في منطقة الصُباحة غربي صنعاء، تستيقظ فاطمة محمد( 24 عاماً ) قبل شروق الشمس لتسلك طريقها إلى مدرسة أهلية تعمل بها براتبٍ زهيد بالكاد يغطي احتياجاتها، وتقطع مسافة كيلومترين سيرًا على الأقدام، في طريقٍ ترابية وعرة، تستغرق منها أكثر من ساعة.
تعمل فاطمة في تدريس طلاب الصف الأول الابتدائي، وتمارس في الوقت ذاته عملاً فنياً داخل المدرسة، حيث ترسم الجداريات أملاً في تأمين قوت يومها لعائلتها، وهي حالةٌ تجسد واقعاً صعباً تعيشه كثير من النساء الريفيات في اليمن اللواتي يتحملن أعباء الحياة الثقيلة.
على مدى السنوات الماضية، أجبرت الحرب الكثير من النساء الريفيات على مجابهة ظروف الحياة القاسية، فخرجن إلى سوق العمل ومارسنّ أعمالًا شاقة، بل افتتحت مشاريع استثمارية، وعملن في مهنٍ كانت في الماضي حكرًا على الرجال فقط.
مواضيع مقترحة
-
المرأة الريفية تكافح بمشاريع صغيرة لتأمين الغذاء
-
المرأة الريفية باليمن.. كيف خسرت خلال الحرب؟
-
المرأة الريفية اليمنية: قصة كفاح مُلهمة
كفاح وصمود
تشير التقديرات الأممية إلى أن حوالى 50 ألف شخص يعيشون حالياً في ظروف تشبه المجاعة؛ ويحتاج حوالى 21 مليون شخص (أي أكثر من 66 في المئة من إجمالي السكان) إلى مساعدات إنسانية وحماية.
في خضم الأوضاع القاسية، تعد قصة فاطمة مثالًا حيًا على صمود المرأة اليمنية التي أصبحت عمودًا أساسيًا لأسرتها فهي بعد إحالة والدها للتقاعد وتوقف راتبه ومصادر دخله بسبب الحرب، وجدت نفسها المعيل الأول لعائلتها، وأثبتت قدرتها على الكفاح والتضحية.

على الرغم من راتبها الشهري الزهيد الذي يُقدّر بنحو 60 ألف ريال يمني، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين احتياجاتها اليومية، تُوازن فاطمة ببراعة بين عملها في المدرسة ومهامها المنزلية، في التطريز والرسم وكتابة اللوحات الجدارية، بالإضافة إلى أعمال المنزل، كما أنها تتكفل بتدريس شقيقها الأصغر على نفقتها الخاصة، لتضمن له الحصول على تعليم جيد.
تصف فاطمة يومها الشاق لـ”منصة ريف اليمن” قائلةً: “أخرج من المنزل قبل السابعة صباحًا وأقف أمام طلابي حتى الواحدة والنصف ظهرًا. أتنقل بينهم، ساعة أشرح وساعة أعلّمهم الكتابة. ورغم صعوبة العمل وضيق الوقت، لا يفارقني التفكير في أعمال البيت وقسط المدرسة”.
صمدت فاطمة في وجه الظروف الصعبة وتمكنت من تأمين احتياجات عائلتها وكان لها أثر إيجابي في تعليم الطلاب في المدرسة الأهلية بمنطقة الصباحة غربي صنعاء
تسببت الحرب في تغير التركيبة السكانية للمجتمع اليمني، مما أدى إلى تحولات كبيرة في الأدوار الاجتماعية. وفي هذا التحول، كانت النساء الطرف الأضعف، إذ تشير الدراسات إلى أن أكثر من 60% منهن يتحملن أعباء العمل في القطاع الزراعي، مقابل 40% من الرجال.
حرف يدوية
بعد عودتها من المدرسة، تبدأ فاطمة ما تصفه بـ”النوبة الثانية” من يومها، حيث تتعدد مهامها ما بين الرسم والتطريز، وكتابة اللوحات الجدارية، وصناعة الهدايا اليدوية بحسب الطلب، كمصدر دخل إضافي لتعويض راتبها المحدود والمساعدة على تحمل أعباء الحياة، ثم مراجعة دروس شقيقها الأصغر.
تحصل فاطمة على نحو 4 آلاف ريال مقابل الرسمة الواحدة، وفي كل عمل تُنجزه، تضع لمسة فنية خاصة لتثبت أن الكفاح هو السبيل الأفضل للعيش بكرامة، و بفنها، تُحيي جدارًا صامتًا برسوماتها وخطها البديع.
بسبب بعد المسافة بالإضافة إلى تدني راتبها والإرهاق اليومي الذي تعانيه، قررت فاطمة ترك مهنة التدريس خاصةً أنها تدرّس طلاب الصف الأول الابتدائي، وهو ما يتطلب جهدًا مضاعفًا وصبرًا استثنائيًا، لكن إدارة المدرسة أكدت لـ”منصة ريف اليمن” أن أولياء الأمور عبروا عن تمسكهم الشديد بها، وطالبوا الإدارة بأن تكون هي المعلمة المسؤولة عن أبنائهم، نظرًا لما لاحظوا من تطور ملحوظ وتأثير إيجابي في مستوى الطلاب.
وعلى إثر ضغوطات الأهالي، استجابت إدارة المدرسة وتواصلت مباشرةً مع والد فاطمة لإقناعها بالعدول عن قرارها، كما عرضت عليها العودة ضمن الطاقم التربوي مع رفع راتبها بمقدار 5 آلاف ريال، وإعطائها كامل الحرية في اختيار المهام التي ترغب بها، مؤكدة أن “الأهم هو وجودها حتى يقتنع أولياء الأمور بتسجيل أبنائهم”.

وأردفت الإدارة: “في الحقيقة، وحتى نكون واقعيين، فقد أكسبتنا هذه المعلمة سمعة طيبة ورفعت من مكانة المدرسة في نظر أولياء الأمور، وأصبح وجودها سببًا مباشرًا في إقبال الكثير من الأسر على تسجيل أبنائهم في كل عام جديد”.
معلمة استثنائية
في حديثه لـ”منصة ريف اليمن”، أكد إبراهيم أحمد، وهو أحد أولياء الأمور، أنه “لم يشعر خلال الصف الأول في السنة الماضية بأن لديه طلابًا في المدرسة التي تُدرِّس فيها الأستاذة فاطمة، فقد كان دوري في البيت ضئيلًا جدًا، لأن الأستاذة كانت تؤدي واجبها بكل أمانة، وهذه حالة نادرة جدًا في اليمن كلها، خاصة بعد انقطاع مرتبات المعلمين”.
تُوازن فاطمة ببراعة بين عملها في المدرسة ومهامها المنزلية، في التطريز والرسم وكتابة اللوحات الجدارية، كما أنها تتكفل بتدريس شقيقها الأصغر على نفقتها الخاصة
وأضاف إبراهيم أنه سحب أولاده من المدرسة وقام بتسجيلهم في مدرسة قريبة من الحارة التي يسكن فيها للتخفيف من أجرة المواصلات، لكنه أدرك للأسف أنه كان قرارًا خاطئًا، ويعتقد أنه من غير الممكن لأي معلمة أخرى أن تسد الفراغ الذي أحدثته الأستاذة فاطمة، ولا حتى مدرسة بأكملها، حسب تعبيره.
ووفقًا لإدارة المدرسة، التي تحدثت لـ”منصة ريف اليمن”، فقد شكلت الأستاذة فاطمة “علامة فارقة في الأداء والمخرجات”. وأكدت الإدارة: “نحن، كمؤسسة تعليمية، نتمسك بها إيمانًا منا بأنها أحد أعمدة نجاحنا”.
فاطمة، التي أنهت دراستها الجامعية بتفوق، كانت وفق حديثها لـ “منصة ريف اليمن “تحلم بمواصلة الماجستير وإنشاء مشروع مختلف عن واقع التدريس لكن قسوة الحياة قلّصت الحلم، وأصبح البقاء هو المشروع الأكبر. وتضيف: “ما أريده اليوم ليس كثيرًا، فقط قدرتي على الاستمرار، وأن تتوقف الحرب وينعم الوطن بالخير والسلام”.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن النساء يتحملن حصةً غير مُنصفة من الأعباء من حيث تفاقم معدلات الفقر والحرمان مقارنة بمتوسط عدد السكان. ومع ذلك، ثابرت المرأة على إيجاد طرق جديدة لإعالة أسرتها.