لم تكن “لطفية عبدالحفيظ (55عاما)” تتخيل أن المعاناة التي رافقتها طيلة ثلاثين عاما في مواسم الحصاد، ستنتهي يوما ما بدخول آلة الحصاد، فهي لسنوات قضت أياماً طويلة شاقة تحت أشعة الشمس داخل قريتها بريف الصلو بمحافظة تعز، في مهمة فصل الحبوب عن السنابل يدويا، وسط تعب مضن وجهد لا ينقطع في كل موسم حصاد.
وعلى امتداد عقود طويلة ارتبط موسم الحصاد في الأرياف اليمنية بمشاهد العمل الشاق، خاصة بالنسبة للنساء، اللواتي تحملن عبئا مضاعفا في فصل الحبوب عن السنابل بوسائل تقليدية مرهقة، إلا أن دخول آلة الحصاد الحديثة شكل نقطة تحول واضحة في حياة المزارعين.
مواضيع مقترحة
- التغيرات المناخية تسبب تراجع بمحصول الذرة الرفيعة
- زراعة القمح في شبوة بين التوسع والتحديات
- مزارعات ريمة: من انتظار الحصاد إلى الاستثمار
تقول لطفية إنها تنظر إلى نساء الجيل الجديد وهن ينجزن ما كان يستغرق أياما في ساعات قليلة وبجهد أقل، بشعور من الارتياح والفخر، وبرأيها جاء التطور الزراعي متأخرا، لكنه أنقذ نساء قريتها من مشقة طويلة، ومنحهن قدرا من الراحة والكرامة لم تعرفها الأجيال السابقة.
آلة ميكانيكية
يعرّف الخبير الزراعي “عبد القادر السميطي” الحصّادة أو ما تعرف محليا بـ”اللباجة” أنها عبارة هي آلة زراعية ميكانيكية تقوم بفصل الحبوب عن السنابل بطريقة سريعة ونظيفة، وذلك من خلال حركة دورانية تقوم بدرس السنابل وغربلة الحبوب.
ويلفت إلى أن الحصادة تُخرج الحبوب السليمة في جهة، والمخلفات، مثل القش والحبوب المكسّرة، في جهة أخرى، وتعد من أهم الآلات الحديثة التي توفر الوقت والجهد وتُحسّن جودة الحبوب وتُقلل من الفاقد أثناء عملية الحصاد.
تستعيد لطفية تفاصيل طرق الحصاد التقليدية التي كانت شائعة في قريتها، وتقول لـ “ريف اليمن”: “كنا نجمع السنابل في أماكن محددة، إما فوق أسطح المنازل أو في مواقع مخصصة خارجها تُسمى (المِجران)، وهو فناء مسوّر ومصبوب بالإسمنت تُجفف فيه السنابل لفترة من الزمن”.

وتضيف أن عملية فصل الحبوب كانت تبدأ بعد التجفيف، باستخدام العصي المعوجة المعروفة باسم “الملباج”، وتتطلب جهدا جماعيا يشارك فيه أكثر من شخص، بحسب كمية المحصول، ويتم تنظيم العمل وفق ما يملكه كل مزارع من سنابل.
لا تخفي لطفية آثار تلك المرحلة على جسدها، موضحة أن العمل اليدوي كان يسبب لها حكة شديدة تستمر أياما بسبب الشوائب الدقيقة المعروفة محليا بـ“الروغ”، أو ” الحمط”، إلى جانب آلام حادة في الظهر وأصابع اليدين وعضلات الذراع، فضلا عن إجهاد العينين والصداع الناتج عن التعرض للشمس والتركيز لساعات طويلة.
لم تكن هذه المعاناة حكرا على تعز وحدها، فطرق الحصاد التقليدية تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تشابهت في الجهد والوقت المبذول، ففي بمحافظة ريمة، يشرح “راشد البكالي”، أن الأهالي كانوا يعتمدون طريقتين رئيسيتين لاستخراج الحبوب قبل وصول آلة اللّبّاجة.
ويقول لـ“ريف اليمن” إن الأولى تعتمد على إعداد “المِجران” وتسوية أرضيته بالماء والتراب، ثم وضع السنابل اليابسة وإدخال ثور يدوسها بحركة دائرية حتى تتحول السنابل إلى حبوب، فيما تتمثل المرحلة التالية في تصفية الحبوب من بقايا السنابل والشوائب، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا، وفي حال بقاء حبوب داخل السنابل يتم ضربها بالعصي يدويا لاستخراجها.

أما الطريقة الثانية -بحسب البكالي- فكانت تعتمد على ضرب السنابل بالعصي مباشرة، وهي أكثر إجهادا وتستغرق وقتا أطول، ويؤكد أن هاتين الطريقتين كانتا تستهلكان أياما من العمل الشاق، بينما اختصرت آلة اللّبّاجة كل ذلك؛ إذ أصبح ما ينجز في أيام ينجز خلال نصف ساعة أو ساعة فقط.
الآلة من الداخل
من زاوية أخرى، يقدم “محمد المسوري”، أحد مالكي آلات الحصاد، صورة أوضح عن واقع هذه الآلة، ويقول إن اللّبّاجة تصنع محليا في محافظة صعدة، وتتراوح أسعارها بين 7500 و11000 ريال سعودي، إضافة إلى تكاليف النقل والتنقل والإقامة خلال موسم العمل.
ويوضح أن الآلة تعمل بواسطة محرك ديزل متنقل، ويمكن تطويرها بشكل أفضل، عبر تصميم محرك خاص متصل بها، وتثبيتها على قاعدة مناسبة داخل السيارة لتقليل الاهتزازات التي قد تسبب تشققات في هيكلها.
ويشير المسوري إلى أن بعض المناطق لا تصلها هذه الآلة بسبب غياب الطرق، كما تواجه تحديات فنية تتعلق بالاهتزاز والتشققات أثناء التشغيل، مؤكدًا أن استخدام حديد صلب ومقوى، وتثبيت قاعدة متينة، يمكن أن يخفف من هذه المشكلات.

في إحدى مناطق ريف دلتا أبين، قرر عدد من المزارعين شراء آلة حصاد بشكل جماعي، بهدف تقليل الفاقد أثناء حصاد الحبوب، وبعد أول استخدام، اكتشفوا أنهم وفروا أكثر من 30% من الحبوب التي كانوا يخسرونها خلال الحصاد اليدوي أو الضرب بالعصي التي يتناوب المزارعون على استخدامها.
هذه التجربة رفعت الإنتاج وزادت الدخل، وحولت الآلة من مجرد هيكل حديدي إلى قصة نجاح جماعية غيّرت أسلوب الحصاد والتجميع بالكامل، ومع مرور الوقت، انتشر استخدام آلة اللّبّاجة في مناطق زراعية مختلفة من اليمن، سواء عبر مزارعين يمتلكونها أو عبر استدعائها من مناطق أخرى خلال موسم الحصاد.
محصول عالي الجودة
يوضح الخبير الزراعي عبدالقادر السميطي أن آلة اللّبّاجة تتميز بقدرتها العالية على فصل الحبوب بشكل دقيق ونظيف، حيث تفرز الحبوب السليمة عن المشوهة، ما يمنح المزارع محصولا عالي الجودة، وفرص تسويق أفضل، وربحًا أكبر، كما يساعد في إعداد بذور ذات نوعية جيدة للمواسم القادمة، وهو ما يسهم في استدامة الإنتاج، وتحسين الغلة عامًا بعد آخر.
ويضيف لـ”ريف اليمن”، أن المخلفات الناتجة عن عملية الحصاد يمكن استغلالها في تغذية الحيوانات أو في صناعة السماد العضوي (الكمبوست)؛ مما يسهم في تحسين خصوبة التربةـ وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية، محولًا بقايا المحصول من عبء إلى مورد اقتصادي وغذائي.

يتفق ناشطون وخبراء زراعيون على أن أهمية آلة الحصاد لا تقتصر على توفير الوقت والجهد فحسب، ومنهم السميطي الذي يؤكد أن المزارع كان سابقا يقضي يوما كاملا في عملية اللباجة اليدوية، مع تكاليف مرتفعة وفاقد كبير من الحبوب، بينما تنجز اللّبّاجة اليوم نفس العمل خلال أقل من ساعتين، وبجودة أعلى ومجهود أقل.
ويشير إلى مزايا إضافية مثل خفض تكاليف الأيدي العاملة، وتقليل الفاقد أثناء التذرية، ورفع إنتاجية المزارع، فضلا عن سهولة تعبئة الحبوب مباشرة في الأكياس، وهذه الميزة تختصر خطوات كثيرة كانت تهدر فيها كميات من الحبوب أثناء الجمع والنقل؛ ما يقلل الهدر خلال مراحل الجمع والنقل.
في المحصلة، لا ينظر إلى إدخال آلة اللّبّاجة في زراعة الحبوب في أرياف اليمن بوصفه تحديثا تقنيا فحسب، بل خطوة اقتصادية واستراتيجية تسهم في تحسين جودة الإنتاج، وتقليل النفقات، والاستفادة من المخلفات، وتحقيق محصول أفضل في وقت أقل، بما يعزز من استدامة الزراعة ويدعم معيشة المزارعين.

