الخميس, مارس 12, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

الإطارات التالفة: ثروة مهدورة ومبادرات صامدة لحماية البيئة

على مدى سنوات، كان مشهد الإطارات التالفة على أطراف شوارع صنعاء مألوفًا، يظهر بأشكال متعددة: تُحرق في الهواء الطلق، فتنبعث منها أدخنة سامة تلوث الجو، أو تُترك لتتحول إلى بؤر لتكاثر الحشرات، لم يكن هذا المشهد مجرد منظر غير جمالي، بل انعكاساً لفجوة واضحة في إدارة أحد أصعب أنواع المخلفات، التي لا تتحلل بسرعة وتستمر لسنوات طويلة، مهددة البيئة وصحة السكان.

ليست مشكلة الإطارات محلية فحسب، بل تعاني الكثير من المجتمعات منها. بحسب دراسة نشرتها مجلة Science of The Total Environment، ينتج العالم نحو 3 مليارات إطار جديد فيما يتحول نحو 800 مليون إطار إلى نفايات سنوياً. وتمثّل ملايين الإطارات هذه مشكلة بيئية حقيقية حول العالم وخصوصاً في الدول التي لا تتوفر فيها إمكانيات التعامل معها.

تفتقر اليمن عمومًا للإحصائيات والدراسات الدقيقة، ولكن بحسب تقديرات مؤسسة Blue Weave Consulting فإن حجم سوق الإطارات في اليمن بلغ في العام 2022 نحو 300 مليون دولار أميركي، ومن المتوقع نموه إلى ما يزيد عن 420 مليون دولار بحلول العام 2029، بمعدل نمو سنوي يبلغ 5.76%.


مواضيع مقترحة


تشير هذه التقديرات إلى سوق نشط تزداد نسبة الاستهلاك فيه، ما يعني أن كميات الإطارات التالفة المتراكمة ستزداد هي الأخرى في مختلف أنحاء اليمن، وستشكل تحدياً لبرامج معالجة النفايات وإعادة التدوير، وخطراً بيئياً على المدى الطويل.

تعد الإطارات، بحسب الخبير الزراعي عبدالله الحسني “من أكثر المخلفات انتشارًا، وتؤثر على التربة والمياه بسبب تسرب الزنك والرصاص والزيوت منها كما أنها توفر بيئة لتكاثر البعوض”.

وهو يحذر من أن حرق الإطارات يطلق ملوثات بيئية خطرة تعرف بالديوكسينات تضر بالمحاصيل وصحة البشر. وهنا يؤكد الحسني أن أحد الحلول يكمن في إعادة استخدامها بطرق آمنة كتحويلها إلى أحواض للنباتات مثلاً مع إضافة مواد عازلة تمنع تسرب المواد الكيميائية إلى التربة.


تفتقر اليمن للإحصائيات، وبحسب تقديرات فإن حجم سوق الإطارات بلغ في العام 2022 نحو 300 مليون دولار أميركي


من جهته، يشير المهندس “معين السواري”، مدير وحدة التغيرات المناخية بالهيئة العامة لحماية للبيئة، إلى أن الإطارات التالفة تُعد من “النفايات الصعبة والمستمرة، وهي تُدار غالبًا بطرق غير رسمية، مع استخدامات بديلة كوقود أو مواد بناء أو مرابط ساحلية؛ ما يزيد المخاطر البيئية والصحية”.

إن استخدام الإطارات على شكل وقود في الورش والمخابز والمصانع يرفع من نسب الانبعاثات الكربونية والغازات السامة. أما استخدامها، مباشرة من دون معالجة، في البناء سواء في العزل أو الجدران الاستنادية فقد يؤدي إلى تسرب المركَّبات الكيميائية مع الحرارة والرطوبة، ويولد ملوثات قد تصل للتربة والمياه الجوفية مع غياب المعايير الفنية. وأخيراً فإن استخدامها كمرابط ساحلية لتثبيت القوارب أو كحواجز قد يؤدي إلى تلوث المياه؛ مما يضر بالسلسلة الغذائية البحرية.

يحذر السواري من أن تكدس الإطارات في الساحات المفتوحة يسمح بتسرب المواد الكيميائية وتجمع المياه؛ ما يزيد انتشار أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك. فيما يؤدي الحرق المفتوح للإطارات إلى إطلاق دخان سام يؤثر على عمل القلب والجهاز التنفسي.

تحديات بقاء الإطارات

تتأثر الإطارات بسرعة بالتضاريس الوعرة، وضعف صيانة الطرق، والتغيرات المناخية. وهذه جميعها تعد الظروف السائدة في مختلف مناطق اليمن، مما يزيد من اهتراء إطارات المركبات العاملة على الطرقات وضرورة استبدالها.

يشير المهندس علي المطري، مدير التفتيش الصناعي بالهيئة العامة للمواصفات والمقاييس، إلى أن دخول الإطارات الجديدة إلى صنعاء يخضع لفحص السلامة، والتأكد من وجود شهادة معتمدة.

في المقابل يكشف ميكانيكي السيارات المهندس “مشير الكوكباني” مفارقة بين المعايير الرسمية والواقع، فالضغوط الاقتصادية تدفع السائقين نحو شراء الإطارات المستعملة المنتشرة في السوق فعليا بفارق يصل إلى 30٪، رغم المخاطر.


تتأثر الإطارات بسرعة بالتضاريس الوعرة، وضعف صيانة الطرق، والتغيرات المناخية، وهذه جميعها تعد الظروف السائدة في مختلف مناطق اليمن


كما يوضح أن الاستبدال السريع للإطارات مرتبط بسلوك السائق، وحالة الطرق، وجودة الإطار. كما يرى الكوكباني أن ممارسات التفحيط وتحميل المركبات بأوزان زائدة – فضلاً عن غياب الصيانة الدورية – تقصّر جميعها من عمر الإطارات، بالإضافة لتأثير ارتفاع درجات الحرارة على مرونتها.

ولكن، سرعة اهتلاك الإطارات تعني أيضاً المزيد من تراكم النفايات. يوضح “إبراهيم الصرابي”، مدير عام النظافة بأمانة العاصمة، أنّ انتشار الإطارات التالفة يعود إلى عوامل متشابكة، تمثّل أبرزها بغياب العمال المختصين بفرز الإطارات، وانعدام الوعي البيئي لدى بعض فئات المجتمع، بالإضافة إلى غياب المبادرات المحلية المنظمة لمعالجتها في السابق.

هذا النقص في التنظيم جعل الإطارات تُدفن مع النفايات الأخرى في مكب النفايات؛ ما أدى إلى انبعاث الغازات السامة وحرائق صعبة السيطرة، وأثر سلبي مباشر على السكان والمزارع المجاورة.

في عام 2016، بدأت إدارة النظافة بالأمانة بمحاولات تخصيص عمال للفرز وتجنيب الإطارات بعيدًا عن النفايات العادية لتجنب اشتعال الحرائق، إلا أن التنظيم الفعلي جاء عام 2020، مع تخصيص فرق متابعة؛ ما أسهم في تقليل المخاطر تدريجيًا.

وبالتوازي، ظهرت مبادرات إعادة التدوير، وإن كانت محدودة، أبرزها تجربة “سفيان نعمان” الذي حول الإطارات التالفة من مصدر قلق بيئي إلى فرصة اقتصادية وفنية مستدامة.

فما هي التحولات التي طرأت على مصير الإطارات التالفة؟ وكيف انتقلت من مصدر تهديد إلى مورد تنموي؟

منظور رسمي: جهود النظافة والحد من الحرق

كانت الإطارات التالفة تُحرق عشوائيًا، خصوصًا خلال شهر رمضان حيث اعتاد الأطفال إشعالها ضمن طقوس الاحتفال والفرح بقدوم الشهر. لتجنب هذه المشكلة، بادرت الإدارة العامة للنظافة بصنعاء بحملات توعوية مع بداية شهر شعبان من كل عام، مع التأكيد على المادة الخامسة من قانون النظافة رقم 93 لسنة 1999، التي تحظر إلقاء أو حرق أو دفن المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها. بحسب ما أفاد الصرابي.

ويؤكد الصرابي أن الإدارة بدأت بفرز وتخزين الإطارات منفصلة بعد جمعها من الورش والشوارع، ولوحظ انخفاض الكميات اليومية إلى نحو 1–2 طن فقط بفضل الوعي البيئي والمبادرات المجتمعية التي تدعو لإعادة استخدامها على شكل أحواض للزراعات البسيطة، أو أسوار بدل حرقها أو رميها.

ويتفق معه “قيس العامري”، أحد أصحاب ورش الصيانة بصنعاء، مؤكدا أن الإطارات القديمة لم تعد تُرمى كما السابق إذ يُقبل بعض المواطنين – ولا سيما النساء – على أخذها وتحويلها إلى أحواض لزراعة الشتلات والزهور، بينما تتكفل فرق النظافة بجمع البقية.


المادة الخامسة من قانون النظافة تحظر إلقاء أو حرق أو دفن المخلفات في غير الأماكن المخصصة لها


المبادرات لإعادة تدوير الإطارات لا تزال فردية وغير منظمة رسميًا، فيما توجد بعض المصانع؛ مثل مصنع لتجديد الإطارات المستعملة وآخر لإنتاج حبيبات المطاط المعاد تدويره لأرضيات الملاعب، وفقًا للصرابي، الذي يؤكد دعمه لأي استثمارات جديدة لتعزيز القطاع، وتحويل الإطارات التالفة إلى مواد مفيدة.

من مخلفات إلى موارد

قبل نحو ثمان سنوات، وفي وقت كانت الإطارات التالفة تتراكم وتُحرق عشوائيًا، قرر الرسام سفيان نعمان (48 عامًا) أن يكون جزءًا من الحل.

ابتكر نعمان مشروعًا يقوم على إعادة توظيف الإطارات المستعملة وتحويلها إلى منتجات فنية ووظيفية؛ من الكراسي والطاولات، إلى المزهريات والمجسمات وألعاب الأطفال. يرى نعمان في الإطارات مورداً يمكن الاستفادة منه لوقت أطول إذ إن “الإطار لا يفقد قيمته عند التلف” كما يقول. وهو يتابع شارحاً حول بنية الإطارات التي تتكون من “مزيج من المطاط الطبيعي والصناعي، والأسلاك الفولاذية، والألياف، تجعل منه مادة صلبة وقابلة لإعادة التشكيل”.

ويفصّل نعمان مراحل عمله موضحًا أن العملية تبدأ بفرز الإطارات حسب نوعها وحالتها، ثم تنظيفها ومعالجتها. بعد ذلك يقطع الإطار إلى أجزاء مناسبة، ويفصل المكونات الصالحة للاستخدام ويستبعد غير الصالح منها. وعندما تكتمل الأجزاء المناسبة أمامه، يعيد تشكيلها باستخدام القماش والخيش وخيوط الحياكة لصناعة الأثاث والديكور.

أما الإطارات شديدة التلف، فيقول إنها تُرسل لجهات متخصصة لطحنها وتحويلها إلى حبيبات تُستخدم في أرضيات الملاعب. ويعد هذا من الحلول الأخرى المناسبة لإعادة استخدام الإطارات.

خلال مسار المشروع نجح نعمان في إعادة تدوير أكثر من 8,000 إطار تالف، موضحًا أن لكل إطار استخدامًا يبتكره بنفسه وفق احتياج التصميم. فإطارات سيارات الركوب يحولها إلى كراسي وطاولات، وإطارات الدراجات النارية لصنع أحواض وديكورات صغيرة، أما الإطارات الثقيلة فهو يخصصها للمجسمات الفنية الكبيرة.

يوضح نعمان أن المشروع ليس مجرد وسيلة لكسب العيش، بل إنه “يجسّد مبدأ من النفايات إلى الموارد، ويهدف لحماية البيئة ونشر ثقافة الاستدامة بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة مثل الاستهلاك المسؤول، والعمل المناخي، والمدن المستدامة”.

ليست تجربة سفيان نعمان الوحيدة. توجد تجارب عديدة، في مختلف الدول، تبنّت حلولاً إبداعية في الاستفادة من هذا المنتج الذي يعد من أخطر النفايات الصلبة غير القابلة للتحلل، والذي يسبب أزمات بيئية في حال تركه دون معالجة.

نرى مثلاً في الكاميرون تجربة مماثلة لفنانة تحول الإطارات التالفة إلى أثاث منزلي عملي. وفي نيجيريا، أسست رائدة أعمال شابة معملاً لإعادة تدوير المئات من الإطارات القديمة المتراكمة يومياً في المكبات، وتحويلها إلى طوب مناسب لرصف ملاعب الأطفال ومواقف السيارات.

وعربياً، تبرز تجربة فيصل بن دية من الإمارات العربية المتحدة الذي أطلق مشروعًا لإعادة تدوير إطارات المركبات التالفة والبراميل المستخدمة، وإنتاج سلع منزلية، مثل الكراسي والطاولات. أما في مصر، فقد ظهر مشروع “مكاني” على يد وفاء عبد الرحمن، الفتاة الأسوانية المحبة للطبيعة، التي تصنع قطع أثاث ومنتجات منزلية من الإطارات المستهلكة.

تحديات المبادرة والدعم المحدود

يقول سفيان نعمان “بدأتُ من المنزل بورشة صغيرة، لكنّ ضعف بنية أرضية المنزل وتحميلها بالمعدات تسبب في تشققها، ما اضطرني لإيقاف العمل مؤقتًا منذ ذلك الحين أتنقل بين المدارس والحدائق لتنفيذ التصاميم”.

يشير نعمان إلى الدعم المعنوي من مركز التوعية البيئية وتعاون الإدارة العامة للنظافة في دعم مبادرته بتوفير الإطارات مجانًا، مؤكدًا أنه يعتمد عليها إلى جانب ما يحصل عليه من أصحاب الورش، وأحيانًا يجمع بنفسه بعض الإطارات من الشوارع لتنفيذ تصاميمه.

ويؤكد الصرابي أن “الإدارة ترحب و تدعم كل المبادرات التي ستسهم في إعادة التدوير، وتوفر الإطارات للراغبين بتحويلها إلى منتجات نافعة”.


الحلول على المدى الطويل تتطلب استثمارات كبيرة تتمثل في إنشاء معامل وخطوط إعادة التدوير والتبني السليم للتقنيات النظيفة 


لكن رغم هذا الدعم، لا تزال البنية التحتية والدعم الرسمي غائبين. وهو ما يشير له نعمان بأسى: “وُعدتُ بتخصيص مساحة في حديقة السبعين لإقامة ورشتي، لكن ذلك لم يتحقق حتى اليوم، رغم عرضي تنفيذ كراسي للحديقة والمساهمة بـ10٪ من أرباحي لدعم المشروع”.

يرى المهندس “معين السواري” أن هناك العديد من المعوقات التي تقف في وجه معالجة ملف الإطارات المستهلكة. تشمل هذه المعوقات ضعف الخدمات البلدية، والسوق الثانوي غير المنظم، وقلة محطات إعادة التدوير المتخصصة.

يؤكد السواري أن التطبيقات السليمة لإعادة تدوير الإطارات يمكن أن تسهم في التخفيف من الانبعاثات وتعزيز التكيف البيئي، مثل معالجة الإطارات لاستخدامها في العزل الحراري، وتحسين الطرق، وصنع بعض المنتجات المنزلية منها.

الفن البيئي وتمكين الشباب

لم يكتفِ نعمان، الذي أعلن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) اختياره ضمن أبطال البيئة تقديرًا لجهوده، بالتصميم والإنتاج. لقد سعى على الدوام إلى نقل تجربته إلى الأجيال الجديدة عبر تدريب أكثر من 70 شابًا وشابة من الجامعات والمدارس، بينهم نساء من ذوي الإعاقة، على أساليب معالجة الإطارات.

تقول الفنانة التشكيلية “عائشة هياش”: “كنت أستمتع بحرق الإطارات خلال طفولتي دون إدراك الضرر، لكن بفضل تدريب سفيان نعمان تعلمت إعادة تدويرها في طاولات ومزهريات وألعاب، وأطمح مستقبلاً لدمج الإطارات مع الرسم على الزجاج لإنتاج أعمال فنية تحمي البيئة”.

أما “ماهر الجماعي (35 عامًا)”، فقد استلهم خبراته من نعمان ليؤسس بعدها مشروعه المستقل، ويحوّل الإطارات إلى أحواض لغسل الملابس ومستوعبات لنقل الرمل في مواقع البناء. يستمر الجماعي بالتواصل والتعاون مع نعمان عند ضغط العمل، ويستهلك مشروعه شهريا نحو 100 إلى 200 إطار ويحقق قبولًا كبيرًا عند الناس.

الحلول موجودة دائماً

يختتم السواري حديثه لـ”منصة ريف اليمن” باعتقاده أن الحل يبدأ على المدى القصير بجمع الإطارات ومنع تجمع المياه فيها بالتوازي مع تشجيع الناس على إعادة الاستخدام الآمن. يمتد الحل بعدها على المدى المتوسط بإنشاء نقاط تجميع منظمة وتحفيز جامعي النفايات على توجيه الإطارات إليها، إضافة إلى إنشاء مشروعات تحويل الإطارات إلى أسفلت مطاطي ومنتجات بناء.

يرى السواري أن الحلول على المدى الطويل تتطلب استثمارات كبيرة تتمثل في إنشاء معامل وخطوط إعادة التدوير والتبني السليم للتقنيات النظيفة بهدف بناء اقتصاد دائري مستدام يحوّل النفايات إلى موارد مفيدة ويقلل المخاطر البيئية والصحية.

اليوم، تُظهِر جهود إعادة تدوير الإطارات في اليمن تنوعًا بين المبادرات الفردية – مثل تجربة سفيان نعمان – والمشاريع الصناعية لإنتاج حبيبات المطاط المعاد تدويره لأرضيات الملاعب، ورغم محدودية الإمكانيات، تشكّل هذه التجارب نموذجًا عمليًا لبداية تشكل اقتصاد دائري يقدّم حلولًا للتحديات البيئية ويعزز حماية البيئة.


*ُ أنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

شارك الموضوع عبر: