الإثنين, فبراير 9, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

آبار اليمن المتلاشية: كيف أصبحت المياه سبباً للنزاعات؟

تتصاعد التحذيرات من الجفاف الذي يهدد آبار المياه الجوفية في اليمن، ويبرز التغير المناخي سوء إدارة المواد المائية من أبرز الأسباب، وخلال السنوات الماضية زادت حدة النزاعات والعنف بسبب المياه في العالم.

وبحسب تقرير نشرته مجلة فير بلانيت «Fair Planet» الألمانية، مع انهيار شبكات الإمداد الرسمية، بات جمع المياه مسؤولية يومية تتحملها الأسر،فما كان يتدفق عبر الصنابير العامة أصبح يُحمل على الأكتاف بعبوات بلاستيكية ورحلات متكررة إلى ينابيع بعيدة، وكل عبوة تضيف عبئًا يسحب الفتبات من المدارس لمساندة أسرهن.

وفي شرق اليمن تقف مضخات الديزل معطلة فوق آبار جافة خراطيمها متشققة بفعل الحرارة الشديدة، وإلى جانب أزمتي الوقود والكهرباء، تبرز معضلة شح المياه الجوفية في الكثير من القرى الريفية، وفق التقرير الذي نشر بعنوان ‹آبار اليمن المتلاشية›.

يُصنف اليمن ضمن أكثر دول العالم معاناةً من ندرة المياه، حيث تراجع نصيب الفرد السنوي إلى نحو 83 متراً مكعباً، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بخط الفقر المائي الدولي المحدد بـ 500 متر مكعب. وفي بعض المناطق، يشهد منسوب المياه الجوفية انخفاضاً حاداً يتراوح بين متر وثمانية أمتار سنوياً، مما أدى إلى تحول الآبار التي كانت تروي مجتمعات بأكملها إلى مصادر للمياه المالحة، أو نضوبها تماماً.


مواضيع مقترحة


حروب المياه

تُشير التقارير إلى أن ما يتراوح بين 70% و80% من النزاعات في الريف اليمني تتمحور حول الموارد المائية والأراضي. ووفقاً لتقديرات المركز الدولي المعني بتأثير الصراعات على المدنيين CIVIC، يلقى نحو أربعة آلاف شخص حتفهم سنوياً في اليمن جراء هذه النزاعات.

تجدر الإشارة إلى أن نزاعات المياه في اليمن ليست سوى صورة مصغرة لاتجاه عالمي متصاعد، إذ يحذر الخبراء من تضاعف وتيرة العنف المرتبط بالمياه منذ عام 2022 وفقا تقرير صحيفة الغارديان «The Guardian» البريطانية الذي رصد خارطة الصراعات المائية حول العالم.

يقول الدكتور بيتر جليك، المؤسس المشارك في CIVIC “تتعدد أسباب تزايد النزاعات وإلى جانب أزمة المناخ والظواهر الجوية المتطرفة، تلعب عوامل مثل فشل الدول، والفساد الحكومي، وتهالك البنية التحتية دوراً محورياً”. ومن جانبها، أكدت جوانا تريفور، مسؤولة الأمن المائي في منظمة “أوكسفام”، رصد زيادة ملحوظة في النزاعات المحلية الناجمة عن انعدام الأمن المائي.

وفقاً لتقارير صحيفة “الغارديان”، تتشكل ملامح أزمة المياه العالمية اليوم كواحدة من أعقد القضايا الأمنية؛ ففي الشرق الأوسط، تحولت المياه إلى سلاح مباشر من خلال الاستهداف الممنهج لشبكات التوزيع ومحطات التحلية في قطاع غزة، مما أسفر عن انهيار البنية التحتية للصرف الصحي وتلوث مياه الشرب.

آبار اليمن المتلاشية: كيف أصبحت المياه سبباً للنزاعات؟

وبالانتقال إلى جنوب آسيا، يتصاعد النزاع الدبلوماسي بين الهند وباكستان حول بنود “معاهدة مياه نهر السند”، بالتزامن مع ما تشهده أوروبا من استهداف متعمد للسدود الكهرومائية في أوكرانيا ضمن العمليات العسكرية الجارية.

في أفريقيا أدت ندرة الموارد في شرق أفريقيا ومنطقة الساحل إلى تأجيج المنافسة التي دفعت السكان للنزوح والاصطدام بمجتمعات محلية أخرى، وهو صراع على الموارد يجد صداه في الأمريكتين، حيث تحول نهرا “كولورادو” و”ريو غراندي” إلى مادة للجدل السياسي الحدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك، مما أدى لسقوط ضحايا خلال احتجاجات المزارعين.

كما تبرز آسيا الوسطى كبؤرة توتر محتملة بين أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان؛ نتيجة شروع أفغانستان في بناء قناة “قوش تيبا” التي تهدد بتقليص الحصص المائية لجيرانها من نهر “جيحون”، مما يضع المنطقة أمام تحديات وجودية تتجاوز الحدود السياسية.

انهيار المؤسسات

يشير تقرير مجلة “فير بلانيت” الألمانية إلى أن الأزمة اليمنية ليست مجرد حالة معزولة، بل هي انعكاس لنمط عالمي أوسع؛ فمع تصاعد الضغوط المناخية يخطو العالم نحو حقبة من “الإفلاس المائي”، حيث يواجه قرابة أربعة مليارات شخص نقصاً حاداً في المياه سنوياً.

ومع انهيار شبكات الإمداد الرسمية، تحولت عملية جلب المياه إلى عبء منزلي شاق؛ فبدلاً من تدفق المياه عبر الأنابيب، باتت تُحمل يدوياً وتُقاس بالعبوات البلاستيكية عبر رحلات يومية منهكة إلى ينابيع وخزانات بعيدة. الأمر الذي أجبر الفتيات ترك مقاعد الدراسة لتأمين احتياجات أسرهم.


يوجد في اليمن أكثر من 4.8 مليون نازح داخلياً، يتمركز أغلبهم في مناطق تفتقر إلى أدنى مقومات شبكات المياه


وتستهلك الزراعة في اليمن أكثر من 90% من موارد البلاد المائية إذ تسيطر زراعة القات على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ومع غياب الرقابة الحكومية، تفشت ظاهرة الآبار غير المرخصة، مما أدى إلى استنزاف الأحواض الجوفية وهو ما ينذر بكارثة بيئية واجتماعية طويلة الأمد.

يؤكد التقرير أن أزمة المياه في اليمن ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى ما قبل الحرب، إلا أن الصراع الذي اندلع عام 2015 سرّع من وتيرة الانهيار بشكل حاد؛ حيث تضرر أو دُمر ما يقارب نصف البنية التحتية للمياه بما في ذلك المضخات، الأنابيب، الخزانات، ومحطات المعالجة.

بالإضافة إلى ذلك تأتي أزمة تغير المناخ ليزيد المشهد تعقيداً إذ تشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة بمعدل يتراوح بين 1.2 و 3.3 درجة مئوية بحلول عام 2060 سيؤدي إلى تسارع وتيرة استنزاف المياه الجوفية وتوسع ظاهرة التصحر.

آبار اليمن المتلاشية: كيف أصبحت المياه سبباً للنزاعات؟

استدامة الموارد المائية

يضاعف تراجع اهتمام المانحين في اليمن من تعقيد الأزمة فبعد عقد من الحرب باتت البلاد تتنافس بصعوبة على لفت الأنظار وسط أزمات دولية متصاعدة في أوكرانيا وغزة، لكن مع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه المأساة ليست قدراً محتوماً، بل يمكن تجاوزها عبر تبني حلول عملية قائمة.

من الممكن إعادة إحياء نظم تجميع مياه الأمطار التي شكلت ركيزة الحضارات اليمنية القديمة، وذلك عبر ترميم المدرجات الزراعية وإنشاء السدود الصغيرة التي تعمل على تغذية الأحواض الجوفية. تاريخياً، بنى اليمنيون قدرة هائلة على الصمود من خلال الحواجز الحجرية التي تحجز المياه وتحمي التربة من الانجراف.


يشدد خبراء  على ضرورة صياغة معاهدات مائية عابرة للحدود تتسم بالشفافية والمساءلة، وتضمن الحق الإنساني الأصيل في الوصول إلى الماء


واليوم، بدأت بعض المجتمعات الجبلية بالفعل في استعادة هذه النظم التقليدية، ورغم أن المكاسب لا تزال أولية، إلا أنها تراكمية ومبشرة؛ إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن تبني استراتيجيات مناخية شاملة قد يجنّب البلاد خسائر اقتصادية تصل إلى 93 مليار دولار بحلول عام 2060.

وعلى امتداد الشريط الساحلي، تبرز محطات تحلية المياه كخيار استراتيجي لتزويد المدن الحضرية باحتياجاتها، شريطة تجاوز العقبات السياسية والتمويلية. كما تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاحات زراعية جريئة، لاسيما في ملف تقليص زراعة “القات”، وهو ما سيؤدي إلى تحرير كميات هائلة من المياه المستنزفة في محصول غير مستدام.

ومازالت أن الحلول الحالية لأزمة المياه في اليمن التي يحاول السكان التكييف عليها تعتمد بشكل كبير على “الصمود الفردي”، لكن هذه المشكلة المعقدة تحتاج لخطة إستراتيجية طويلة الأمد وهذا يتطلب إيقاف الحرب واستثمارات ضخمة في البنية التحتية وتغييراً جذرياً في السياسات الزراعية.

شارك الموضوع عبر: