الثلاثاء, فبراير 10, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

أطفال الريف.. بين قسوة النزوح وآثار التغير المناخي

خلال السنوات الأخيرة، شهدت مناطق يمنية واسعة موجة متصاعدة من التغيرات المناخية، لا سيما في المناطق الريفية، تمثلت في هطول أمطار غزيرة وتدفق سيول جارفة، أسفرت عن أضرار وخسائر بشرية ومادية جسيمة في أوساط السكان، وكان الأطفال من بين الفئات الأكثر تضررا، خصوصا في ريف اليمن.

آثار التغيرات المناخية تجلت بأقسى صورها في المخيمات التي تأوي آلاف النازحين، إذ تحول البرد القارس والأمطار الموسمية إلى تهديد يومي لحياة الأسر، ووجد النازحون أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع الطبيعة، دون مأوى آمن أو إمكانات تخفف من وطأة الظروف القاسية.

يقول سالم، وهو أحد النازحين في مخيم الحجب بمديرية مقبنة غرب محافظة تعز، إن موجة الصقيع الشديدة وتساقط الأمطار جعلتهم يعيشون أوضاعا مرعبة، خوفا من إصابة أطفالهم بأمراض معدية أو وبائية، خاصة أنهم يعيشون في مخيمات متهالكة لا تقيهم  حر الصيف ولا برد الشتاء.


مواضيع مقترحة


يضيف لـ “ريف اليمن” أن طفله مجد البالغ عشر سنوات أصيب بالتهاب حاد نتيجة تعرضه لموجة صقيع شديدة، لم يستطع حينها إسعافه أو توفير الدواء له، لكنه اضطرت في اليوم التالي إلى إسعافه بعد أن تضاعفت صحته.

لم تكن الإصابة الأولى للطفل مجد، بل أصيب بالإسهالات المائية والكوليرا خلال موسم الأمطار التي شهدتها محافظة تعز خلال العام 2025، “كان على وشك الموت لو لم يأتِ أحد الجيران لإنقاذه وإعطائه الدواء” يقول والده سالم.

تعكس شهادة سالم جانبًا من معاناة واسعة يعيشها نازحو تعز ومناطق يمنية أخرى، حيث أسهمت موجات البرد والأمطار في تفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية داخل المخيمات، في ظل شح المساعدات وغياب التدخلات الطارئة.

أوضاع صعبة

مدير الوحدة التنفيذية للنازحين بمديرية مقبنة غرب محافظة تعز، “جمال فرحان”، قال إن المديرية شهدت خلال العام 2025 تغيرات مناخية متسارعة، تمثلت في تساقط أمطار غزيرة وسيول جارفة، وكذلك ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، ما انعكس سلبا على حياة الأطفال، لا سيما في مخيمات النزوح.

وأوضح فرحان لـ “ريف اليمن” أن هذه التغيرات تسببت في جرف الخيام، وتلف المواد الغذائية، وتلوث مصادر المياه، الأمر الذي أدى إلى تفشي أمراض الإسهالات الحادة والملاريا، وأمراض الطفح الجلدي والعيون، مع تسجيل مؤشرات مقلقة في معدلات الإصابة بين الأطفال، لا سيما دون سن الخامسة.

التغيرات المناخية أوصلت بعض الأسر في مخيمات النزوح إلى إيواء أطفالهم في العراء جراء الأمطار الغزيرة والسيولة الجارفة (ريف اليمن)

وسجل مخيم الحجب خلال العام 2025، (252) حالة إصابة، بينما سجل مخيم الحصبري والشط 209 حالات إصابة، حيث سجل مخيم حجيج 237 حالة إصابة، توزعت بين الإسهالات الحادة، وحمى الضنك والملاريا والتهابات في الجهاز التنفسي والطفح الجلدي والعيون، وتصدر مخيما الحجب وحجيج أعلى معدلات الإصابة، وفقا لفرحان.

مديرية مقبنة هي الأخرى بلغ إجمالي إصابات الأطفال في مخيماتها (698) حالة إصابة خلال العام 2025، تقسمت على أربعة مخيمات، جراء التغيرات المناخية.

ويؤكد فرحان أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررا بسبب ضعف المناعة وسوء التغذية، مطالبًا السلطات والمنظمات الإنسانية بتوفير الدعم الصحي، وتحسين خدمات المياه،  وتوفير مستلزمات إيواء مقاومة للأمطار والحر، إلى جانب دعم المراكز الصحية وتنفيذ برامج توعية صحية للأسر النازحة.

أطفال بلا إيواء

لم يقتصر تأثير التغيرات المناخية على أطفال تعز النازحين فحسب؛ بل امتد ليشمل محافظة مأرب التي تحتضن أكثر من 2.2 مليون نازح، وهو ما يعادل 60% من إجمالي النازحين داخليا؛ مما جعلهم جميعا في مواجهة مباشرة مع هذه التقلبات المناخية.

مدير الوحدة التنفيذية للنازحين في محافظة مأرب “سيف مثنى” أكد أن التغيرات المناخية أوصلت بعض الأسر في مخيمات النزوح إلى إيواء أطفالهم في العراء جراء الأمطار الغزيرة والسيولة الجارفة التي شهدتها المحافظة خلال عام 2025، وتسببت في أضرار مادية وبشرية بالغة، نتيجة قلة الدعم الكافي.


تعد اليمن من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير المناخ وفيها نحو 4.8 مليون نازح يعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات

 


وأضاف مثنى لـ “ريف اليمن” أن الأمطار الغزيرة تسببت في أضرار كبيرة وغرق الخيام، و فاقمت من معاناة الأطفال؛ ما تسببت في زيادة حالات الإسهالات المائية والأمراض المنقولة عبر المياه وغيرة من الأوبئة.

وأكد أن الوحدة التنفيذية تواجه تحديات جمة، أبرزها ضعف التمويل المخصص للاستجابة المناخية، وتزايد أعداد النازحين، وسوء البنية التحتية الغير مهيأة لمواجهة السيول، ونقص المراكز الصحية وأنظمة الإنذار المبكر.

وأشار إلى أن إجمالي الأسر المتضررة كليا وجزئيا من تأثيرات الأمطار الغزيرة والسيول والأعاصير الأخيرة بلغت  8,684 أسرة من مديريات المحافظة، موضحا أن من بين هذه الأسر 1,246 أسرة تضررت كليًا بخسارة مساكنها وممتلكاتها، فيما بلغ عدد الأسر المتضررة جزئيًا 7,438 أسرة.

خيام متهالكة

يروي المواطن “أحمد سراح” وهو نازح في مخيم السويداء بمديرية المدينة بمحافظة مأرب، فصولا موجعة من المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون نتيجة التغيرات المناخية القاسية التي شهدتها المحافظة خلال العام المنصرم وتدهور الأوضاع الإنسانية داخل المخيمات.

يقول سراح لـ “ريف اليمن” إن العام المنصرم 2025 مر عليهم ثقيلا محملا بموجات من البرد القارس والأمطار الغزيرة، زادت من قسوة النزوح، لا سيما على الأطفال، ويتساءل سراح بحسرة: “كيف لأب أن يحمي أطفاله داخل مخيم متهالك لا يقيهم من برد الشتاء ولا حرارة الشمس والأمطار الموسمية؟

ويضيف، وهو يستعيد مشهدا مؤلما: “موجع أنْ ترى اثنين من أطفالك يسقطون مرضى أمام عينيك دون أن تمتلك القدرة على توفير أبسط سبل العلاج”، ويصف المشهد بأقسى ما يمكن أن يمر به أب، خاصة أن حالتهم كانت تنذر بالخطر قبل أن يتم إسعافهم نتيجة إصابتهم بمرض وبائي من الزكام والحمى الشديدة.

عشرات الأطفال النازحين في المخيمات أصيبوا بالحمى والسعال، والإسهالات جراء تغير الجو وتكدس النفايات (ريف اليمن)

لا تتوقف المأساة عند هذا الحد، إذ يشير سراح إلى حادثة مأساوية لطفل من جيرانه توفي في ديسمبر الماضي 2025، بعد إصابته بمرض جلدي خطير يعرف محليا بـ “الطفح الجلدي” أو “الحبوب المتقيحة” والذي يؤدي إلى الوفاة بعد أيام من إصابة الشخص فيه، بحسب ما تحدث بعض الأطباء لسراح.

ويشهد المخيم معاناة جمة، من انعدام شبه تام لمساكن الإيواء الآمنة والخيام الصالحة للعيش، إلى غياب وسائل تدفئة تقي الأطفال من شدة البرودة، خاصة أن التدخلات الإنسانية تراجعت بشكل كبير، وأصبحت حد وصف سراح لا تغطي سوى 1% من احتياجات النازحين، حسب قوله.

ويزيد الوضع سوءًا؛ انتشار الصرف الصحي المكشوف والذي يتجمع على سطح الأرض والأودية إلى جانب تكدس النفايات، ما يجعل المخيم بيئة خصبة لانتشار الأوبئة والأمراض، ويشكل تهديدا مباشرا على صحة الأطفال، وفق حديث سراح لـ ريف اليمن.

وأشار إلى أن العشرات من الأطفال أصيبوا بالحمى والسعال والإسهالات جراء تغير الجو في المخيم، وتتكرر زيارتهم للمستشفى الميداني داخل المخيم، إلا أن المشفى يظل عاجزا عن تلبية الاحتياجات بسبب نقص الأدوية وغياب الدعم الصحي.

كوارث مناخية

وفقًا لدراسة ميدانية صادرة عن مؤسسة حلم أخضر للدراسات والاستشارات البيئية، فقد بلغت نسبة النازحين المتضررين في محافظة مأرب وحجة 95.5% و 90% على التوالي.

يعيش النازحون تحت خيام مهترئة لا توفر الحماية من البرد القارس أو الأمطار الغزيرة (ريف اليمن)

وأشار الدراسة إلى أنه خلال الفترة بين يناير 2020 ويونيو 2024، شهدت مخيمات مأرب وقوع 636 حالة حريق في الخيام، مما أسفر عن مقتل 36 شخص، وإصابة 89 آخرين، بمن فيهم الأطفال والنساء.

وقالت شبكة بيئة أبو ظبي في دراسة لها  إن الصراع الطويل، إلى جانب الكوارث المرتبطة بالمناخ مثل الجفاف والفيضانات المفاجئة، والنقص الحاد في المياه، أدى إلى تفاقم الهجرة القسرية والنزوح الداخلي داخل اليمن بشكل كبير.

وأضافت الشبكة: “يُقدر أن 4.5 مليون شخص، يمثلون 14% من إجمالي السكان، نازحون حاليًا داخل اليمن، وقد تعرض عدد كبير منهم لعمليات نزوح متعددة على مدى عدة سنوات، وهذا يضع اليمن ضمن أكبر ست أزمات نزوح داخلي على مستوى العالم”.

وتعد اليمن واحدة من أكثر بلدان العالم عرضة لتأثير أزمة المناخ، لكنها الأقل استعدادا لمواجهتها أو التكيف معها، كما تُصنف كإحدى أكبر أزمات النزوح في العالم، وهناك نحو 4.8 مليون شخص نازح في اليمن، ويعيش كثيرون منهم في مآوي مؤقتة تفتقر للحماية والخدمات الأساسية، حسب منظمة الهجرة الدولية.

شارك الموضوع عبر: