كشفت دراسة حديثة أن قطاع العسل في اليمن يمتلك إمكانات هائلة لتعزيز الاقتصاد الوطني وتحسين سبل العيش في المناطق الريفية، وأن الجودة الاستثنائية التي يتمتع بها تمنحه قدرة تنافسية عالية للتوسع في الأسواق الدولية وزيادة الأرباح في حال معالجة التحديات.
ووفق دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP» فإن النزاع المستمر، ونقص البنية التحتية، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، وتأثيرات التغير المناخي، تشكل عوائق رئيسية تحد من نمو سلسلة قيمة العسل مشيرةً أن الإنتاج اليمني يعتمد على مزيج من الأساليب التقليدية والحديثة يلعب دوراً حاسماً في تحقيق الأمن الغذائي للأسر.
كما دعت الدراسة إلى تبني استراتيجية تسويقية دولية تُبرز الخصائص الفريدة للعسل اليمني وتسهل وصوله إلى المعارض العالمية، وحثت النحالين على التحول نحو الممارسات المستدامة والحصول على شهادات المنتجات العضوية.
إلى ذلك يبرز الدور المحوري في حماية التنوع البيولوجي وتحديث أساليب الإنتاج سيحولان قطاع العسل إلى محرك نمو اقتصادي مستدام يوفر فرص عمل واسعة في السوق المحلية والعالمية. وفق الدراسة.
مواضيع مقترحة
- العسل اليمني.. إرث أجيال وجودة عالمية
- ‹العسل الوصابي› منتج فاخر يكافح للبقاء
- العسل اليمني يحصد جائزتين رفيعتين في باريس
ركيزة اقتصادية
تمثل سلسلة قيمة العسل في اليمن ركيزةً استراتيجية في القطاعين الزراعي والاقتصادي، حيث تمتد من خلايا النحل في المنحدرات الجبلية وصولاً إلى الأسواق العالمية، معتمدةً على شبكة معقدة من النحالين والمعالجين والتجار الذين كرسوا المنتج كمصدر دخل رئيس لأكثر من 100 ألف عامل.
وفي حين تتصدر مناطق “العصيمات” في عمران و”دوعن” في حضرموت المشهد بإنتاج أفخر الأنواع كالسدر والسمر، والتي تعكس تنوعاً نباتياً فريداً وممارسات تقليدية عريقة، يواجه القطاع اليوم تحديات كبيرة فمنذ عام 2015 تسبب النزاع المستمر في تقليص الصادرات بنسبة تجاوزت 50%، بعد أن كان اليمن يضخ نحو 50 ألف طن سنوياً في الأسواق الدولية.
تظل الخلايا التقليدية للنحل هي الضامن الأول للعسل ذي القيمة الطبية والذوقية العالية الذي يُباع بأسعار مرتفعة
وعلى الرغم من مكانة العسل اليمني، تبرز عقبات هيكلية ومهددات بيئية تقوض استدامة القطاع؛ إذ أدى عدم الاستقرار السياسي إلى إضعاف الدعم المؤسسي وعزل المنتجين عن الأسواق، تزامناً مع أزمة البنية التحتية وغياب معايير الجودة الحديثة.
كما لم تقتصر الأزمات على العوامل البشرية، بل امتدت لتشمل التغيرات المناخية التي ضربت التنوع البيولوجي، حيث أدى جفاف المراعي وندرة الأشجار الأصيلة إلى انخفاض حاد في الإنتاج، مما وضع النحالين أمام خيارات قاسية بين تحمل تكاليف أعلاف باهظة أو التخلي القسري عن خلاياهم، وهو ما يفرض ضرورة التدخل العاجل لإنقاذ هذا المورد وتحويله إلى محرك للتعافي الاقتصادي المستدام.

الوفرة والجودة
تتداخل الجغرافيا اليمنية مع حرفة تربية النحل لتشكل لوحة زراعية فريدة، حيث تتربع شجيرة “السدر” البرية على قمم التلال وسفوح الجبال كمصدر أول لأجود أنواع العسل، يشاركها في ذلك طيف واسع من أشجار الأكاسيا والحمضيات والخزامى البري.
تُمثل سلسلة قيمة العسل ركيزة استراتيجية ومحركاً اقتصادياً حيوياً يؤمن سبل العيش لأكثر من 100 ألف عامل
وفي قلب البيئة، ينفرد النحل اليمني المعروف علمياً باسم ‹Apis mellifera jemenitica› كنوع سلالي أصيل يمنح المنتج خصوصيته العالمية. وتتنوع استراتيجيات النحالين اليمنيين بين الاستقرار في مواقع ثابتة لحماية الخلايا من السرقة والافتراس، وبين “الترحال الرعوي” الذي يقطعون فيه مئات الكيلومترات تتبعاً للمراعي.
ويستخدم النحالين مزيجاً من الخلايا الطينية التقليدية والخشبية الثقيلة، وصولاً إلى ‹خلايا الصناديق› الحديثة التي بدأت تفرض حضورها بنسب متفاوتة تصل إلى 87% في المناطق الجنوبية و72% في الشمال، بحثاً عن كفاءة إنتاجية أعلى وقدرة أكبر على المناورة التسويقية.
وعلى الرغم من التحول نحو العناية الحديثة بالنحل، لا تزال فجوة التحديث تفرض تحدياتها؛ حيث يواجه النحالون ندرة في موردي المعدات الحديثة وارتفاعاً في تكاليفها، فضلاً عن الحاجة الماسة لبرامج تدريبية تدمج بين الخبرة التراثية العميقة والتقنيات المعاصرة.
وتبرز معادلة الجودة مقابل الكمية؛ فبينما تضمن الخلايا الحديثة وفرة الإنتاج، تظل الخلايا التقليدية هي الضامن الأول للعسل ذي القيمة الطبية والذوقية العالية الذي يُباع بأسعار مرتفعة.
ومع ذلك، يظل هذا النشاط الاقتصادي المترنح تحت رحمة تقلبات المناخ وهطول الأمطار غير المنتظم الذي يربك إزهار الأشجار، يضاف إليه خطر الاحتطاب الجائر الناتج عن الفقر، وغياب الأطر التنظيمية التي تحمي سمعة العسل الملكي من عمليات الخلط والغش التجاري، مما يستدعي تدخلاً وطنياً عاجلاً لحماية الغطاء النباتي ودعم سلاسل التوريد المحلية لضمان استدامة الإرث الوطني.

تحدي الدعم
على مستوى الأسر الريفية، لا تزال تربية النحل في اليمن تقاوم الاندثار بالاعتماد على ممارسات تقليدية متوارثة حيث تشكل خلايا الجذوع ولحاء الأشجار في مناطق شمال البلاد الملاذ الأخير للنحالين الصغار لقلة كلفتها، رغم محدودية إنتاجها الذي يتراوح بين 3.5 و5 كيلوغرامات في الموسم الواحد.
غير أن الإنتاج المثقل بالتقاليد يواجه اليوم أزمة مزدوجة فمن جهة، جعلت النزاعات عملية تتبع المراعي الموسمية عبئاً مادياً يفوق طاقة الأسر، ومن جهة أخرى، يظل استخدام المعدات الحديثة كالملابس الواقية وأجهزة الاستخلاص حلماً بعيد المنال نظراً لغلاء أسعارها وصعوبة الحصول عليها، مما يترك جودة المنتج النهائي عرضة لتقنيات معالجة “بدائية” تفتقر للمعايير الحديثة.
و يكشف الواقع المالي عن فجوة عميقة بين النحالين والمؤسسات التمويلية؛ إذ تشير البيانات إلى أن 2% فقط من المنتجين يسعون للحصول على تمويل رسمي، في حين تحجم الغالبية العظمى لأسباب تعكس تعارض الآليات المالية مع السياق الثقافي والواقع العملي.
بينما تحول صعوبة تقديم الضمانات دون وصول 39% من النحالين للقروض، يرى 27% أن أنظمة السداد لا تراعي الطبيعة الدورية لمواسم العسل، فيما تشكل الاعتبارات الدينية المتعلقة بـ”الربا” عائقاً أمام 12%، فضلاً عن أسعار الفائدة التي يراها 20% غير مجدية اقتصادياً.
ورأت الدراسة، أن الأمر الذي يفرض ضرورة تصميم تدخلات تنموية تراعي الخصوصية الثقافية وتوفر قنوات تمويل بديلة، لتمكين النحالين الصغار من كسر حلقة الفقر والانتقال من الإنتاج المعيشي إلى المنافسة السوقية.

الحصاد ومعضلة الأسعار
تخضع عملية حصاد العسل في اليمن إلى تقويم طبيعي دقيق، حيث يضبط النحالون ممارساتهم على إيقاع إزهار نباتات السدر والسمر، في رحلة تمتد من أربعة إلى ستة أشهر من الرعاية والترحال الرعوي لضمان جني الذهب السائل في ذروة خصائصه.
ولا تقتصر الهندسة على الجانب الفني، بل تمتد لتشمل خططاً تسويقية استباقية؛ إذ يسابق عسل السدر الزمن ليتصدر الرفوف بأسعاره المرتفعة وقيمته الطبية، يليه السمر الذي يناور ضمن ديناميكيات عرض متغيرة.
و يصطدم الجهد الاحترافي بواقع تعبئة متواضع في السوق المحلية، حيث تسيطر العبوات البلاستيكية (سعة 5 إلى 20 لترًا) على مشهد البيع، في حين تظل المرطبانات الزجاجية والمعايير الدولية للتغليف حكراً على التصدير الخارجي للامتثال لبروتوكولات السلامة العالمية.
أما بخصوص التسعير، فتكشف الدراسة عن مشهد معقد تتحكم فيه قوى العرض والطلب بنسبة 75%، بينما ينفرد البائعون بتحديد السعر في 16% من الحالات بناءً على كلف الإنتاج. وفي مفارقة لافتة، يرى 71% من المشاركين أن الأسعار الحالية “منخفضة” ولا تعكس القيمة الحقيقية للمنتج، في حين يؤكد 28% أن “نوع العسل” وخصائصه الحسية كاللون والمذاق هما المحركان الأساسيان لشهية الدفع لدى المستهلك.
ويفرض الاختلال في تقدير القيمة على القطاع تبني استراتيجيات جديدة، تبدأ من تثقيف المستهلك والحصول على شهادات الجودة كالعضوية ، وصولاً إلى تقليص سلاسل التوريد والاعتماد على التسويق المباشر، لضمان عدالة السعر للمنتج، وتحويل العسل اليمني من مجرد سلعة محلية إلى علامة تجارية فاخرة تستحق مكانتها في الأسواق العالمية مثل “هونغ كونغ” وغيرها.
خارطة التعافي
لا يمثل العسل اليمني مجرد سلعة اقتصادية، بل هو إرث سيادي تتطلب استعادته حزمة من التدخلات الهيكلية العاجلة؛ تبدأ بإطلاق برنامج وطني شامل لمراقبة الجودة يمتد من شمال البلاد إلى جنوبها، لضمان توحيد أساليب الإنتاج وإدارة الخلايا وفق معايير احترافية.
وتبرز أهمية صياغة استراتيجية تسويقية عابرة للحدود، تضع “عسل السدر” وأقرانه في واجهة المعارض الدولية كمنتجات فاخرة، مع ربط المنتجين مباشرة بالأسواق الواعدة كالسوق الآسيوية في هونغ كونغ.
كما أن تحويل هذا القطاع من النشاط الفردي المشتت إلى العمل التعاوني يعد حجر الزاوية لتحسين القدرة التفاوضية وتسهيل الوصول للموارد، فضلاً عن دور التعاونيات في فرض رقابة صارمة تجتث جذور الغش التجاري وتوثق أصالة المنتج لبناء جسور الثقة مع المستهلك العالمي.
و يبقى رهان النجاح معلقاً على قدرة اليمن في بناء شراكات استراتيجية مع المنظمات الدولية لتأمين التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية، مما يحول سلسلة قيمة العسل من قطاع يصارع البقاء إلى محرك تنموي يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد الوطني.

