يترقب الشاب خالد عبدالله (25 عاماً) مباريات كأس العالم ، ويحمل بيده هاتفه المحمول في قريته الريفية بمحافظة إب وسط اليمن، فهو نافذة بديلة تصله بالملاعب العالمية، يتابع من خلاله تفاصيل بطولة كأس العالم.
خالد الذي كبر على كرة القدم منذ طفولته، ومعه أجيال كثيرة من الشباب في القرى الريفية الذين واكبوا تحولات متابعة البطولة، منذ المشاهدة عبر شاشات التلفاز، إلى شاشات الهواتف الذكية اليوم، بقي الشغف ثابتاً، وإن تغيرت الوسيلة.
وفي 11 يونيو 2026، انطلقت بطولة كأس العالم في نسخة استثنائية وتاريخية بكل المقاييس فهي تشهد أكبر تغيير في نظام المونديال، إذ تصل المدة إلى 39 يوماً، وهي أطول نسخة في تاريخ كأس العالم بسبب زيادة عدد المباريات وتُقام البطولة لأول مرة بتنظيم مشترك بين 3 دول في قارة أمريكا الشمالية.
مواضيع مقترحة
- كأس بعدان: قصة شغف الريف بكرة القدم
- عن شغف كرة القدم في الريف اليمني
- مواهب كرة القدم المنسية في الريف اليمني
شغف كروي
بالنسبة لخالد الذي يعيش تفاصيل الحياة اليومية في قرية ريفية ، فإن كرة القدم ليست مجرد تسلية، بل هي المتنفس والمساحة الأكبر للفرح، إذ أن النسخة من كأس العالم تحدّث لعصام بلغة مختلفة تماماً؛ لغة تحمل طعماً ومذاقاً لم يعهده من قبل في تاريخ متابعته للمستديرة الساحرة.
وتتحول البطولة في الأرياف إلى أكثر من مجرد حدث رياضي، ويمكن تلخيص أبعادها بأنها فرصة ذهبية للشباب لانتزاع مساحات من الفرح والترويح عن النفس في ظل شح البدائل الترفيهية.
يشرح خالد طقوس المشاهدة قائلاً لـ ريف اليمن “يوفر الهاتف حلاً سريعاً لمتابعة المباريات في أي مكان، لكنني أجد متعتي الأكبر عندما أشاهدها برفقة الأصدقاء، حيث ترتفع وتيرة الحماسة، ويشتعل التشجيع، وينقسم المجلس بين مؤازر لهذا المنتخب أو ذاك وهو ما يمنح المباريات نكهة خاصة لا تجدها في المشاهدة المنفردة.”
ترسم الصحافية خديجة خالد، لوحة مغايرة للواقع في الأرياف اليمنية، بطلها الشغف الكروي الذي تحول من مجرد هواية إلى مضاد حيوي نفسي واجتماعي إذ تؤكد أن كرة القدم باتت تمنح الشباب في المناطق الريفية فسحة نفسية حقيقية، وهروباً مؤقتاً من توترات الصراع المستمر في البلاد منذ أكثر من عقد من الزمن.
وتؤكد خديجة لـ “ريف اليمن” أن الالتفاف الشبابي حول الشاشات في الساحات العامة والقرى لا يعكس فقط حب اللعبة، بل يسهم بشكل فعال في خفض مستويات التوتر، وإعادة لُحمة النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات الحرب، ليتحول هذا الشغف الجارف إلى أداة لمواجهة التروما النفسية الناتجة عن النزاع.
وتخلص إلى أن كرة القدم في الريف اليمني أصبحت الملاذ الوحيد والقوة التي تجعل هؤلاء الشباب يركضون في ملاعب ترابية ويستمرون في الحياة رغم شح الإمكانيات، لتظل تلك الساحات العامة رغم رداءة بنيتها التحتية وضيق ذات يد مرتاديها الشاهد الأكبر على أن سحر المستديرة في اليمن هو نافذة الأمل المتبقية لجيل يرفض الانكسار.
رايات عربية
يطوي خالد ذكريات البطولات السابقة التي كان يتابعها بحماس، باحثاً عن منتخب عربي واحد أو اثنين ليعقد عليهما آماله ويمنحهما تشجيعه. أما اليوم، فالإثارة تضاعفت، والرايات تعددت لترسم مشهداً غير مسبوق.
يقول خالد “كنا في السابق نعيش قلق الخروج المبكر لممثلنا الوحيد، ونبقى بقية البطولة مشجعين محايدين. اليوم، ومع مشاركة 8 منتخبات عربية لأول مرة في التاريخ، نشعر بنوع من الوفرة والكبرياء الرياضي هذا المونديال له طعم مختلف، كأننا نحن من يستضيف البطولة على أرضه”.
تحولت حياة خالد اليومية إلى طقس احتفالي فهو يتابع المباريات في الليل وفي النهار يقضي مع أصدقائه في نقاشات كروية لا تنتهي حول فرص الفرسان الثمانية في عبور دور المجموعات. لم يعد الأمر يتعلق بمنتخبه المفضل فقط، بل صار جدول مبارياته مزدحماً بمواعيد تخص فرقاً عالمية.
وتتميز نسخة كأس العالم بزخم عربي لافت وطفرة عددية غير مسبوقة في تاريخ الكرة العربية، حيث يشارك في البطولة 8 منتخبات عربية دفعة واحدة موزعة بين قارتي آسيا وإفريقيا، مما جعل الجماهير العربية تعيش أجواءً حماسية استثنائية. والمنتخبات الثمانية هي: السعودية، مصر، المغرب، تونس، الجزائر، قطر، العراق، والأردن والذي يسجل مشاركته التاريخية الأولى في المونديال.
ملاذات جماعية
في مديرية السياني، وغيرها من القرى الريفية بمختلف المحافظات اليمنية حول البعض مجالسهم إلى ملاعب افتراضية وملاذٍ دافئ لعشرات الشباب الذين ضاقت بهم خيارات مشاهدة المونديال، فجمعهم الشغف ووحدتهم شاشة واحدة.
وعبر توليفة تجمع بين حماس الجيل الجديد وخبرة نجوم الملاعب السابقين، ينسج هذا المكان قصة تكافل اجتماعي بنكهة رياضية، ابطالها لاعبين سابقين قرورا عدم ترك شباب قراهم في الحرمان من متعة المستديرة.
من بين هؤلاء، يبرز الشاب جميل عبده (23 عاماً)، الذي يقطع الطريق برفقة أصدقائه يومياً صوب المجلس، واصفاً الأجواء بقوله لـ “ريف اليمن”: “المشاهدة الفردية عبر الهواتف الصغيرة تقتل متعة اللعبة. نحن نأتي إلى هنا بحثاً عن الشاشة الكبيرة والتشجيع الجماعي الحماسي الذي يجعلك تشعر وكأنك تجلس في مدرجات الملعب تماماً؛ فوسط هذه المجموعة يصبح لكل هدف طعم مختلف”.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تشكل المبادرات حلولاً مجتمعية ذاتية تكسر احتكار الاشتراكات المشفرة، وتخفف من الضغوط اليومية على شباب القرى الريفية في اليمن .





