الثلاثاء, 23 يونيو 2026
منصة إعلامية يمنية مستقلة متخصصة في تغطية شؤون المجتمع الريفي في اليمن تهدف إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
تحديات

‹بوق الشيطان› نبات سام يتمدد بصمت في اليمن ويهدد الزراعة

📅 يونيو 23, 2026

بينما تقود السلطات العراقية حملة واسعة لمواجهة انتشار نبات الداتورة السام، المعروفة أيضاً باسم تفاح الشوك او ‹بوق الشيطان› يؤكد خبراء وباحثون زراعيون أن هذه النبتة الخطرة موجودة بالفعل في عدد من المحافظات اليمنية، وسط غياب شبه كامل للرقابة أو برامج المكافحة.

ورغم محدودية انتشارها في اليمن حتى الآن يرى مختصون أن تجاهل هذه النبتة قد يسمح لها بالتمدد مستقبلاً، خاصة في ظل قدرتها العالية على التكيف مع الظروف البيئية المختلفة وسرعة انتشارها في الأراضي الزراعية المهملة.

وبحسب تقرير موقع «الجزيرة الإنجليزية» عادة ما تنمو نباتات مثل الداتورة بشكل متفرق في المناطق الصحراوية، لكن يبدو أن نمو هذا النبات قد خرج عن السيطرة في العراق مما أجبر وزارة الداخلية على حث المزارعين والمواطنين على الإبلاغ عنه في حال رصده.

وحذرت من أن النبات يحتوي على مركبات كيميائية شديدة السمية يمكن أن تؤثر على الإنسان والحيوان والنبات، فضلاً عن منافسته للمحاصيل الزراعية على الماء والعناصر الغذائية.


مواضيع مقترحة


تشتهر هذه النبتة بأزهارها البيضاء أو الأرجوانية التي تشبه البوق، وثمارها الخضراء الشائكة، وأوراقها الكبيرة التي تنبعث منها رائحة نفاذة، ورغم تصنيفها كنبتة سامة، إلا أنها تحتوي على مركبات صيدلانية مهمة عند استخدامها طبياً بجرعات دقيقة للغاية، وفق ما قاله خبراء للجزيرة الإنجليزية.

وجود محدود وتحذيرات مبكرة

التحذيرات الرسمية العراقية والتحرك الجاد لمواجهة النبتة أثارت تساؤلات حول وضع هذا النبات في اليمن، حيث يشير مختصون إلى وجوده في عدد من المحافظات، بينها أبين ولحج، مع ملاحظة تزايد ظهوره خلال السنوات الأخيرة.

ويقول المهندس الزراعي عبدالقادر السميطي لـ”ريف اليمن”: “النبات موجود في أبين، لكن لا أحد يركز عليه أو يهتم به”، محذراً من مخاطره بوصفه نباتاً ساماً ومخدراً ينمو عشوائياً في الأراضي الهامشية والمهملة.

من جانبه، يوضح الدكتور عمر بن شعيب، الباحث الزراعي الأول في مركز الكود للأبحاث الزراعية التابع للهيئة العامة للبحوث والإرشاد الزراعي، أن النبات يعرف في بعض مناطق لحج باسم “البنج” بينما يحمل علمياً اسم «Datura stramonium».

ويؤكد بن شعيب خلال حديثه لـ”ريف اليمن”، أن جميع أجزاء النبات سامة، وخاصة البذور، مشيراً إلى أن تناوله بكميات كبيرة قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة.

ويحتوي النبات على مجموعة من القلويدات المعروفة باسم «التروبان» ومن أبرزها الأتروبين والهيوسيامين والسكوبولامين، وهي مركبات تستخدم في الصناعات الدوائية لعلاج بعض الحالات الطبية مثل دوار الحركة وتوسيع حدقة العين وبعض الاضطرابات العصبية، وقد استُخدم هذا النبات طبيًا منذ 500 عام، إلا أن استخدامها يتم تحت إشراف طبي وبجرعات محددة بدقة.

تشتهر نبتة الداتورة بأزهارها البيضاء على شكل بوق وثمارها الشائكة، وأوراقها ذات الرائحة النفاذة

يعود الموطن الأصلي لنبات الداتورة إلى أمريكا الوسطى، حيث استخدمه السكان الأصليون في الطب التقليدي لأغراض التخدير وتسكين الآلام قبل وصول الأوروبيين إلى القارة الأمريكية.

ومع وصول المستعمرين الأوروبيين في أواخر القرن الخامس عشر، لفت النبات الانتباه بسبب تأثيراته القوية على الجهاز العصبي، لينتقل لاحقاً إلى أوروبا ومنها إلى مناطق واسعة من العالم.

وبسبب الاختلاف الكبير في المناخ بين الموطن الأصلي لنبات الداتورة والعديد من البلدان التي يمكن العثور عليه فيها الآن، فإن العلماء في حيرة من أمرهم بشأن كيفية تمكنه من الازدهار، ويقول العلماء عادةً إن النباتات الغازية تقتصر على المناطق التي تشبه إلى حد كبير موائلها الأصلية.

ولفهم ذلك، أجرى فريق بحثي من جامعة إشبيلية الإسبانية دراسة اعتمدت على أكثر من 124 ألف مشاهدة مسجلة للنبات حول العالم، وتمكن الباحثون من توثيق وجوده في 7444 موقعاً مختلفاً.

وأظهرت النتائج أن نحو 57% من مواقع انتشاره تقع في بيئات باردة تختلف عن موطنه الأصلي، ما يكشف عن قدرة استثنائية على التأقلم والتوسع في ظروف مناخية متباينة، كما خلص الباحثون إلى أن النبات تمكن من غزو معظم البيئات المناسبة له عالمياً، ولم يتبق سوى نسبة محدودة جداً من المناطق الملائمة لانتشاره.

يرى مختصون أن التعامل المبكر مع النبات يمثل فرصة مهمة لمنع تحوله إلى تهديد زراعي وبيئي واسع النطاق كما حدث في دول أخرى

ويرى بعض الخبراء أن التربة الغنية بالنيتروجين على ضفاف الأنهار في العراق والمناخ الحار شبه الجاف أثبتا أنهما “البيئة المثالية” لهذه النبتة لإكمال خطة التوسع واستغلال النسبة المتبقية البالغة 1% المتاحة لها عالمياً.

التكيف الفوري

ويقول العلماء إن المفاجأة تكمن في أن نبات الداتورة لا يحتاج إلى مئات السنين للتكيف مع جغرافية موقع جديد، فالنبات يمتلك ‹قدرة كامنة على التكيف الفوري› بمجرد أن تلامس بذوره التربة.

يعزو بعض الخبراء في العراق، هذا الانتشار إلى تراجع النشاط الزراعي خلال فترات الصراع والحروب، ما وفر مساحات واسعة من الأراضي المهملة والخصبة التي ساعدت النبات على التمدد وتعميق جذوره، وهذا يتطابق مع ما تمر به اليمن.

ويشير الدكتور عمر بن شعيب إلى أن أخطار الداتورة الزراعية لا تقتصر على سُميتها، بل تشمل منافستها الشديدة للمحاصيل على الماء والعناصر الغذائية، إضافة إلى سرعة نموها وعزوف الحيوانات عن الرعي عليها بسبب طبيعتها السامة.

ويتفق المهندس السميطي مع هذا الرأي، موضحاً لـ”ريف اليمن”، أن النبات يتحمل الجفاف نسبياً ويمكنه النمو في أنواع مختلفة من التربة، الأمر الذي يجعله من الأعشاب الضارة القادرة على منافسة المحاصيل الزراعية والتأثير على إنتاجيتها.

كيف يمكن مكافحته؟

في الوقت الذي تواصل فيه السلطات العراقية تنفيذ حملات مكافحة تشمل الرش والتوعية والمكافحة البيولوجية، يرى مختصون يمنيون أن السيطرة على النبات لا تزال ممكنة محلياً نظراً لمحدودية انتشاره حتى الآن.

ويؤكد الدكتور عمر بن شعيب أن المكافحة اليدوية ما تزال الوسيلة الأكثر استخداماً في اليمن، لكنه ينتقد تأخر بعض المزارعين في إزالة الحشائش، موضحاً أن كثيراً منهم يؤجلون عملية التعشيب حتى مرحلة الإزهار وتكوين البذور للاستفادة منها كعلف للماشية.

التعامل المبكر مع النبات يمثل فرصة مهمة لمنع تحوله إلى تهديد زراعي وبيئي واسع النطاق

لايزال انتشار نبات الداتورة محدودا جدا، بحيث يمكن العثور على اعداد قليلة جدا ومتفرقة في الويان والحقول بالإضافة إلى سهولة اقتلاعه باليد، إلا أن الباحث بن شعيب يحذر من أن تأخير إزالة الحشائش التي تنتشر مع المحصول وتنافسه على الماء والغذاء يؤدي إلى أضرار كبيرة بالمحصول ويخفض من إنتاجية المحصول وجودته.

ويقول: “أظهرت التجارب أن الفترة الحرجة لإزالة الحشائش من الحقل تكون خلال الربع إلى الثلث الأول من عمر المحصول، حيث تسبب خلالها أكبر الأضرار، ولذلك يجب التخلص منها مبكراً لتقليل خسائر المزارعين”.

ويضيف أن بعض المزارعين يعتقدون أنهم يحققون فائدة من استخدام الحشائش كعلف للماشية، ولكن هذا لا يساوي شيئا أمام الخسارة الكبيرة التي يتكبدونها والتي قد تصل إلى أكثر 70% من المحصول خاصة مع محاصيل الخضر التي تروى أسبوعيا.

لافتا أن استخدام الأسمدة وتوفر المياه يهيئان بيئة مثالية لنمو الحشائش، التي غالباً ما تستفيد من العناصر الغذائية بصورة أكبر من المحصول نفسه، وتنتج كميات كبيرة من البذور القادرة على البقاء في التربة والتسبب بتجدد المشكلة في كل موسم زراعي.

وبينما لا يزال انتشار الداتورة في اليمن محدوداً، يرى المختصون أن التعامل المبكر مع النبات يمثل فرصة مهمة لمنع تحوله إلى تهديد زراعي وبيئي واسع النطاق، كما حدث في دول أخرى، خصوصاً في ظل قدرته الكبيرة على التكيف والتكاثر والانتشار السريع.