على سفوح الجبال جنوب غربي اليمن، تقف تعز مدينةً مثقلةً بتاريخها وحربها وازدحامها، وبتلوّث يزحف يومًا بعد آخر ليخنق الهواء والتربة، في شوارع المدينة باتت النفايات أحد العناصر الثابتة في المشهد العام، أكياس بلاستيكية تتناثر عند مداخل المستشفيات والمدارس، وأكوام تتكدّس قرب المنازل، ودخان ضار يتصاعد من مواقع الحرق العشوائي حول المدينة.
تظهر بيانات “صندوق النظافة والتحسين” في تعز ارتفاعاً ملحوظاً في كميات النفايات المجمّعة خلال الأعوام الأخيرة. ففي عام 2023 رُحِّل نحو 108,665 طنًا من النفايات الصلبة. وارتفعت الكمية إلى 124,625 طنًا عام 2024، إضافة إلى قرابة ألف متر مكعب من مخلفات السيول و759 مترًا مكعبًا من مخلفات البناء. أما النصف الأول من عام 2025 وحده فقد شهد ترحيل 78,824 طنًا عبر أكثر من 15 ألف رحلة نقل من مختلف المديريات.
مواضيع مقترحة
- أرياف إب تحت رحمة أزمة نفايات لا تنتهي
- تراكم النفايات.. كارثة بيئية وصحية تهدد سكان الأرياف
- الأطفال وجمع البلاستيك: بين لقمة العيش ومخاطر النفايات
تعكس هذه الأرقام ضغطاً تتعرض له منظومة النظافة في المدينة وهي تعاني أصلًا من الهشاشة والتوقف المتكرر وسط عدد من الأزمات المالية والإدارية. وكانت المدينة قد شهدت إضراباً في سبتمبر 2025م إضراباً شاملاً قام به عمال النظافة إثر اغتيال مديرة “صندوق النظافة والتحسين”، إفتهان المشهري، أدى إلى تكدس أكوام القمامة وازدياد المخاوف من مخاطر صحية قد تؤثر على الصحة العامة.
مكبات عشوائية
ووفقاً لمسؤولي الصندوق، تنتج المدينة يوميًا ما يصل إلى 600 طن من النفايات الصلبة والطبية الخطرة التي تنقل غالباً إلى مكبّ الضباب، أو إلى مكبات عشوائية أخرى دون معالجة، وبطرق تفتقر إلى الحدّ الأدنى من السلامة البيئية.
هنا تصبح المشكلة أكبر مما يراه الناس في الشوارع؛ تتعرض أكوام النفايات المكشوفة في المكبات لمختلف العوامل الجوية، فتصبح بؤر تجمع للقوارض والحشرات، وتترسب بقاياها والملوثات الناتجة عنها إلى التربة والمياه الجوفية.

يرى الباحث البيئي “محمد عبد الملك الشجاع” أن تعز تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في تلوث الهواء والتربة والمياه، ويؤكد أن “الملوثات الناتجة عن المكبات العشوائية ساهمت في انتشار أمراض الحميات كالضنك والملاريا واضطرابات الكبد والجهازين التنفسي والهضمي”.
في أكتوبر الماضي، كان مكتب الصحة في تعز قد سجّل 3,259 حالة من حمى الضنك وحميات أخرى منذ بداية العام، رغم أن هذا الرقم يمثل انخفاضاً ملموساً في عدد حالات العدوى مقارنة مع العام السابق، بحسب مسؤول الإعلام في مكتب الصحة بتعز “تيسير السامعي”.
السامعي أرجع التحسن إلى الجهود التي بذلها المكتب في مكافحة الحشرات الناقلة للأمراض، رغم ذلك ما تزال المدينة تعاني من انتشار الأمراض المرتبطة بانتشار النفايات.
من جانبه، يوضح المسؤول الإعلامي لصندوق النظافة “مكين العجوري”، أن الصندوق لا يزال يعتمد على “مقلب تقليدي” تُجمع فيه النفايات وتُحرق، في غياب أي معالجة بيئية.
حديقة بلاستيكية
ويشير إلى ضعف المبادرات المجتمعية سابقًا، لكنه يلاحظ تحسنًا نسبيًا تشهده المدينة على إثر اغتيال المشهري، حيث ظهرت مبادرات للتشجير ونظافة الأحياء من بينها مبادرة “وهج النسوي” ومبادرة شبابية في مديرية المعافر.

تفتقر تعز لأي بنية تحتية رسمية لإعادة التدوير، ما يجعل النفايات تنتقل مباشرة إلى المكبّ دون فرز أو استغلال للمواد القابلة لإعادة الاستخدام، يبرز الفراغ المؤسسي بوصفه أحد أسباب تفاقم أزمة النفايات في تعز من جهة، ومن جهة أخرى، الدافع للمجموعات الشبابية في قيامهم بمحاولات متواضعة للحد من الأزمة وآثارها.
تعد مبادرة “الحديقة البلاستيكية” واحدة من أهم هذه الفعاليات الشبابية. تقوم المبادرة على جمع النفايات البلاستيكية وفرزها وإعادة تدويرها لتحويلها إلى أدوات زراعية وفنية. وقد اختارت المبادرة أحد المكبات بهدف استصلاحه وتحويله إلى حديقة مجتمعية تُزرع بها نباتات مقاومة للجفاف.
ويؤكد رئيس جمعية “بصمة خضراء” القائمة على هذه المبادرة، “خالد البعداني”، أن الفريق يعمل على جمع النفايات وفرزها من المصدر، وتحويلها إلى مواد وأدوات قابلة للاستخدام، بعد تنفيذ حملات تنظيف واسعة في عدة أحياء.
يرعى “نسيم المسلمي” مبادرة شبابية أخرى تهتم بإعادة تدوير النفايات الصلبة ولكن على نطاق متواضع. ما يزال نشاط المسلمي ومجموعته يقتصر حالياً على جمع بعض المواد السهلة والبسيطة التي يسهل تدويرها كمخلفات الورش والقناني الزجاجية.
إعادة تدوير
مستقبلاً، يطمح العاملون على المبادرة أن يتوسع مشروعهم ليشمل المواد البلاستيكية والمطاطية التي يمكن إعادة استخدامها في العديد من المجالات. ينشط المسلمي ومجموعته أيضاً بإقامة ورشات عمل تعليمية تهدف إلى الإضاءة على أساليب التدوير وتقنيات الاستدامة وقصص نجاح.

بعض المبادرات الأخرى تحاول العمل على نطاق أوسع بعض الشيء وتحويل جمع النفايات وإعادة تدويرها إلى مشاريع تجارية. يبرز هنا المعمل الذي أسسه “ذي يزن السوائي” بهدف تدوير المواد العضوية القابلة للتحلل السريع. حصل السوائي على الدعم من إحدى المنظمات التي تهتم بمشاريع الاستدامة في مدينة تعز، ولكن المشروع لم يستمر طويلاً.
بحسب السوائي، تأسس المشروع في أكتوبر من عام 2024 ولكنه اليوم متوقف منذ خمسة أشهر. كان المعمل ينتج الأسمدة العضوية ويقوم بتوزيعها على المزارعين والمحلات الزراعية، وكانت الخطة أن ينتقل المشروع إلى مرحلة بيع المنتج وصولاً إلى تحقيق الربح لاحقاً، ولكن لم يتحقق هذا الهدف.
يرى السوائي أن المشكلة تكمن في قلة المعرفة لدى المزارعين الذين يفضلون استخدام الأسمدة الكيميائية بسبب النتائج السريعة التي تحققها، بالإضافة إلى شح الطلب والإمكانيات، توقف المعمل الذي لم يحصل على أي دعم من السلطات المحلية، ولا وتعاون في جمع النفايات وفرزها من أجل الحصول على المواد المناسبة.
*ُأنتجت هذه المادة في إطار برنامج تدريبي بالتعاون مع “أوان” ومنظمة “دعم الإعلام الدولي” International Media Support ( lMS)

