الأحد, يناير 25, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

التخصصات الزراعية.. مسار أكاديمي يعود للواجهة

ريف اليمن – مازن مسواك

برزت دراسة التخصصات الزراعية خلال السنوات الأخيرة كأحد المسارات التعليمية ذات الأهمية المتزايدة بين فئة الشباب، في ظل التحديات التي يواجهها الأمن الغذائي في اليمن، وبدأ الاهتمام بها يأخذ طابعا أكاديميا أوسع، مع تزايد إقبال الطلاب على الكليات الزراعية وإطلاق مبادرات ومشاريع تسعى إلى دعم المزارعين وتحسين أساليب الإنتاج.

يعكس هذا التحول إدراكا متناميا لأهمية التعليم الزراعي في تأهيل كوادر قادرة على الإسهام في تطوير القطاع الزراعي، وربط المعرفة العلمية بالواقع الميداني، بما يعزز فرص تحقيق الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

وبالتوازي، نفذت خلال السنوات الماضية عدد من التجارب الزراعية التطبيقية لطلاب الكليات، شملت زراعة محاصيل مثل الفول والفاصوليا، إلى جانب تنسيق البرامج التعليمية وربطها باحتياجات القطاع الزراعي الوطني، لربط التعليم النظري بالتطبيق على الميدان.


مواضيع مقترحة


على مستوى الطلاب، تبدو صورة دراسة الزراعة أكثر وضوحا، إذ يقول “علاء فرحان”، طالب في المستوى الرابع بكلية الزراعة بجامعة صنعاء، إن كثيرين لا يدركون طبيعة هذا التخصص أو أهميته الحقيقية، مشيرًا إلى أن تشجيع والده كان الدافع الرئيس لاختياره هذا المسار، انطلاقًا من إيمانه بدور الزراعة في خدمة المجتمع وتعزيز الاستقرار الغذائي.

اهتمام وتطوير

ويضيف فرحان لـ”ريف اليمن”، أن المناهج الدراسية شهدت تطورًا خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بالفترات السابقة، مع إدخال جوانب تطبيقية أوسع، كما يشير إلى وجود اهتمام رسمي بالتعليم الزراعي، من خلال الزيارات الميدانية، وتوفير الشتلات لأغراض التشجير داخل الكلية، إضافة إلى تنظيم زيارات للمصانع الزراعية لتعزيز الربط بين الدراسة الاكاديمية وسوق العمل.

لا تختلف تجربة الطالبات كثيرا عن ذلك، إذ تعكس بدورها تزايد الوعي بأهمية التخصص ودوره المستقبلي كما توضح “غفران العريقي”، وهي طالبة في السنة الثانية بكلية الزراعة، وتقول إن اختيارها لهذا التخصص جاء بدعم من والدها، وهو أحد خريجي الكلية.

وتضيف خلال حديثها لـ”ريف اليمن”، أنها بدأت تدرك أهمية المجال بعد التحاقها به، خصوصًا مع تطوير المناهج ومواكبتها للتقنيات الحديثة، الأمر الذي ساعدها على اكتساب معرفة أوسع بطبيعة العمل الزراعي ودوره في خدمة المجتمع.

طلاب داخل إحدى القاعات الدراسية بكلية الزراعة جامعة صنعاء(ريف اليمن)

تشير العريقي إلى أن التخصص لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير في الجانب العملي، ليعكس واقع المهنة بشكل أدق، مؤكدة أن تحقيق الاكتفاء الذاتي مسؤولية وطنية تتطلب مشاركة مختلف الجهات، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية.

البنية الأكاديمية

لم يقتصر التحول على الإقبال الطلابي فحسب، بل شمل أيضًا تطوير البنية الأكاديمية داخل كليات الزراعة، كما يقول “إبراهيم مزعل”، معيد ومهندس زراعي بكلية الزراعة في جامعة صنعاء.

ويلفت مزعل إلى أن أعداد طلاب الكلية تضاعفت خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد الخريجين من نحو 200 طالب قبل بدء خطة تطوير الكلية، إلى قرابة 400 خريج حاليا في مختلف التخصصات.

ويوضح أن هذا التوسع ترافق مع تحسينات في البنية التحتية، شملت إنشاء مدرجات دراسية كبيرة، من بينها مدرج فلسطين الذي يتسع لنحو ألف طالب، إلى جانب إعادة تأهيل المعامل وتوفير الاحتياجات الكيميائية وتشغيل الأجهزة، خاصة في أقسام علوم الأغذية والهندسة الزراعية والمحاصيل والبساتين.

ويشير مزعل إلى استيعاب أعداد من الخريجين للعمل ضمن اللجنة الزراعية، وتأهيلهم عبر النزولات الميدانية، إلى جانب توفير رعايات شهرية لطلاب قسم المحاصيل، وتسهيل الرحلات العلمية والدورات الصيفية الممولة.

ويلفت إلى أن المناهج القديمة أُلغيت، واعتمد توصيف جديد للمناهج خلال عامي 2022 و2023، بهدف تعزيز الربط بين الجانب النظري والتطبيقي.


يعكس هذا التحول إدراكا متناميا لأهمية التعليم الزراعي في تأهيل كوادر قادرة على الإسهام في تطوير القطاع الزراعي، وربط المعرفة العلمية بالواقع الميداني


ويؤكد مزعل أن اليمن شهد توسعًا في النشاط الزراعي خلال الفترة بين 2017 و2025، بنسبة تقارب 80%، مع تنفيذ برامج تأهيل مزارع في محافظات الجوف وحجة والحديدة، وإشراك أعداد من الطلاب في الأعمال الميدانية ضمن مبادرات تدريبية أكاديمية.

مؤشرات التوسع

انعكست آثار هذا التوجه التعليمي في مؤشرات التوسع الزراعي على الأرض، خصوصا في بعض المحافظات؛ ففي محافظة الجوف، شهد موسم 2025 توسعًا في زراعة القمح؛ حيث بلغت المساحات المزروعة نحو 12 ألف هكتار، مقارنة بنحو 7 آلاف هكتار في الموسم السابق، بزيادة تجاوزت 40%، وتعمل الجهات الزراعية على توفير المدخلات والخدمات للمزارعين، بهدف رفع الإنتاجية وربطها باحتياجات السوق المحلية.

وأكد مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة المهندس “وجيه المتوكل” أن الوزارة تولي اهتماما بدعم كلية الزراعة وطلابها، من خلال برامج تدريب وتأهيل تستهدف إعداد كوادر قادرة على خدمة القطاع الزراعي.

وأوضح أن الكلية تمتلك قدرة استيعابية مناسبة، وأن الوزارة تنفذ برامج تطبيقية وميدانية لربط الطلاب بواقع العمل الزراعي. وأضاف أن الوزارة استوعبت خلال عامي 2024 و2025 عددًا من طلاب وخريجي كلية الزراعة ضمن مشروع التوسع الزراعي، الذي وصفه بأنه مشروع يهدف إلى دعم الإنتاج المحلي وتعزيز الاكتفاء الذاتي.

وأشار المتوكل إلى وجود تعاون متزايد بين الوزارة والجمعيات التعاونية الزراعية؛ ما أسهم في تعزيز الشراكة مع الكليات الزراعية وإشراك الطلاب في إعداد الخطط الزراعية، بما يرسخ الجانب التطبيقي في العملية التعليمية.

طلاب أثناء زيارات ميدانية ضمن مبادرات تدريبية أكاديمية(ريف اليمن)

مبادرات لتمكين الخريجين

لا يقتصر دعم خريجي الزراعة على الجانب الحكومي، إذ يقول “عبدالناصر السريحي” أمين عام الاتحاد الزراعي أن المنظمات تلعب دورًا مكملًا في هذا الجانب، لافتا إلى أن الاتحاد يعمل على استيعاب خريجي كلية الزراعة ضمن الجمعيات التعاونية الزراعية التي يتم إنشاؤها على مستوى المديريات.

وأضاف أن هذه الجمعيات توظف الخريجين ضمن نطاقها الجغرافي، وفق معايير تشمل الجاهزية المهنية وروح المبادرة والاستعداد لخدمة المجتمع الزراعي. كما أشار إلى تنفيذ برامج تدريبية بالتعاون مع أكاديمية بنيان التنموية، وبتمويل من السلطة المحلية عبر وحدة التمويل بالمبادرة.

وعلى الرغم من التطورات التي يشهدها القطاع الزراعي، لا يزال الوعي العام بأهمية الزراعة محدودًا، كما تبرز الحاجة إلى مزيد من تحديث أساليب التعليم الزراعي، والانتقال بشكل أوسع من التعليم النظري إلى التطبيق العملي، وإعداد كوادر مؤهلة لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية للمساهمة في دفع التنمية الزراعية، وتحقيق مستويات أفضل من الأمن الغذائي.

شارك الموضوع عبر: