الثلاثاء, فبراير 24, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

البطاطا الحلوة: محصول واعد يواجه غياب الدعم والتسويق

شهدت زراعة الجزر الهندي أو ما يعرف محليا بـ “البطاطا الحلوة”، خلال السنوات الأخيرة انتعاشة ملحوظة في عدد من المناطق اليمنية، من بينها الحيمة الداخلية بمحافظة صنعاء وجبل الشرق بمحافظة ذمار، حيث اتجهت العديد من الأسر الريفية إلى زراعته كمصدر دخل بديل، في ظل تراجع محاصيل تقليدية وارتفاع تكاليف المعيشة.

ورغم ما يتمتع به هذا المحصول من قيمة غذائية عالية وفرص اقتصادية واعدة، إلا أن زراعته ما تزال تصطدم بجملة من التحديات، في مقدمتها غياب الدعم المؤسسي وضعف التسويق وندرة التقنيات الزراعية الحديثة، ما يحد من تحوله إلى محصول وطني منافس في الأسواق المحلية والخارجية.

يتحدث المزارع “محمد القطيع” عن تجربته في زراعة هذا الثمرة، ويقول: “بدأت أولا بقلع مجموعة من أشجار القات، ثم قمت بحراثة التربة وتهيئتها للزراعة”، لافتا إلى أن نجاح هذا المحصول يتطلب عناية دقيقة ومتابعة مستمرة، خاصة في مواجهة النباتات الضارة وبعض الأوبئة التي قد تصيب الثمار.


مواضيع مقترحة


نماذج فريدة

ويضيف القطيع في حديثه لـ”ريف اليمن”، أن زراعة الجزر الهندي تتطلب تكلفة مرتفعة، في ظل قلة مياه الأمطار، وغياب الدعم الذي كان يفترض أن تقدمه الجهات الرسمية أو المانحة، وفي مقدمتها وزارة الزراعة والري، معتبرًا ذلك من أبرز الصعوبات التي تواجه المزارعين.

ويتابع أن طول مدة الزراعة، التي قد تتجاوز خمسة أشهر، إلى جانب الحرص على تقليل التدخلات الكيميائية والتسميد للحفاظ على جودة المنتج وقيمته الغذائية، يزيد من الأعباء على المزارعين، رغم سعيهم لخلق سوق تنافسية، وتحويل البطاطا الحلوة إلى محصول وطني قادر على المنافسة.

وأعرب القطيع عن أمله “أن يتحول هذا المنتج خلال السنوات القادمة إلى محصول وطني يوزع محليا ويصدر إلى دول الجوار، لكن الاعتماد على الإمكانات الشخصية وحدها يحد من تحقيق هذه الطموحات”.

وتتراوح دورة حياة نبات البطاطا الحلوة بين أربعة وستة أشهر حتى تصبح جاهزة للجني، بحسب مزارعين تحدثوا لـ”ريف اليمن”، وهو ما يشكل تحديا حقيقيا يتطلب جهدا مستمرا في العناية والمتابعة طوال فترة الزراعة.

البطاطا الحلوة: محصول واعد يواجه غياب الدعم والتسويق

من جانبه، يرى المزارع “أحمد العليي” أن القطاع الزراعي في اليمن يفتقر إلى كثير من المقومات الأساسية، وفي مقدمتها أساليب وأدوات الزراعة الحديثة، ما يجعل إدخال محاصيل جديدة إلى السوق المحلية أمرا محفوفا بالصعوبات.

ويقول العليي لـ”ريف اليمن”، إن انخفاض منسوب المياه، واعتماد الزراعة بشكل كبير على الأمطار، يدفع المزارعين إلى استخدام مياه الآبار، وهو ما يرفع التكاليف التشغيلية ويضاعف الكلفة النهائية للمنتج عند عرضه في السوق، الأمر الذي يتعارض مع القدرة الشرائية للمواطنين في ظل الحرب وتداعياتها الاقتصادية.

أما المزارع “محمد العوبلي”، فأشار إلى أنه خصص مساحة تتجاوز 20 لبنة صنعانية (اللبنة تعادل 44.44 متراً مربعاً) لزراعة البطاطا الحلوة، وتمكن خلال الموسم الثاني من حصاد كميات جيدة، غير أن التحدي الأكبر تمثل في تسويق المحصول.

وتعد البطاطا الحلوة من الخضروات ذات الأهمية الغذائية العالية، إذ تحتوي على نسب مرتفعة من الفيتامينات والألياف والعناصر المفيدة لصحة الإنسان، كما تمثل محصولا واعدا للتجارة الزراعية والاقتصادات المحلية في الدول المنتجة لها، لا سيما في ظل محدودية زراعتها في بعض البلدان واحتياجها لظروف بيئية وزراعية محددة.

غياب الدعم

ويلفت الخبير ومهندس الإرشاد الزراعي “حسن زايد الدانعي” إلى أن غياب الدعم المؤسسي والحكومي يشكل عاملا رئيسيا في إحجام كثير من المزارعين عن التوسع في زراعة البطاطا الحلوة، رغم البيئة الاستهلاكية الواعدة محليا وخارجيا، خاصة في ظل ندرة زراعته في دول الجوار، واعتماد تلك الدول على الاستيراد من شرق آسيا والولايات المتحدة.

ويشير زايد في تصريح خاص لـ”ريف اليمن”، إلى أن هذا المحصول يمثل فرصة استثمارية زراعية واعدة، لا سيما مع الانفتاح العالمي على المأكولات الشعبية والمطابخ العالمية، حيث تعد البطاطا الحلوة عنصرا أساسيا في بعض الأطباق القادمة من اليابان وأمريكا اللاتينية وجنوب الولايات المتحدة، ما يزيد الطلب عليها ويفتح آفاقًا تسويقية جديدة.

ويرى الخبير الزراعي أن مثل هذه المشاريع تسهم في خلق فرص عمل جديدة للمزارعين وخريجي كليات الزراعة والتجار، في حال تم اعتماد البطاطا الحلوة كمنتج وطني وزاد الطلب عليها من قبل المستهلكين.

ويؤكد مزارعون أن السوق المحلية تبدي إقبالا متزايدا على شراء البطاطا الحلوة، لكونها منتجا محليا وأسعارها تراعي نسبيا القدرة الشرائية للمواطنين.

شريان حياة للأسر

تتحدث “تقية محمد”، وهي إحدى النساء العاملات في جني محصول البطاطا الحلوة، عن أهمية هذا العمل لها ولغيرها من النساء، مشيرة إلى أن جني الثمار والاعتناء بالمحصول خلال فترة الزراعة، رغم ما يرافقه من تعب، يشكل مصدر دخل يساعدهن على تلبية الاحتياجات اليومية.

وتقول تقية: “نحصل على أجر بسيط، لكنه يكفينا لقوت يومنا وشراء احتياجاتنا الأساسية”، لافتة إلى أن العمل غالبا ما يتم بمشاركة أفراد الأسرة، حيث يحصلون أيضا على بعض الثمار لاستهلاكها أو تقديمها كهدايا للأقارب خلال موسم الحصاد.

يوضح المزارع محمد القطيع أنه، رغم زراعته لمساحة محدودة، تمكن من تحقيق عائد مالي جيد، حيث بلغ إجمالي قيمة البيع نحو 150 ألف ريال، (280 دولارا أمريكي) فيما وصل صافي الدخل إلى قرابة 120 ألف ريال (255 دولاراً) بعد خصم تكاليف النقل والإيجار.

وأشار إلى أن دخوله مجال الزراعة يعود إلى عدة سنوات، لكنه لاحظ تراجع الإنتاج مقابل ارتفاع أسعار البيع، في ظل زيادة الطلب وقلة المعروض.

وتشتهر مناطق في محافظات ريمة وذمار والحيمتين بزراعة البطاطا الحلوة، كما تم إنشاء مركز متخصص في ذمار يحمل اسم «المركز الأول للبطاطس»، يهدف إلى تشجيع زراعة البطاطا الحلوة بالطرق الحديثة، لتغطية احتياجات السوق المحلية وفتح فرص تصديرية مستقبلية.

البطاطا الحلوة: محصول واعد يواجه غياب الدعم والتسويق

ورغم محاولات “ريف اليمن” الحصول على إحصائيات دقيقة من المركز، لم يتم التوصل إلى أرقام رسمية، كما لم تظهر عمليات البحث في المصادر المفتوحة بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج.

وفي مايو 2024، أعلن مكتب الزراعة والري بمديرية جبل الشرق بمحافظة ذمار تدشين موسم حصاد البطاطا الحلوة على مساحة تقدر بنحو أربعة هكتارات، مع توقع إنتاج يصل إلى أربعة أطنان.

غياب التسويق

ويعزو الباحث حسن زايد اختلاف أسعار البطاطا الحلوة بين التجار إلى ضعف التسويق، الذي يعد من أبرز الأسباب التي تدفع كثيرا من المزارعين للعزوف عن زراعته، مفضلين محاصيل يسهل تصريفها في السوق.

وأشار إلى أن وجود منتجات مستوردة بأسعار أقل، رغم اختلاف الجودة والقيمة الغذائية، يشكل عائقًا إضافيًا أمام المنتج المحلي.

من جانبه، يرى أحد التاجر – فضل عدم ذكر اسمه – أن تجارة البطاطا الحلوة مربحة وواعدة، شريطة وجود استراتيجيات واضحة من القطاع الزراعي بالتنسيق مع الجهات الرسمية، لدعم زراعتها وتسويقها وتحويلها إلى واحدة من أهم الصادرات الزراعية اليمنية.

وأكد ضرورة توجيه اهتمام المزارعين والتجار والجهات الداعمة للقطاع الزراعي نحو هذا المنتج، والعمل على تطويره وفق مواصفات عالمية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل عيش الأسر الريفية.

شارك الموضوع عبر: