تعد الزراعة في اليمن ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ومصدراً رئيساً للأمن الغذائي، فهي تمتلك إمكانات كبيرة حال استثمارها بشكل مدروس ومنظم، لكن اليمنيون لم يستغلون المورد الحيوي بالشكل الأمثل، حيث شهد القطاع الزراعي تدهورا في السنوات الأخيرة نتيجة مجموعة من العوامل المركبة.
الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية أدت إلى ضعف التخطيط والإنتاج الزراعي، كما أدى شح المياه وتراجع هطول الأمطار إلى ضغوط إضافية على الأرض والموارد المائية، مما انعكس سلباً على الزراعة والمزارعين.
مع ذلك، يبقى العامل الأكثر خطورة في الوقت الحالي هو تراجع الخبرة والوعي الزراعي لدى الجيل الجديد، حيث أن النقص في الخبرة لا يقتصر أثره على موسم زراعي محدد أو على ظروف محددة، بل يمس جوهر العملية الزراعية ذاتها.
مواضيع مقترحة
- الزراعة المائية.. خيار المزارعين لمواجهة شحة المياه
- إرث الزراعة اليمنية في “علان” يختفي أمام توسع القات
- التعاونيات مفتاح مستقبل الزراعة اليمنية
غياب الخبرة
لا يبدو المشهد في الأرياف مطمئنا، إذ أن هجرة الشباب إلى المدن بحثا عن أعمال أخرى، أدت إلى انقطاع السلسلة المعرفية التي كانت تنتقل من جيل إلى آخر، ومع رحيل المزارعين القدامى، تراجعت الخبرة المتراكمة، وتُركت المدرجات الزراعية بلا صيانة، وغابت الممارسات التي كانت تحفظ التربة والماء.
يقول المزارع والناشط الزراعي مروان الجنحي إن عزوف الجيل الحالي عن الزراعة لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج وغلاء المعدات، وتراجع الإرشاد الزراعي.
وأوضح الجنحي لـ “ريف اليمن” أن التغيرات المناخية وقلة الأمطار في السنوات الأخيرة، كل ذلك جعل الزراعة، في نظر كثير من الشباب، “مغامرة خاسرة”.
تشير تقارير أممية إلى أن نحو 17.5% من الأراضي الزراعية في البلاد تدهورت خلال السنوات الأخيرة، فيما ارتفعت مساحة الأراضي منخفضة الإنتاجية إلى قرابة 17% من إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة.
الجنحي:كانت الزراعة قديماً تعتمد على أدوات بسيطة وخبرة متوارثة وتكاليف محدودة، بينما أصبحت اليوم أكثر تعقيداً وكلفة
في السياق يذهب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أبعد من ذلك، محذّرا من أن استمرار هذا المسار قد يكلّف البلد نحو 90 مليار دولار من ناتجه المحلي بحلول عام 2040، إضافة إلى تعميق أزمة سوء التغذية، ورغم أن القطاع الزراعي لا يزال يستوعب أكثر من نصف القوى العاملة، ويسهم بنحو 15–20% من الناتج المحلي، إلا أن قدرته على تأمين الغذاء تتراجع عاماً بعد آخر.
زراعة مرهقة
يوضح الجنحي أن الزراعة في اليمن كانت قديماً تعتمد على أدوات بسيطة وخبرة متوارثة وتكاليف محدودة، بينما أصبحت اليوم أكثر تعقيداً وكلفة، دون أن يقابل ذلك عائد مشجع.
وأكد أن كثيراً من المزارعين الشباب يقعون في أخطاء متشابهة هي: العمل دون تخطيط أو إرشاد، سواءً في إدارة المياه، واختيار محاصيل لا تناسب البيئة، لكن أخطر ما في الأمر، أن الأثر لم يعد يقتصر على ضعف الإنتاج، بل امتد إلى التربة نفسها.
تشير بيانات رسمية إلى أن الاعتماد المتزايد على الأسمدة الكيميائية والمبيدات خلال السنوات الأخيرة ساهم بشكل كبير في تدهور التربة وتسممها على المدى البعيد، فالاستخدام المفرط وغير المنضبط لهذه المواد يؤدي إلى فقدان العناصر الغذائية الطبيعية في التربة، ويقلل من نشاط الكائنات الدقيقة الضرورية لتحليل المواد العضوية والحفاظ على خصوبة الأرض.
تتسبب بعض المبيدات في تلوث المياه الجوفية والأسطحية، ما يؤثر بدوره على جودة المحاصيل وسلامتها الغذائية حيث أن هذا الواقع يخلق حلقة مفرغة مع تراجع خصوبة الأرض، يلجأ المزارعون لاستخدام كميات أكبر من الأسمدة والمبيدات، وهو ما يزيد من الضغط على التربة ويعجل بفقدان قدرتها على الإنتاج.
كما يؤدي الاعتماد على المواد الكيميائية إلى تآكل الممارسات التقليدية المستدامة، مثل التسميد العضوي وتنويع المحاصيل والحفاظ على المدرجات الزراعية، التي كانت في الماضي وسيلة طبيعية لحماية الأرض وزيادة الإنتاج.
فجوة معرفية
لا يبدو تراجع كفاءة الأداء الزراعي منفصلا عن الفجوة المعرفية المتسعة بين الأجيال، إذ دخل كثير من الشباب إلى العمل الزراعي دون امتلاك الحد الأدنى من الخبرة العملية أو التأهيل الفني، في ظل غياب الإرشاد الزراعي وضعف برامج التدريب والتأهيل.
ومع تغيّر أنماط الحياة وتراجع انتقال الخبرة من الآباء إلى الأبناء، لم تعد الممارسة الزراعية تُبنى على التراكم المعرفي، بل أصبحت في كثير من الأحيان مجرد محاولات عشوائية تُدار بالاجتهاد والخطأ.
تشير تقارير أممية إلى أن نحو 17.5% من الأراضي الزراعية في البلاد تدهورت خلال السنوات الأخيرة، فيما ارتفعت مساحة الأراضي منخفضة الإنتاجية إلى قرابة 17%
في بيئة زراعية معقدة تتأثر بالمناخ وشح المياه وتقلبات السوق، يتحوّل نقص الخبرة إلى عامل خسارة مباشر، ويجعل المزارع الشاب عاجزاً عن التخطيط السليم للمواسم أو اختيار المحاصيل أو إدارة الموارد بكفاءة.
تشير الدراسات والتقارير الزراعية إلى أن بعض المناطق الزراعية فقدت أكثر من نصف خصوبتها خلال السنوات الماضية، نتيجة تراكم ممارسات زراعية غير مستدامة، مثل الإفراط في استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية، إلى جانب ضعف برامج حماية التربة، وسوء إدارة المياه، وتأثير الضغوط المناخية المتزايدة.
ما هو دور المؤسسات؟
يؤكد المهندس عبدالإله أحمد مرشد، رئيس قسم الوقاية في الهيئة العامة للبحوث الزراعية بمحافظة تعز أن هناك جهود تدريب وإرشاد تُنفَّذ بدعم من منظمات دولية، وتشمل دورات حول التغيرات المناخية والزراعة الذكية، وتطبيقات ميدانية في محاصيل الخضروات والحبوب والبن.
لكنه يعترف في حديثه لـ “ريف اليمن” بأن العمل البحثي متوقف إلى حد كبير منذ 2015 بسبب غياب الموازنة والأوضاع العامة، وأن دور الهيئة يقتصر حالياً على الاستشارات والتطبيقات الميدانية بتمويل خارجي.
وأوضح أن غياب الإحصائيات الميدانية الدقيقة، يَزيد المشهد تعقيدا مشيراً أن معظم البيانات المتوفرة حالياً تقديرية ومحدودة، وآخر الإحصاءات الرسمية تعود إلى 2023، في وقت شهد فيه عام 2025 جفافاً شديداً يتوقع أن ينعكس سلباً على إنتاج الحبوب المتنوعة والبن.
حلول مقترحة
يستذكر مروان الجنحي أساليب كان المزارعون يعتمدون عليها لحماية الأرض أبرزها: التسميد العضوي، إراحة التربة، تنويع المحاصيل، تنظيم السقي، وبناء المدرجات الزراعية، مضيفاً لـ “ريف اليمن” إن كثيراً من تلك الممارسات تراجعت اليوم لصالح حلول سريعة قائمة على الإكثار من الكيماويات، بحثاً عن ربح عاجل ولو على حساب الأرض.
أزمة الزراعة لم تعد مجرد أزمة حرب أو مطر، بل أزمة معرفة وخبرة وإدارة واستمرار تراجع الوعي الزراعي لدى الجيل الجديد تسبب في ضعف الانتاج
لا تتوقف آثار القصور المعرفي عند حدود موسم زراعي واحد، بل تتراكم عاماً بعد عام، إذ تؤدي الأخطاء المتكررة في الري والتسميد ومكافحة الآفات إلى إنهاك الأرض وتراجع الإنتاج وارتفاع كلفة الزراعة.
ومع استمرار هذا النمط، تتحوّل الزراعة من مهنة قائمة على المعرفة والخبرة إلى مغامرة غير محسوبة العواقب، وتزداد الفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة. وفي ظل غياب التأهيل المنهجي، يصبح التعافي بطيئاً، ويضيع جزء كبير من الجهد والموارد، ليس بسبب شح الإمكانات، بل بسبب ضعف المعرفة وسوء الإدارة.
أزمة الزراعة في البلاد لم تعد مجرد أزمة حرب أو مطر، بل أزمة معرفة وخبرة وإدارة إذ يرى البعض بأنه حتى في حال تحسّنت الظروف، فإن استمرار تراجع الوعي الزراعي لدى الجيل الجديد سيبقي الإنتاج ضعيفاً، والتربة مهددة، والأمن الغذائي في دائرة الخطر.
يختصر الجنحي جوهر الحل فيقول: “نحتاج أن نجمع بين خبرة الآباء والأساليب الحديثة المدروسة، مع التخطيط الجيد وإدارة المياه بحكمة، لا البحث عن الربح السريع”،ويختم حديثه قائلاً إما أن نستعيد عقل الأرض أو نواصل خسارتها بصمت.

