الإثنين, مارس 30, 2026
.
منصة صحافية متخصصة بالريف في اليمن

من الأمية للتمكين.. كيف غيّر التعليم حياة نساء شبوة؟

لم يعد محو الأمية في محافظة شبوة شرقي اليمن مجرد برامج تعليمية لتلقين الحروف، بل تحول إلى نقطة انطلاق غيرت مسار حياة مئات النساء، وفتحت أمامهن آفاقا جديدة في الوعي والتعليم والعمل، فبين دفاتر بسيطة وفصول متواضعة، بدأت قصص تحول عميقة، انتقلت فيها نساء من العجز إلى القدرة، ومن التبعية إلى المشاركة الفاعلة في أسرهن ومجتمعهن.

أم ناصر، وهي إحدى نساء مديرية نصاب بمحافظة شبوة وأم لأربعة أبناء، لم تكن تتخيل أن فك رموز الحروف الأبجدية سيشكل نقطة تحول جذرية في مسار حياتها، فعلى مدى عقود، قيدها الشعور بالعجز أمام تساؤلات أطفالها البسيطة، واضطرارها للاعتماد الكلي على الآخرين في متابعة احتياجاتهم المدرسية.

تصف أم ناصر، معاناتها السابقة قائلة:” لم أكن أدرك كيفية مساعدة أطفالي في تحصيلهم الدراسي، أو استيعاب متطلبات رعايتهم الصحية”، وتضيف حول التحول الذي طرأ على حياتها:” عقب التحاقي ببرنامج محو الأمية، بدأت بإتقان مهارات القراءة والكتابة والحساب، وكان الإنجاز الأسمى بالنسبة لي هو القدرة على قراءة القرآن الكريم”.


مواضيع مقترحة


مع كل حرف جديد، شهدت شخصية أم ناصر نضجا ملموسا غير نظرتها للواقع؛ إذ بات لها اليوم صوت مسموع ودور فاعل داخل أسرتها، كما أصبحت قادرة على الإشراف المباشر على تعليم أبنائها واتخاذ قرارات أكثر وعياً ترتقي بمستوى معيشتهم.

التعليم طريق الحياة

لم يتوقف طموح أم ناصر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل مواكبة العصر عبر تعلم مهارات التواصل الهاتفي واستخدام شبكة الإنترنت للاطلاع على الأخبار واستقاء المعلومات المفيدة، كما لم يعد التعليم بالنسبة لها مجرد مهارة مكتسبة، بل بوابة استعادت من خلالها ثقتها بذاتها، ومكنتها من تربية أبنائها بوعي أكبر.

التحقت أم ناصر ببرنامج محو الأمية عام 2021، بعد أن أدركت أن عدم قدرتها على القراءة والكتابة يعيق حياتها اليومية ويحد من قدرتها على مساعدة أبنائها. وبدأت رحلتها التعليمية، وواصلت حضور الدروس بانتظام.

وتقول:” حصلت على الشهادة الأساسية في عام 2022، لم تكن دراستي سهلة في البداية، لكن مع مرور الوقت بدأت أفهم، وأصبحت قادرة على القراءة والكتابة، وبالفعل، تمثل برامج محو الأمية فرصة حقيقية للنساء اللاتي حُرمن من التعليم في صغرهن”.

تجربة أم ناصر أصبحت نموذجا لمئات القصص التي تعكس الأثر العميق لبرامج محو الأمية على حياة النساء في محافظة شبوة، تتجاوز هذه التحولات حدود تعليم الحروف لتصبح أدوات حقيقية للتمكين الاقتصادي والاجتماعي والصحي لا سيما في المناطق الريفية ومجتمعات النزوح.

من الأمية للتمكين.. كيف غيّر التعليم حياة نساء شبوة؟
أحد فصول محو الأمية في مديرية الحوطة بمحافظة لحج جنوب اليمن (UNDP Yemen)

من جانبها، تستعرض أم سالم (40 عاما) تجربتها قائلة لـ “ريف اليمن”:” إن التعليم منحنا القدرة على إدارة شؤوننا الخاصة والتفكير بطريقة سليمة؛ فبات بمقدوري حل مشكلات أبنائي بأسلوب صحيح”.

تستذكر أم سالم بوعي كيف كانت تمنع أطفالها سابقا من اللعب مع أقرانهم أو ممارسة كرة القدم، ظنا منها أن المذاكرة يجب أن تشغل كل أوقاتهم، بينما تدرك الآن أهمية تنظيم الوقت بين اللعب والتعليم وفق أسس تربوية سليمة.

وتضيف:” التحقت بمحو الأمية في عام 2021، وكنت أواجه صعوبة في البداية؛ ففي الأسبوع الأول لم أفهم شيئاً، لكن بعد مرور شهر بدأت أتحسن وأفهم الحروف، كما واجهت صعوبة في التوفيق بين حضور الدروس وأعمال المنزل ورعاية أسرتي، لكنني كنت مصممة على التعلم، واستمررت في الدراسة ثلاث سنوات”.

وتؤكد التربوية مريم عبدربه لـ”ريف اليمن” أن مراكز محو الأمية في شبوة تحولت إلى محاور اجتماعية فاعلة، موضحة أنها تمنح النساء القدرة على إدارة مواردهن المالية عبر مشاريع صغيرة، واستيعاب القيمة الحقيقية لأعمالهن.

وأضافت أن البرنامج مكّن النساء من التعامل مع الأسواق بشكل مستقل، وقراءة الأسعار والفواتير بدقة، ورفع مستوى الوعي الصحي فيما يخص تغذية الأسرة والرعاية الصحية الأساسية، إلى جانب اتخاذ قرارات أسرية أكثر نضجاً، واكتساب مهارات تقنية مثل استخدام الهاتف والإنترنت لتعزيز التعلم المستمر.

تحول ملموس

لا يقتصر أثر برامج محو الأمية في محافظة شبوة على الجانب التعليمي فحسب، بل يمتد ليشمل تحولات جذرية في الحياة اليومية للنساء، حيث أوضح محمد العشلة، مدير فرع جهاز محو الأمية وتعليم الكبار بالمحافظة، أن عام 2025 شهد التحاق 1683 دارسة ببرامج محو الأمية، توزعن على 87 صفاً دراسياً في تسع مديريات هي:عتق، ميفعة، رضوم، الروضة، حبان، الصعيد، نصاب، مرخة السفلى، وعرماء.


مدير فرع جهاز محو الأمية بشبوة: شهد عام 2025 التحاق 1683 طالبة ببرامج محو الأمية، توزعن على 87 صفاً دراسياً في تسع مديريات


وأكد العشلة لـ”ريف اليمن” على أهمية الاستثمار في تدريب المعلمين وتطوير مهاراتهم في التعليم غير النظامي، بوصفه وسيلة أساسية لرفع جودة التعليم واستقطاب الفئات العمرية الأكبر سناً، مشيراً إلى أن الجهاز يعمل حالياً على توسيع نطاق الفصول الدراسية بما يتلاءم مع احتياجات المناطق الريفية والنائية.

تشير التربوية مريم عبدربه، إلى أن التغييرات التي طرأت على الدارسات تجاوزت حدود الأبجدية لتطال منهجية التفكير واتخاذ القرار؛ إذ أصبحت النساء أكثر قدرة على التحليل المنطقي للمشكلات الأسرية، سواء في الجوانب الصحية أو الاقتصادية.

وأضافت:” لاحظنا تطورا ملموسا في مستوى الوعي؛ فقد أصبحت المرأة تطرح الأسئلة وتناقش المعلومات بوعي أكبر، مما منحها القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ والتعامل مع شؤون حياتها بثقة تعزز دورها داخل المجتمع”.

لم يقف هذا التحول عند حدود المعرفة، بل فتح آفاقاً اقتصادية جديدة؛ حيث مكنت مهارات القراءة والكتابة والحساب العديد من النساء من اقتحام سوق العمل عبر مشاريع صغيرة مدرة للدخل، مثل بيع البخور، والعطور، والخياطة، وصناعة المأكولات المنزلية.

كما ساعدت المهارات الحسابية الأساسية هؤلاء النساء على تسعير المنتجات وإدارة الأرباح والخسائر بكفاءة، ما عزز استقلاليتهن المادية وقلل من اعتمادهن على المساعدات المحدودة، وأسهم ذلك في تغيير نظرة المجتمع المحلي، ليصبح الدور الاقتصادي للمرأة أكثر قبولاً وتقديراً، كونه نتاجاً للعلم والاعتماد على الذات.

تشير البيانات الديموغرافية في اليمن إلى أن نسبة الأمية تصل إلى نحو 38.8% على مستوى البلاد، مع تفاوت واضح بين المناطق الحضرية والريفية، وتعد محافظة شبوة من أبرز المحافظات التي تتركز فيها جهود محو الأمية، خاصة أن نحو 71.15% من سكانها يعيشون في الأرياف، حيث يصعب وصول الخدمات التعليمية بشكل منتظم.

تقول مديرة جهاز محو الأمية بمديرية عتق، الأستاذة ذكرى فرج، إن برامج محو الأمية تمثل خطوة أساسية في تمكين النساء ومنحهن فرصة جديدة للتعلم بعد أن حُرمن منه في مراحل سابقة من حياتهن.

وأوضحت أن هذه البرامج أسهمت في تعليم العديد من النساء القراءة والكتابة والحساب، وهو ما انعكس إيجاباً على حياتهن اليومية، حيث أصبحن أكثر قدرة على إدارة شؤون أسرهن والتعامل مع مختلف المعاملات وفهم القضايا الصحية والاجتماعية.

مؤكدة أن هناك تغيرا واضحا في مستوى وعي النساء الملتحقات بهذه الفصول؛ فالكثير منهن أصبحن أكثر اهتماماً بتعليم أبنائهن وتشجيعهم على مواصلة الدراسة، كما أن بعضهن استطعن تطوير مهاراتهن والمشاركة في أنشطة مجتمعية مختلفة.

وبرغم التحديات التي تواجه برامج محو الأمية، مثل ضعف الإمكانات وقلة المراكز التعليمية في بعض المديريات، فإن الإقبال المتزايد من النساء يعكس مدى الحاجة إلى هذه البرامج ودورها المهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وقدرة على مواجهة التحديات”.

شارك الموضوع عبر: