، أعلنت وزارة الصحة في الحكومة الشرعية تسجيل 29 حالة شلل أطفال، كما أكد بيان مشترك لمنظمة الصحة العالمية واليونيسف، في أكتوبر 2025، أن اليمن سجل منذ عام 2021 وحتى 2025 ما مجموعه 451 إصابة بفيروس شلل الأطفال المتحوّر مع تمركز الإصابات في المحافظات الشمالية.

وتبرزالفجوة بين الشمال والجنوب بوصفها أحد أبرز التحديات، إذ تواجه فرق التحصين في بعض المناطق قيودًا صارمة على الحملات الميدانية، مع السماح غالبًا بالتحصين داخل المراكز الثابتة فقط ومنع الزيارات المنزلية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن 86% من إصابات شلل الأطفال المتحوّر مصدرها المحافظات الشمالية.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية واليونيسف أن تعزيز الثقة باللقاحات، وتوسيع التغطية الميدانية، وتقوية البنية الصحية وسلسلة التبريد، تبقى السبل الحاسمة لوقف انتشار الأوبئة ومنع تكرار موجات التفشي في بلد يواجه واحدة من أعقد الأزمات الصحية في العالم.

شارك الموضوع عبر: